- No upcoming events available
عند تقييم ما فعله السادات في تحويله دولة قوية إلي دولة رخوة، لابد في رأيي من أن نأخذ في حسابنا أن عبدالناصر ترك له تركة ثقيلة هي احتلال سيناء، وسرعان ما تبين جزءا من الثمن الذي كان يجب علي مصر دفعه من أجل استعادة سيناء «في ظروف العالم في ذلك الوقت، ومهما كانت براعة الرئيس الجديد» هو بداية تفكك الدولة المصرية.
كان أنور السادات بطبعه أضعف من أن يقاوم هذا التفكيك، بل كان بصفاته الشخصية عاملا مساعدا في حدوثه، ولكن من الصعب تصور أن تظل الدولة المصرية بعد ١٩٦٧ بالقوة نفسها التي كانت قبلها.. نعم، لقد حدثت حرب ١٩٧٣، وتم عبور عسكري ناجح إلي سيناء، ولكن هذا الإنجاز العسكري لأسباب ليس هنا مجال للخوض فيها، لم يقترن بإنجاز سياسي مساوٍ له، بل فرض علي مصر مختلف الشروط المجحفة في الاتفاقيات المتتالية مع إسرائيل، وبمناسبة هذه الاتفاقيات، ابتداء من اتفاقيات فك الاشتباك في ١٩٧٥، إلي اتفاقية السلام في ١٩٧٩، ساهمت هذه الشروط بلاشك في إضعاف الدولة المصرية.. كيف حدث هذا بالضبط؟
كان دخول الولايات المتحدة طرفا في اتفاقيات تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي، قد تم في مقابل خضوع مصر لنفوذها، وهو ما دُشن في احتفال عظيم بزيارة الرئيس نيكسون مصر في ١٩٧٤، وكأنه إمبراطور روماني جاء ليتفقد هذه الدرة الثمينة التي أضيفت مؤخرا إلي ممتلكاته، ولكن هذا الإمبراطور طلب من أجل أن يحل مشكلة سيناء، أشياءً كثيرة، من إعادة تسليح الجيش المصري بسلاح أمريكي، إلي فتح أبواب الاقتصاد المصري أمام رؤوس الأموال والسلع الأمريكية والغربية بوجه عام، وابتعاد مصر تدريجيا عن منطقتها العربية، فضلا ـ بالطبع ـ عن تغيير طبيعة العلاقة بين مصر وإسرائيل.
كان في قبول كل هذا رضوخ صارخ من جانب مصر لإرادة الأجنبي، ومنذ ذلك الوقت، أي منذ منتصف السبعينيات، ظهرت رخاوة الدولة المصرية إزاء الإرادة الأمريكية، وإزاء الإرادة الإسرائيلية وإزاء إرادة رأس المال الأجنبي، كما أدي أيضا إلي رخاوة الدولة المصرية إزاء الدول العربية الأخري.
فالولايات المتحدة وإسرائيل لهما مطامع ومشروعات في الدول العربية الأخري، تتعلق بالبترول من ناحية، وبإنشاء علاقات بين إسرائيل وهذه الدول من ناحية أخري، وبتوسيع دائرة الانفتاح الاقتصادي لتشمل المنطقة العربية كلها من ناحية ثالثة، وكان لابد لمصر (في نظر أمريكا وإسرائيل) أن تقدم خدماتها لهما في كل هذه المجالات، وقد كان،
فإذا بهذه الدولة العربية أو تلك تكتشف بالتدريج «ومازالت تكتشف» كيف فقدت مصر كزعيمة وشقيقة كبري، وكحكم فيما ينشأ من نزاعات بين دولة عربية وأخري، وأن تكتشف كيف أصبحت الدولة المصرية رخوة في علاقاتها ببقية العرب مثلما أصبحت في علاقتها بالولايات المتحدة وإسرائيل، وفي علاقتها برأس المال الأجنبي.
ولكن هذا كله كان لابد أن يظهر أيضا في صورة رخاوة غير معهودة في علاقة الدولة المصرية بالشعب المصري، تفسير ذلك أن العلاقات الخارجية الجديدة «سواء مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو رأس المال الأجنبي» كانت تتطلب بالضرورة وصول نوع جديد من الناس إلي تولي مسؤوليات الحكم واعتلاء كثير من المناصب المهمة، كرؤساء للوزارة ووزراء، ومسؤولين عن السياسة الاقتصادية والإعلام «وعلي الأخص التليفزيون»... إلخ،
كل هؤلاء كان لابد أن يختاروا بعناية ومن نوع مختلف عما كان معروفا في الخمسينيات والستينيات، فإذا كان من بينهم أحيانا بعض من كانوا قريبين من السلطة في الخمسينيات والستينيات، كان لابد من التحقق من أنهم مستعدون «للتعاون» في تطبيق السياسات الجديدة.
كان المطلوب أشخاصاً لا يحملون أي سخط علي السياسة الأمريكية في المنطقة، وياحبذا لو كانت لديهم نقطة ضعف إزاء نمط الحياة الأمريكي، ويحبون تمييز أنفسهم ونمط معيشتهم عن نمط حياة عامة المصريين، ومن المفيد أن يكونوا ممن يكرهون أي شيء يمت للاشتراكية بصلة، ومؤمنين بقانون السوق وقدرته علي تحقيق أحسن النتائج في ميدان الاقتصاد، ونظام الديمقراطية «علي النمط الأمريكي» وقدرته علي تحقيق أحسن النتائج السياسية.
كان مطلوبا أيضا أشخاص لا ينظرون إلي قضية فلسطين وإسرائيل بالحدة والانفعال السائد نفسيهما بين عموم المصريين، فهم يحبون أن يصفوا أنفسهم بـ «الواقعية» من حيث الاستعداد لقبول إسرائيل كأمر واقع، ولا يتعاطفون كثيرا مع محنة الفلسطينيين، بل يميلون إلي لوم الفلسطينيين أنفسهم علي ما حدث لهم، بل قد يمكن الحصول علي أشخاص لا يكرهون إسرائيل علي الإطلاق، ومستعدين للتعامل معها متي تبين أن النظام يميل إلي هذا الاتجاه.
إن هذا النوع من المصريين «وهو موجود بلاشك في أوساط المتعلمين ورجال المال في مصر مثلما هو موجود في سائر بلاد العالم الثالث»، يتضمن عادة رجالا لهم مصالح خاصة قوية تستفيد كثيرا من «دعم» الدولة لها، وهذا الدعم المطلوب من الدولة لهذه المصالح الخاصة القوية، يمكن أن يتخذ صورا متعددة، منها تساهل الدولة معهم فيما يحصلون عليه من تسهيلات في الاستيراد أو التصدير،
أو إعفاءات من الضرائب، أو غض البصر عن التهرب من الضرائب، أو حمايتهم عند اللزوم من منافسة البضائع الأجنبية، أو تمكينهم من الحصول علي قروض البنوك المملوكة للدولة دون تقديم ضمانات كافية، أو تسهيل الحصول علي عملات أجنبية، حتي عندما يكون ما في حوزة الدولة من هذه العملات شحيحا، أو الاستيلاء علي أراض مملوكة للدولة بأسعار زهيدة... إلخ.
إن كل هذه الصور، من صور استغلال الدولة لتحقيق مصالح خاصة، تندرج بالطبع تحت ما يسمي «الفساد»، وهي ظاهرة ترعرعت بسرعة في السبعينيات بسبب استعداد نظام الحكم في ذلك الوقت ـ للأسباب التي سبق شرحها ـ للتغاضي عنها والتساهل في معاقبتها. هذا الاستعداد للتغاضي عن الفساد أو التساهل في تتبعه ومعاقبته، ظهر جليا في إحاطة الرئيس السادات نفسه برجال من أشد المصريين استعدادا لاستخدام سلطة الدولة لصالحهم وللإفادة من قربهم من رأس النظام في تحقيق ثروات ضخمة.
من أبرز الأمثلة علي الفارق بين نظام الحكم في السبعينيات ونظام الستينيات ما طرأ علي مركز عثمان أحمد عثمان وشركته «المقاولون العرب» في الاقتصاد المصري وعلي علاقته بالدولة، كان عثمان أحمد عثمان في ظل عبدالناصر يبدو مع كل قوته وثرائه،
كالموظف الذي يتلقي الأوامر من رئيس الدولة، ويخشي أن يفقد رضا الدولة عنه، فأصبح في ظل أنور السادات، وكأنه شريك أساسي في الحكم، يوجه النظام ويعطي النصائح التي يستمع إليها الرئيس، ويستجيب لها برضا كامل إلي درجة التزاوج من الأسرتين.
إنني أميل إذن إلي تفسير رخاوة السبعينيات في تعاملها مع الشعب المصري بظهور هذا النوع الجديد «حتي وإن لم يكن دائما جديدا تماما» من المسؤولين ومن المقربين من الرئيس الجديد، فهذا النوع من الرجال له نظرة مختلفة تماما إلي العلاقة بين الدولة والأفراد، بين الذمة المالية للدولة وذممهم المالية الخاصة.
في السبعينيات، بدأنا مثلا نسمع «لأول مرة» عن سقوط عمارات عالية حديثة البناء علي رؤوس ساكنيها، ثم يكتشف أن السبب أن مالك العمارة استخدم في البناء مواد مغشوشة وغير صالحة، أو بني عدة أدوار إضافية دون الحصول علي ترخيص، لأنه لا يخاف العقوبة علي البناء دون رخصة، أو بناها بترخيص ولكن بدافع الرشوة المناسبة.
وفي التعليم، بدأت مشكلة الدروس الخصوصية في التفشي وظهر عجز الدولة عن علاجها، وفي كليات الطب سمعنا عن توريث الأساتذة وظائفهم لأبنائهم والتلاعب بالنتائج لصالحهم. وفي الثقافة تدهورت بشدة معايير منح جوائز الدولة التقديرية، فأصبح أهم هذه المعايير علاقة المتقدم للجائزة بالسلطة، وأصبح أكثر المرشحين حظا في الحصول علي هذه الجوائز وزيرا أو رئيس وزراء سابقا يراد إرضاؤه، وربما أيضا إثناؤه عن أي فكرة قد تطرأ بباله لفضح ما كان يدور أثناء توليه السلطة.
في السبعينيات، بدأ أيضا ظهور رخاوة الدولة في ميدان آخر هو العلاقة بين المال العربي والإنتاج الثقافي المصري، فقد أدي الثراء المفاجئ الذي طرأ علي دول النفط العربية مع تضاعف أسعار البترول عدة مرات في ٧٣/١٩٧٤، إلي تضاعف أعداد السياح العرب الوافدين علي مصر، وتضاعف أعداد المثقفين المصريين المهاجرين للعمل في دول الخليج،
وكان لابد لهذه الأموال المتدفقة في أيدي عرب الخليج أن تلعب بعقول عدد كبير من الفنانين والمثقفين المصريين، في ظل دولة لا تفعل شيئا لحمايتهم من إغراء المال، بتوفير فرص إنتاج أعمال فنية وفكرية بمقابل مجز، أو بدعم الأعمال الفنية الجيدة وسط تيار كاسح من الأعمال الفنية التي تنتج خصيصا للاستفادة من هذه القوة الشرائية الجديدة.
*****
علي الرغم من كل هذا، لم يكن تدهور مركز الدولة في السبعينيات بقدر تدهوره بعد ذلك، ولا كان شعور المصريين بهذا التدهور بالقوة والحدة اللتين أصبح عليه في السنوات العشرين الأخيرة.
كان النصف الثاني من السبعينيات ـ علي الرغم من كل عوامل ومظاهر الدولة الرخوة التي شرحتها فيما سبق ـ سنوات رخاء أو رواج ملحوظ، بمعني كثرة الأموال المتدفقة علي مصر دون أن يعني هذا تنمية اقتصادية ناجحة.. تدفق المال من المهاجرين إلي الخليج، ومن مصادر المعونة الأجنبية، ومن قناة السويس ومن البترول والسياحة،
فزادت قدرة شرائح واسعة من الناس «حتي من بين أكثر المصريين فقرا» علي الإنفاق، فحجب هذا عن الكثيرين ما أصاب الدولة من رخاوة، فكان المنظر أشبه بأسرة يعولها رجل ضعيف الإرادة وقليل القدرة علي الكسب، ولكنه ورث فجأة مالا وفيرا بسبب وفاة قريب لم يكن من المتوقع وفاته، فغطي بإنفاقه ببذخ ما يتصف به في الحقيقة من قلة الحيلة.
أضف إلي هذا، أن الهجرة نفسها أضعفت من شعور المصريين برخاوة الدولة المصرية، إذ إن الهجرة منعت المهاجرين من رؤية التدهور الذي لحق بالتعليم وسائر الخدمات العامة، بل ربما حظي أبناء هؤلاء المهاجرين المصريين بتعليم أفضل بكثير في دول النفط، مما كان يمكن أن يحصلوا عليه في مصر حتي في الستينيات.
وأخيرا، يجب ألا ننسي أن الروح المصرية الرخوة في السبعينيات أتت في أعقاب دولة شديدة البأس، وإن كانت قد قدمت خدمات جليلة للفقراء المصريين، فقد كانت شديدة الوطأة علي المسيسين من المصريين، هؤلاء لم يسعهم إلا الترحيب ـ ولو لفترة ما ـ بمجيء الدولة الرخوة علي أمل أن يحظوا بفرصة لالتقاط الأنفاس وحرية التعبير عن أنفسهم.
الذي حدث هو أن الدولة الرخوة في مصر دخلت مرحلة جديدة ابتداءً من منتصف الثمانينيات، عندما انتهت فترة الرواج التي بدأت قبل ذلك بعشرة أعوام، وعندما تراخت معدلات الهجرة، وعاد كثير من المهاجرين إلي مصر، وعندما بعد العهد بضراوة الدولة الناصرية وشدتها، إذا بالمصريين يشعرون خلال الأعوام العشرين الماضية بكل عيوب الدولة الرخوة، وتشتد معاناتهم منها، وهو ما سنتناوله في المقال التالي.
- 344 reads

علِّق