الأنفاس المقطوع
Submitted by كفاية on الخميس, 24/05/2007 - 21:21.
الدستور.إبراهيم عيسى
لا يمكن أن تفوز مصر أبدا في مسابقات الجري للمسافات الطويلة، مصر بلد نفسها قصير، كلنا على بعضنا، شعب على حكومة، معارضة على سلطة.. لهذا يطلقون على ثوراتنا هبات، فهي فعلا مجرد هبة سريعة خاطفة وقصيرة.. انتفاضة 18و19 يناير الني تمثل شبحا لنظام مبارك حتى الآن، لم تستمر أكثر من يوم ونصف اليوم تقريبا، أكبر مظاهرة نقوم بها لا تستمر أكثر من ساعتين وبعدين كلنا نزهق، الذين يضربون والذين ينضربون والذين يتفرجون.. أي مشروع حكومي تتغنى به الحكومة أسبوعا أو اثنين وبعدين تسكت وتنسى ولا يكتمل أي مشروع، حتى ولو كان – كالعادة – فاشلا ووهميا.. أي حملة للمقاطعة لأي شيء لا تكمل أسبوعين ثم تنتهي وننساها كلنا من كان معها ومن كان ضدها.. يعتصم القضاة ويكشفون زيف الانتخابات فنلتف حولهم ونحبهم وننام على رصيف ناديهم، لكن هم ونحن نزهق من طول المعركة، التي هي أساسا في بدايتها، القضاة يلتقطون أنفاس طريق بدا أنه طويل جدا أقصى من أن يصلوا إليه، فبعضهم يستقيل أو يريد الاستقالة وبعضهم يريد السفر وبعضهم يريد ألا يريد شيئا، ثم الجمهور المتضامن والملتف حولهم يتململ من أن القضاة لم يحركوا الشعب ولا العالم ولم يغيروا النظام، فينفض الجمع قبل أن يتجمع أساسا.. تعارض حركة كفاية الرئيس مبارك بشدة وبقوة ثم نيأس منها سريعا لأن الرئيس مبارك لم يتأثر ولم يستجب لمطالبته بالرحيل.. ليس هذا فقط بل نحن قصار النفس حتى في الحروب.. انهزمنا في ستة أيام في 1967 ، ووافقنا على وقف إطلاق النار، وطلبناه بعد أيام من 6 أكتوبر 1973 بل وافقنا ونفذناه بعد 16 يوما فقط من بداية الحرب.. هذا داء مصري صميم ومخيف، أننا لا نتمتع بالدأب ولا بالقدرة على الإصرار وعزيمة التحمل.. يعتصم العمال يومين تلاتة وبعدين ما يصدقوا تتصل بهم عائشة عبد الهادي أو يأتي لهم مندوب وزارة الاستثمار ويوافقون على فض الاعتصام بأقل قدر ممكن من الاستجابة لطلباتهم وحقوقهم.. معارك المصريين كلها قصيرة، في ميادين السياسة والعلم والتاريخ والحروب والمقاومة، كلها قصيرة جدا لمجتمع وشعب مقطوع النفس يزهق سريعا وييأس أسرع، ولهذا فالذكاء الوحيد الذي يملكه نظام مبارك ويعيش على حسه هو قدرته على فهم الأنفاس المقطوعة للمصريين.. ومبارك تحديدا أستاذ في فن اكتساب الوقت واستيعاب هبات المعارضة القصيرة، لكن في الأيام الأخيرة دعنا نلتفت لعمال شركة المنصورة إسبانيا في مدينة المنصورة، فربما هؤلاء هم الاستثناء الوحيد في مصر الذين أثبتوا أنهم أبطال دفاعا عن حقوقهم واعتصموا داخل مصنعهم لليوم الخامس والثلاثين على التوالي.. نفس هؤلاء طويل وإصرارهم رائع، وبينهم ستات بمليون رجل، وفيهم رجال بألف زعيم، حاجه كده مش مصرية خالص، فيبدو أنهم من عمال إسبانيا في شركة المنصورة- إسبانيا!
مصالحة
أستادي أبراهيم عيسي
ارحمونا
انفاس×انفاس
علِّق