الكفاح على طريقة الأستاذ عــبـد المهم
Submitted by د.أحمد يونس on الأربعاء, 16/05/2007 - 17:05.

الدستور .
أعرف شخصاً لا يمكن أن يرى خـناقـة في الشارع، أو حـادثة مـرور أو انفـجـار أنبـوبـة بوتاجاز في محل كشري أو مـطـعـم فول وطـعـمـية،دون أن ينطلق نحـو الموقع مجذوباً كدبوس الرسم في اتجاه المغـناطيس. لا يمكن أن يرى علقةً ساخنةً يفقعها رجل عريض المنكــعين لزوجته التي تفر إلى البلكونة، لتستغيث بـأمــة لا إله إلا الله، دون أن يحجز لنفسه مكاناً في مقدمة الصفوف. هناك حيث مئات الأعــناق تتخشب معاً في الوضع مشرئبةً إلى أعلى. الحرائق أو انهيار العمارات أو مـداهـمـة الشرطة لأوكار الدعارة أو غـرق أتوبيس بركابه في قاع النيل هي ضالته التي لا يتوقف عن التلفت حواليه باحثاً عنها. بل إنه لا يغادر البيت في بعض الأحيان إلا لهذا الغرض بالذات، وهو على أتم الاستعداد دائماً لتأجيل الموعد المحدد سلفاً، أو حتى لإلغــائه لو لزم الأمر. على أتم الاستعداد لتطنيش المـشـوار الهــام الذي خرج في الأصل من أجله، مـحـتملاً هذه البـدلة التي ضاقت عليه كثيراً في السنوات الأخيرة. على أتم الاستعداد لفعل هذا كـله بنفس راضية، فقط إذا بدا له أن الحكاية فيها حـاجـات قــلة أدب.
يظل يتنشق ـمنذ أن يغلق خلفه باب الشـقـةـ هابطاً السلم، على شــيء يستحق الفرجة. شــيء يدلي فيه برأيه دون أن يكون مطالباً بذكر الأسباب التي يستند إليها. ومن صميم قلبه، يتمنى لو انتقل إلى سكــن آخر، حيث لا تبعث المشـاحنات بين الجيران على الملل إلى هذه الدرجة. سكــن يتمتع فيه الناس ـكباراً أو صغاراًـ بالقدرة على الابتكار في تصعيد المواقف. لا يتورع فيه البواب عن ضرب العيال العـفـاريت على قفاهم لمدة تتراوح من عشر دقائق إلى ربع ساعة يومياً،خاصة هؤلاء الذين ينزلون مــن الدور الســادس تزحلقاً عـلى الدرابـزيـن ليلة الجمعة أو صباح الثلاثاء، أو مــد الفتيات اللائي يسـرن بعد الظهر بالكوتشي على أرجلهن أمام عمال المخـبز الآلي. لا يخشى فيه الزبــال من تلعــيب حواجبه لسائقي المكــروباص الذين يأكلون كثيراً، بدلاً من: بالســلامــة يـا شـربات، التي فقدت معناها تماماً، ولا كـشـاف النور من عــض الذين يعبثون بالعدادات في الإليتين، لاسيما حين يكون الهـواء مشبعاً بالرطوبة. عبارته المفضلة لانتقاد هـذا الوضع هـي: الدنـيـا مالها بقـت بايخـة كـده ليه؟ خـلاص بـح! مـافـيش خـيال!
وعلى مدى ساعات النهار يظل يدور هكذا كالنحلة. من مـحـطـة ضـريح سـعـد أو لاظــوغلي إلى الجــيارة أو أغـاخـان، أو من الحي التاسع أو شبرا المظلات إلى عـزبة النخـل أو مــدينة  العبور. يظل هكذا كالنحلة إلى أن يبدأ في الشكوى من آلام المفاصل أو البروستاتا ، أو من الفشل في العثور على من يدعوه إلى الغداء أو ينشر له مقالاً أو يتعطف عليه بمنحة تفرغ داخل الحظيرة. يتوحم طوال الوقــت على قوة من الشرطة يقودها ضابط بنجمتين، تشن هجوماً مكثفاً على سوق الخـضـار. تقلب أقفاص الفراخ أو عربات اليد فوق أصحابها من البياعين السريحة،  ملقيةً بالخرشوف أو القـلقـاس أو الأرانـب أو البـيـض أو البـلح الأمـهـات أو الخـس في التراب. تعتريه فرحةٌ غامرة، عندما يلمح بطـرف عينه شـحـاذة بلون الطين،تحاول ـما استطاعتـ أن تلملم جـلبيتها المـمـزقـة السوداء، بينما هي تجري قافزةً من داخل إحدى الخرائب ـكحشرةٍ مـكـبرةـ في إثر مجند يتعثر أثناء الركض ليرفع بنطـلونه السـاقـط عند الركبتين. تقذفه بالطوب، صارخةً بصوت ملتاع يختلط فيه سعار الغضب بشـرخـة البكاء: الخـمـسـة جـنيه يـا ابــن الكلب!
خلال الأشهر التالية مباشرة لفشل قصة الحــب الأخيرة في حياته، عندما هربت المـرأة ذات الشــعـر الأكــرت التي كانت تعيش معه بالليل من ســلم الخـدامين، بدأت تظهر عليه أعراض غريبة. هكذا بلا مقدمات، يأخذ بالحـضـن كشافاً جمركياً يصغره بثلاثين عاماً على الأقل، وسط ذهول أصحاب الحقائب التي يجري تفتيشـها أو العاملين بالمطار. وعلى حين ينظر إليه الشاب فاغراً فاه من الدهشة، يستمر هو في تذكيره بالأيام الخوالي: إخص عــليـك يـا وِحِش! كـل الســنين دي غــطســان ، لا حد عــارف انت فين، ولا بتسأل على حد! تخــونك ســندوتشـات المــش  اللي كــنت بتطفحها عــندنا في الضــاهر! أمـا صـحـيح راجــل دون! ســيبت إيــه امــال لأذنــاب الاسـتعـمـار! مـش بعــيد تكــون نســيت كــمـان التنظــيم الـســري اللي كــنا عــامــلينه ســوا فـي شـقــة عـين شـمـس! إحـنا يـا دوب كــنا حـقـيقـي تلتاشـر نفــر بمــرات طــه الشــيخ ونـبيه سـرحـان. إنمــا إيه؟ بمـقـام ألف! دوخــناهـم يـا جدع! فـاكـر يســرية مـحـمـد؟ على نحو ما، تكلل بالنجاح جهود أهل الخير الذين يسارعون بالتحجيز بينهما لفض الالتباس. إلا أنه يواصل هامساً هذه المرة في أذن مضيفة جوية أو سائح أجنبي، بينما هو يشير بإصبعه إليه: طــول عــمـره مخبر! أكثر من مـكـالمـة تليفـونية عاجلة، تتلقاها هذه الشقيقة أو تلك ـعلى مدى الأسبوعـ بشأنه من قسم الشرطة: حـد ييجــي يضـمـنه!
يكاد يقتله الفضول، فيزاحم ليزداد اقتراباً من مركز الـدائرة. ذراعاه الطويلتان يستخدمهما كطرفَي مــقــص لقـطـع الرقاب التي تسد عليه المنافذ. الرِجــلان من أعلى الساق حتى أصابع القدم، تقومان بوظيفة شوكة البلدوزر، عندما تزيل من على وجه الأرض الكـتل البشـرية التي تعوقه عن التقدم نحو الجثة المغطاة بأوراق الصحف أو الجريح الذي يلفظ أنفـاسـه الأخيرة قبل أن تصل سـيارة الإسعاف. أما المؤخــرة، فكــقلعــة هـنغـارية من القرون الوسطى، شعارها: لن يمـر أحـد من هنا. سجايا الطــروبش بالسليقة التي يتحلى بها، تضعه على الدوام في مكان الصدارة من الحشد. لكنه كثيراً ما يرجع خلال دقيقتين أو ثلاث، ليتمتم بخيبة أمل، مخاطباً جـمـوع المشيعين في جنازة شـخـص لا يمت له بصلة: اسكتوا! مـش طـلع طـابور عـيش!
لديه دائماً قــدرة خــاصة على مد جسور الصـداقـة في لمـح البصـر مع الذين سبقوه إلى مـنطقـة التجمهر. قــدرة فــذة كتلك التي يتمتع بها في العادة مندوبو المبيعات أو موظفو الاستقبال بالفنادق أو الملاهي الليلية أو عاملات الباديكير. علبة سجائره ـفي هذه الحالة استثناءًـ مـفتوحـة على آخرها لكل من يدلي بمعلومات من شأنها أن تساعد في التوصل إلى ما وراء الما وراء. أبداً ما نجح في التخلص من الشـعـور  بأنه كان ضحية القــدر  الأحمق الخطى، عندما حرمه ـدون جريرةٍ ارتكبهاـ من أن يتواجد على المقهى المقابل أثناء اشتعال النـار في مسرح بني ســويف، أو يحــلق بالهليوكبتر فوق العبارة الغارقة أو القـطـار المحترق. طريقته الناعمة في استجواب شهود العيان كانت ـفي حد ذاتهاـ كــفيلة بـأن تضعه على رأس جهاز مباحث أمن الدولة. أسلوب متمرس يتستر ـبكفاءةٍ نـادرة الوجـودـ على ما بداخله من نزوع طبيعي إلى العنف. لولا أن ما بداخله سرعان ما ينضح على صفحة العينين. لهجته الفـحيحية على غرار من يعيشون في دور عبد المهم، تنذر في كـل لحظةٍ بإمكانية إبراز الوجه الآخر. يسأل هـذا الغـلام أو تلك العـجـوز عـن المـشـاهد التي فاته أن يتفرج عليها ليكون في الصورة. كيف بدأت المــســألة بالضبط؟ ما هي الشتائم التي تقاذف بها المتشاجرون؟ جابوا ســيرة الأهالي؟ أم توقف الأمر عند مجرد تبادل الاتهامات الجنسية؟ ما نوع الأسـلحـة التي استخدموها؟ المطاوي أم الجنازير؟ أم اكتفوا بالشباشب أو الأسنان؟ الواقفون إلى جواره غالباً ما يسمعونه في النهاية يدلي بوجهة نظره، كمن يصدر حكماً نهائياً لا يقبل النقض أو الإبرام: البـت المِسـهـوكــة اللي لابسـة احـمـر هــنـاك دي هــي أس البـلاوي! أحياناً، يطلب من المحامي ـالذي يقابله بالصدفة في الاحتفال بذكرى أحد الشعراء أو الملحنينـ أن يصحبه ليطلع على المحضر.     
وعلى الكنبة في حجرة الجلوس بالمنزل، بينما هو يتعشى أو يتجول بالمؤشر بين الفضائيات أو يلعب الطــاولة أو يثرثر بالتليفـون أو يحــل الكــلمات المتقاطعة، يروي لمن معه ما جرى بالتفصيل الممل معلقاً: كــلام فاضي! هي دي برضه خــناقات!
أكثر من شـخص أعرفه في الواقع على هذه الصورة. بالعشرات هم من يتابعون بنفس تلك العقلية نضـال حركة التغيير في مــصــر. أشواق الناس إلى الحد الأدنى من الكرامة أو الحرية أو العدل، عذابات الفقراء الذين يحلمون بزمن لا يأكلون فيه من صفائح القمامة أو ينامون على الأرصفة، كل هذه المعاناة ليست ـبالنسبة لهؤلاءـ سوى مادة مسلية أثناء تجاذب أطراف الحديث. ليست سوى مادة يسخرون من قلة جدواها في مجالس المـسـامـرة. هكذا هم: ثوريون على المعاش.
لا أجد اســماً آخر.                
 
هلوسة آخر الليل
الدستور الأربعاء 9 مايو 2007    

أحسسن ما ينضموش

لحسن الحظ أن هذه النماذج لا تنضم إلى حركات التغيير في مصر، فهي بصراحة معطلة. وبافتراض أنها كانت نشطة، فإن جهودها كلها ستتركز على التغيير إلى الأسوأ. مع تحياتي وإعجابي. عدلية المهندس

هؤلا هم أعداء حلم التغيير

أعداء حركة التغيير في مصر والحلم في غد أفضل وحياة غير هذه كثيرون. وعلى رأسهم النظام المستبد والفساد والمخاطر الخارجية والثوريون على المعاش. كل هؤلاء يعادون حلم الإنسان المصري البسيط في التغيير. د. حنان كامل

عاش الرئيس أبو رجــل مسلوخة

أجمل ما في كتابتك يابو الدكاترة أنها صادمة. وهذا هو الطريق الوحيد نحو التغيير. تصدمنا بالواقع، فنكتشف مدى قبحه، وتتولد داخلنا الرغبة في أن نغيره. وكتاباتك ليس صحافة كغيرها. إنها إبداعية، وهو ما لا يدركه بعض المعتادين لهذا الواقع أو بعض العاديين. أنا لست ناقدة. ولا أعرف كيف أحلل جماليات هذه الكتابة. غاية ما هناك أنني أحسها. لمياء السحراوي. مواطنة تعشق الكتابة الجميلة وتحب هذا الوطن كثيراً

إنهم يملؤون الشوارع

كيف يا دكتور أحمد يونس، والكلاب لا تعلن عن هويتها، وهي تبدو في كل مكان بملامح البشر؟ قطعاً سيلعبون كل الأدوار بما في ذلك الكفاح على طريقة الأستاذ عبد المهم. سمير فوزي

كفانا مسكنات

عندما يزداد الألم نلجاء للمسكنات ولا ألوم سيادتك ولكني أحسبك من المسكنات الهامه في الدستور وبعد كل شيء يبقي المريض كما هو لم يعالج المرض ولم يقم من هم مسؤليين عن علاجه بأحضار العلاج ولكن عايروه بمرضه ونزعوا الأمل في الغد نريد الحل لما نحن فيه لا المسكنات فلتتركوا المريض بدون مسكنات عله يعرف علته وأشكركم علي وقتكم

الأستاذ عــبـد المهم انتشر كثيراً يا دكتورنا الرائع

هذا النموذج الذي يجلس على مؤخرته وينتقد الذين يحاولون أصبح للأسف أكثر من الهم على القلب، وأنت وصفته بعبقرية وكل واحد واحدة سيتصور أنك تقصد عبد المهم الذي يعفه هو من دقة الوصف والغوص داخل تركيبته النفسية المريضة. وأنا عايزة أقول لك أنني مبهورة كالكثيرين بما تكتبه ولا أرى فيه عيباً سوى أنه أقل مما أتمنى. اكتب، اكتب، اكتب عن أوجاعنا التي تعرف يا دكتور أحمد يونس الرائع أين هي ومن المسئول عنها، واسمح لي أيضاً أن أقول لك: لا تسمع لمن يطالبونك بتخفيف النبرة وتهدئة اللعب خوفاً عليك من بطش النظام. أجمل ما فيك هو هذه الشجاعة وهذا الغوص في الأعماق وتلك الصور التي نراها طول النهار وأنت فقط، أنت فقط تعرف كيف تحكيها. سارة عبد الملاك

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
14 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.