- No upcoming events available
مشروع اغتيال قناة السويس
Submitted by كفاية on الاثنين, 04/06/2007 - 22:21.
الأحمر.. والميت.. واستضعاف مصر!
العربي
عبدالله السناويللأخطار ألوانها، وللكلمات مذاق الموت. وفى هذا المشروع -بالذات- يبدو الأمن القومى مكشوفاً، ومعرضاً لانهيارات جديدة أخطر وأفدح مما جرى حتى الآن.
لم يعد المشروع فكرة معلقة فى هواء غرف مغلقة لاجتماعات سياسيين وفنيين تحت عنوان: التعاون الإقليمى بين إسرائيل والدول العربية، أو خرائط سياسية وتصورات استراتيجية جديدة تحكم المنطقة وتتحكم فى تفاعلاتها داخل ملفات مختوم عليها العبارة الشهيرة: سرى للغاية.
فبعد ثلاثة أسابيع يبدأ البنك الدولى، وأجهزته الفنية المتخصصة، فى فحص طلبات التأهل لتنفيذ مشروع DEAD-RED، هو مجرى مغطى بمواسير عملاقة، فضلاً عن قناة مفتوحة تصل ما بين البحرين الأحمر والميت، قد يتحول -بالربط مع البحر المتوسط - الى قناة تنازع قناة السويس، وتلحق بها أضراراً بالغة فى أدوارها الاقتصادية والاستراتيجية.
ووفق التقاليد المرعية فى هذه المشروعات الضخمة، المشروع تكاليفه 100 مليار دولار فى المرحلة الأولى التى تسبق الربط بالمتوسط، فإن هناك دراسات جدوى معمقة، تشمل تأثيرات المشروع على البيئة المحيطة، وبخاصة المياه الجوفية.
وفور اعلان البنك الدولى عن تبنيه دراسة المشروع، أخذت الشركات الدولية المعنية بالتربة والمياه والبيئة، ومشروعاتها الهندسية العملاقة، فى بناء تحالفات كبرى من دول وتخصصات مختلفة استعدادا للتقدم الى مرحلة التأهيل، بسابق أعمالها وخبراتها.
وهناك -الآن- ما يناهز الـ 80 تحالفاً مالياً وفنياً بين شركات دولية متخصصة وعملاقة، ومن بينها تحالف قوى تقوده شركة بكتيل الأمريكية، تقدمت بالفعل الى البنك الدولى، الذى سيفرز طلبات التأهل لاختيار قائمة مختصرة من 10 مجموعات شركات لدخول مناقصة دولية لتنفيذ المشروع، يسبق التنفيذ إجراء دراسات جدوى شاملة البيئة والمياه والتربة.
الكلام العام المتواتر، الذى يقابله فتور فى الاهتمام من وسائل الاعلام العربية، دخل مرحلته الحاسمة، وبدأت الأخطار كسكين مشرعة فوق رأس لا يعرف ما قد يحدث له!
فنحن أمام مشروع يتجاوز الصراع العربى الإسرائيلى وحقائقه، والانهيار الكامل لما يسمى عملية السلام، مصحوباً بكلام كثير عن مبادرة السلام العربية، التى ترهن التطبيع الكامل بالانسحاب الإسرائيلى الشامل من الأراضى المحتلة منذ عام 1967، الى تعاون إقليمى واسع يضم إلى إسرائيل الأردن والسلطة الفلسطينية، ويعزل مصر ويهمشها أكثر مما هى مهمشة فى منطقتها، ويهدد أمنها القومى فى مقتل، ويطل بآثاره على المستقبل الاستراتيجى لقناة السويس وقيمتها الاقتصادية.
إنه الشرق الأوسط الجديد متجلياً فى مشروع للتعاون الإقليمى، يضع إسرائيل فى قلب تفاعلات المنطقة، وعلى رأس القيادة فيها، بلا كلام أو سلام أو انسحاب أو تفاوض أو حديث عن إجراءات ثقة وتفاهمات سياسية. إنه تطبيع مجانى، وأضرار بلا حدود بالقضايا العربية، وبالأمن القومى العربى، لمصر النصيب الأكبر فيها. وفيما أبدت مصر ورئاستها اعتراضات معلنة على مشروع جسر يربط بين السعودية وسيناء، لم يفتح الله عليها بكلمة واحدة حتى الآن عن مشروع تعاون إقليمى آخر من نوع مختلف وقاتل.
قد يقال إن تكلفة المشروع باهظة للغاية، فهو يمتد لمسافة 180 كيلو متراً بين البحرين الميت والأحمر، وهو يخترق أرضا جبلية، الأنبوب نفسه يمر داخل جبل، ثم إن وصل البحرين الأحمر والأبيض تكاليفه بمعايير اليوم تفوق أى خيال. وهو ما دعا خبيرا استشاريا الى التهوين من شأنه، واعتباره مستحيلا، وفى وقت لاحق قال مسئول كبير: دعكم من هذا المشروع ومخاوفه، فهو نكتة، بمعنى أنه غير قابل للتنفيذ!.
غير أن النكتة يبدو أنها فى طريقها الى التنفيذ، وقد نتحول نحن أنفسنا الى نكتة!
قد يقال إن تلقي البنك الدولى طلبات التأهل لتنفيذ المشروع تعبير عن تعقيدات فنية وبيئية فيه، وقد ينصح -فى مرحلة لاحقة- بعدم المضى فيه. وهناك إشارة لها مغزى فى أن تلك هى المرة الثانية التى يطلب فيها البنك الدولى التأهل لتنفيذ المشروع وإجراء دراسات جدوى عليه. فالمشاكل البيئية بالذات تحول دون تنفيذه، وهناك من يقول إن العدو الأول للمشروع البيئة وعلماؤها، إذ يترتب عليه تلوث المياه الجوفية فى المنطقة، وفى مصر بالخصوص، غير أن تلك الرهانات قد تفشل، واستضعاف مصر قد يمضى إلى نهايته بوضع سكين أحمر على جسدها الذى يظنون أنه ميت!. فالعودة الى طلب التأهل، يعنى أن هناك من يلح ويضغط، معتقداً فى إمكانية تنفيذ المشروع والتغلب على أى معوقات فنية، أما تأثيراته السلبية على البيئة، لمصر الحظ الأكبر من التأثيرات البيئية السلبية، فهو ما يمكن المماحكة فيه، أو ربما تصور أن مصر التى تبدو ضعيفة ومستباحة فى أوضاعها الحالية لن تجرؤ على رفع صوتها بالاحتجاج، أو أن تمضى فى الرفض الى نهايته.
وعلى مدى سنوات مضت كانت هناك لجنة إقليمية تجتمع دوريا لمتابعة المشروع من ممثلين للأردن وإسرائيل والسلطة الفلسطينية دعى اليها ممثل عن مصر كمراقب، مهمته الأساسية أن يستمع!.
وأبدت السلطات المصرية اهتماما بما يجرى فى اللجنة، وفى دهاليز الأجهزة الفنية بالبنك الدولى، وشكلت لجنة خاصة لمتابعة المشروع، فيها ممثلون للخارجية وجهات سيادية أخرى، تلقت تقارير من علماء مصريين متخصصين فى البيئة والتربة والمياه من جامعتى القاهرة وقناة السويس.
هذا كله، تعبير عن درجة من التنبه لخطورة ما يجرى، وآثاره الاستراتيجية الخطيرة، وبدا فى المداولات تساؤل فنى حاسم عن الأهداف الحقيقية من مشروع DEAD-RED، إذ يمكن الربط بين المتوسط والميت، بتكاليف أقل، فالمسافة التى تفصل الميت عن المتوسط أقل من التى تفصله عن الأحمر، والعوائق الجبلية غائبة.
باليقين، هناك مشكلة فى الميت ترشحه للموت الكامل، أو أن تنضب مياهه خلال فترة منظورة - 30 عاماً فى بعض التوقعات.
وهذه مشكلة حقيقية، لكن حلها لا يكون بالارتماء فى أحضان إسرائيل، والتسليم بطلباتها، والإضرار بدول عربية أخرى.
فى تقديرات اردنية، أن رفع منسوب المياه فى الميت ينشط السياحة الأردنية من ناحية، وينشئ مشروعات تحلية مياه وتوليد كهرباء من قوة الدفع المترتبة على تفاوت ارتفاع هذا المنسوب بين البحرين الذى يصل الى نحو 400 متر.
ولكن السؤال الجوهرى هنا: لماذا يصر الأردن على ربط الميت والأحمر ويتجاهل مشروع ربط الأول بالمتوسط؟.
هنا يصح أن نقول: ابحث عن إسرائيل. فالدولة العبرية ترفض من حيث المبدأ أى احتمالات لتلوث أراضيها، أو أى تأثيرات تلحق بمياهها الجوفية، أو أن تشقها قناة مقترحة الى نصفين. كلها سلبيات ترفضها إسرائيل، لانها ببساطة تلحق بها أضرارا استراتيجية وبيئية لا شك فيها.
أما مصر فلا أحد يأخذ تحفظاتها فى الحسبان، وتبدو حتى الآن صامتة على ما يجرى فى البنك الدولى ويوشك أن ينفجر فى وجهها خطر مؤكد وكارثى. ونخشى أن تمضى مصر فى المتابعة كمراقب، تبدى القلق فى اجتماعات مغلقة دون أن تعلن رأيها بصراحة. فمن ناحية قومية استراتيجية، المشروع إسرائيلى حتى لو ترتب عليه بعض مصالح اقتصادية أردنية أو فلسطينية، فما معنى أن تشارك سلطة سياسية تحت الاحتلال محتليها فى مشروعات تعاون إقليمى يتجاوز الأرض المحتلة إلى تطبيع مجانى مع دول عربية أخري؟! وما معنى أن ترهن دولة عربية، أكثر من نصف سكانها من الفلسطينيين، وجودها لدولة الاحتلال، إلا أن تكون الهزيمة قد استقرت وأخذنا نقبل بجميع نتائجها السياسية والعسكرية والاستراتيجية؟ وهو ما لم تفعله مصر فى الأيام والسنوات التى تلت حرب 5 يونيو 1967 التى تمر عليها الآن أربعين سنة كاملة. رفضت الهزيمة، واعتبرت ما حدث نكسة، وأننا يمكن ان نقوم من جديد، ونبنى جيشنا الوطنى من تحت الصفر، وأن نخوض معارك ضارية أطلق عليها حرب الاستنزاف، وانتصرنا بالفعل فى حرب اكتوبر 1973، لكن جاءت نتائجها السياسية أقرب إلى الهزيمة، واستضعاف مصر هو الثمرة المرة لسياسات سادت لثلاثة عقود كاملة.
الحقيقة التى يجب أن تقال إن المشروع الخطير للربط بين الأحمر و الميت، بتكاليفه الباهظة، هو استثمار استراتيجى لتهميش مصر فى منطقتها.
والمحزن أن نترك الكارثة تمضى الى نهايتها فى البنك الدولى دون أن نرفع أصواتنا بالاحتجاج، أو أن نقول بصريح العبارة: هذا المشروع.. لن يمر!.
- 1264 reads

علِّق