مصر بين الوحدة الوطنية والفتن الطائفية
Submitted by كفاية on السبت, 09/06/2007 - 14:30.
م/ سعيد أبو طالب
يظل إصرار البعض على وصم دين معين دون الآخر بالتعصب، إصرارا متجددا، يبرز كلما اشتعلت نيران الفتنة، وهذا الإصرار المتجدد، يدل على مغالطة واضحة، ومتجددة أيضا، بل أن هذا الملف الشائك محاط بكثير من المغالطات والرؤى المبتسرة وردود الأفعال.

 

الإسلام الرسمي والكنيسة الرسمية:

 

لا غبار عليه، لا يمكن لأحد أن يدعى أن الموقف الرسمي للمؤسستين تجاه الأخرى، فالمؤسسة الإسلامية الرسمية إما أن تعترف بالنصارى كأهل كتاب، وان كانت لا تتوقف عن اعتبارهم في حاجة إلى الهداية والدخول إلى دين الله "الإسلام"، أو تعتبرهم كفارا ، حيث المقصود بأهل الكتاب لديها النصارى القدامى الذين امنوا بنبي يأتي بعد عيسى اسمه احمد، وقد يؤمنوا أيضا بعدم صلب المسيح، في الحالتين ترى المؤسسة الرسمية "أن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام دينا لن يقبل منه"

 

الكنيسة اشد تطرفا من الناحية المبدئية فهي لا تعترف بأي دين بعد المسيحية، لذا فهي لا تعترف طبعا بالإسلام، فهو لديها كالبهائية، نعم الكنيسة قد تعتبر اليهودية دينا سماويا، إما الإسلام فهو ليس من الأديان السماوية، ولو اعترفت به كدين سماوي لدخل كل المسيحيين الإسلام، ولكي يظلوا محتفظين بمسيحيتهم عليهم رفض الإسلام.

 

هذان الموقفان- دون تزويق- هما الموقفان الدينيان الرسميان.

 

الإسلام والمسيحية الشعبيان

 

تراوح الموقف الإسلامي الشعبي في مصر بين الموقف الرسمي بجميع تلويناته، وبين موقف آخر، أو مواقف أخرى ترى انه لكم دينكم ولى دين أو ترى أن أشدهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، بل قد يمتد الامتزاج إلى تقديس- ليس العذراء فقط- بل مارى جرجس وبعض القديسين المسيحيين، ولا يتبدى هذا الموقف فقط في زيارة الموالد المسيحية، بل أن أمي ذهبت للكنيسة مرات عدة لطرد العفاريت التي تلبسها، واشترت- طبقا لتعليمات القسيس- صليبا ذهبيا ليحميها من الشياطين.

 

والمسيحية على المستوى الشعبي تقدم على زواج المرأة المسيحية من المسلم رغم تضاؤل فرصة احتفاظها بديانتها في ظل هذا الزواج إلا في حالات قليلة، ورغم ما يترتب على ذلك من مقاطعة أهلها واعتبارها كافرة من قبل الكنيسة، والرجل المسيحي قد يلجا إلى الإسلام ليتزوج مسلمة.

 

المسيحية الشعبية أيضا تتراوح بين هذا وبين موقف الكنيسة الرسمي، وقد تذهب المواقف الشعبية إلى ما هو اشد تطرفا من المواقف الرسمية، فإن احتفظت المؤسسات الرسمية بشعرة معاوية، فقد لا يحتفظ بها محمد عمارة والشعراوي والقس زكريا بطرس وموقع المسيحيين المصريين.

 

هذا الخليط في ثقافة المصريين، مسألة طبيعية، وان كنا طبعا نطمح في غلبة طريقة تفكير معينة أو انتشارها وسيادتها، إلا أننا يجب ألا نصدم أو نعتبر أن حرق منازل المسيحيين في العياط ناتج عن غسيل مخ.

 

فالثقافة والتاريخ في مصر يحملان فيما يحملان عيسى العوام في الحروب الصليبية ومحمد علي الذي استخدم وزراء نصارى وألغى التمييز على أساس الدين، وثورة 19 وعاش الهلال مع الصليب وفؤاد عزيز غالى قائد احد الفرق الهامة في حرب 73 وميلاد حنا ومنير فخري عبد النور ويوسف شاهين وسناء جميل الذين لا تستطيع أن تلمس إلا مصريتهم أولا ثم قد تلمس انتماءهم الديني بعد ذلك.

 

وأتحدى أن يكتشف احد مسيحية هذا النص المرفق: الذي يرد ردا واضحا جلي على ادعاءات وصم المسيحيين بالانتماء الغربي، انه نص شرقي عربي بل انه نص إسلامي، رغم أن من كتبه هو احد الكهنة المسيحيين.

 

اللّهمّ، برحمتك توفقنا للصدق والصواب!

الحمد لله الذي لم يكن شيءٌ قبلَه,

وكان قبلَ كلِّ شيءٍ,

الذي ليس شيءٌ بعدَه,

وهو وارثُ كلِّ شيءٍ,

وإليه مصيرُ كلِّ شيء,

الذي حفظ بعلمه علمَ كلِّ شيء,

ولم يسع لذلك إلا عقلُهُ,

الذي إلى علمه انتهى كلُّ شيء,

وأحصى كلَّ شيءٍ بعلمه.

نسألك، اللّهمّ,

برحمتك وقدرتك,

أن تجعلنا ممَن يعرفُ حقَّك,

ويتبعُ رضاك,

ويتجنبُ سُخطك,

ويسبحُ بأسمائك الحسنى,

ويتكلمُ بأمثالك العليا.

أنت الراحم, الرحمن, الرحيم.

على العرش استويت,

وعلى الخلائق عليت,

وكلّ شيء مليت.

تَخيِرُ, ولا يُخَارُ عليك,

تَقضي, ولا يُقضى عليك,

تستغني عنا, ونفتقر إليك.

قريب لمن دنا منك,

مجيب لمن دعاك وتضرع إليك.

فأنت, اللّهمّ, ربُّ كلِّ شيء,

وإلهُ كلِّ شيء,

وخالقُ كلِّ شيء.

أفتح أفواهنَا,

وانشر ألسنتَنا,

وليّن قلوبنَا,

واشرح صدورنَا,

لتسبيح اسمك الكريم,

العليّ العظيم,

المبارك المقدَّس.

فإنّه لا إلهَ قبلك,

ولا إلهَ بعدك.

إليك المصير,

وأنت على كلّ شيءٍ قدير.

 

كما يحملان أيضا- الثقافة والتاريخ- صورا وأحداثا بشعة، ليس آخرها، وإن تمنينا، أحداث العياط، رغم المبوسة الرسمية التي تعقب المصائب.

 

لا يمكن أن نصدق – وقت الفتن- ما يقوله المسيحيون "أحبوا أعداءكم"، ولا ما يقوله بعض المسلمين من أقوال محيي الدين بن عربي:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة   فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف        وألواح توراة ومصحف قران

أدين بدين الحب أنى توجهت     ركائبه،فالحب ديني وإيماني

 

فترات الانحطاط:

 

في أزمنة كهذه يبحث الفرد عن تمايزه عن الآخر، لكي يرفض الآخر، ويرسمه لنفسه كعدو متخيل، الفرد فريسة للنظام الحاكم وهو غير قادر على المقاومة لقوة النظام، يتخيل الآخر فريسته التي يجب الفتك بها، القوى يبحث عمن هو اضعف منه، وطبيعي أن تكون الأقلية فريسة للأغلبية، دون نفى أن الأغلبية هي الأخرى فريسة للنظام الحاكم.

 

وبديهي أن ساويرس لا يمكن أن يكون اقرب لجامع القمامة المسيحي من جامع القمامة المسلم،وبديهي أيضا أن مجدي يعقوب أفضل عندي من زغلول النجار، لكن زمن الانحطاط يحمل تزييف البديهيات، لو انقلبت الآية وكان المسيحيون أغلبية لاضطهد المسلمون وأحرقت مساجدهم.

 

لا اقلل من نضالنا ضد التمييز الديني ونضال آخرين ضد التمييز ضد المرأة، ولكنى أؤكد أن فترات التدهور بما تحمله من غياب لمشروع قومي قوى يخفى التناقضات الثانوية- لا يلغيها- هذا الغياب يؤجج التناقضات الثانوية ويشعل حمى البحث عن فريسة وحمى عدم قبول الآخر وحمى البحث عن تمايز وهوية متخيلة.

 

حتى نقيم دولة مدنية لا تبنى فيها دور العبادة بأموال دافعي الضرائب وتلغى فيها خانة الديانة من البطاقة وتشدد فيها العقوبات على مرتكبي التمييز الديني وخلافه، حتى يتحقق هذا نحن مطالبون بان يشعر القسيس أو الشيخ "بأني قد اختلف معك في الديانة ولكنى على استعداد لان ادفع حياتي ثمنا لحقك في ممارسة عبادتك"

 

النضال مطلوب ضد من يقيم الفرد على أساس ديانته سواء كان المفتى أو البابا شنودة، غبور أو محمد أبو العينين.

 

النضال مطلوب ضد من يصفون جمال البنا بأنه متطرف وأخو حسن البنا لأنه هاجم البابا شنودة،

 

النضال مطلوب ضد المفتى والشيخ الطنطاوي لأنهما لم يعتذرا لمسيحيي العياط ولم يدشنا حملة جمع تبرعات للتعويضات وبناء كنيسة هناك، النضال مطلوب ضد كل من يرى في زواج مسيحية بمسلم اختطافا.

 

أن نشعر جميعا بان الدين لله والوطن للجميع حتى لو كان الديانة البوذية، هذا الشعور هو بداية إرهاصات الدولة المدنية.
 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
12 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.