- No upcoming events available
كان جمال عبدالناصر صاحب مشروع، فجلب لتنفيذه رجالا يؤمنون بهذا المشروع أو يتظاهرون بالإيمان به وكان أنور السادات مطالبا بتنفيذ مشروع جديد يتعارض مع مشروع عبدالناصر، فجلب بدوره لتنفيذه رجالا يؤمنون بهذا المشروع الجديد أو يتظاهرون بذلك، أما حسني مبارك فلم يكن صاحب مشروع ولا مطالبا بتنفيذ مشروع جديد، بل كان مطالبا فقط بالسير في الطريق نفسه الذي شقه السادات لا يحيد عنه وتنفيذ ما يستجد من أعمال.
كان من الطبيعي، والحال كذلك، أن يستعين حسني مبارك برجال من نوع جديد علي استعداد للقيام بأي شيء ما دام هناك مقابل مجز، وأظن أن هذا هو التعريف الصحيح لوصف «المرتزقة».
هذا الاختلاف الواضح بين العهود الثلاثة يساعد كثيرا، في رأيي، في فهم لماذا كانت الدولة المصرية قوية في عهد عبدالناصر، ثم بدأ يعتريها الضعف في عهد السادات، ثم أصبحت دولة رخوة جدا في عهد مبارك، ولكن الأمر يحتاج إلي توضيح.
كان جمال عبدالناصر منذ أن نجح في تأميم قناة السويس في ١٩٥٦ يهدف إلي تحقيق مشروع قومي من ثلاثة عناصر: ١- استكمال الاستقلال الاقتصادي لمصر بتمصير الاقتصاد وتأميم المشروعات المملوكة للأجانب، ٢- تنفيذ خطط خمسية طموحة للتنمية الاقتصادية، ٣ - إعادة توزيع الدخل والثروة بين الطبقات الاجتماعية.
قد يضيف البعض إلي هذه العناصر الثلاثة هدف الوحدة العربية، ولكن عبدالناصر تردد كثيرا قبل أن يدخل في وحدة مع سوريا في ١٩٥٨، وأصابه الشك في إمكانية متابعة السير في هذا الطريق بانفصال سوريا عن مصر في ١٩٦١، ولم تفلح ثورة اليمن في ١٩٦٢ ولا الثورة الليبية في ١٩٦٩ في إعادة الثقة إليه بإمكانية تحقيق هذا الهدف في حياته علي الأقل.
غني عن البيان أن تحقيق كل هذا المشروع البالغ الطموح كان يتطلب دولا قوية، إذ إن تحقيق المشروع كان يواجه خصومات شديدة ومعارضة عنيفة في داخل مصر وخارجها، وكان لابد أن تواجه هذه الخصومات والمعارضة بيد حديدية، وقد كانت يد النظام في الستينيات حديدية بالفعل.
كان المطلوب من أنور السادات تفكيك كل هذا: فتح أبواب الاقتصاد من جديد أمام الأجانب، والتخلي عن حماية الصناعة الوطنية، وإعادة الأموال إلي أصحابها «بقدر ما تسمح به الظروف»، لم يكن هذا من بنات أفكار السادات «هكذا كان رأيي دائما»، فالسادات كان شريكا في تنفيذ مشروع عبدالناصر، ولم يبد منه أي اعتراض عليه في وقته.
ولكن رياح العولمة كانت قد هبت بوصول السادات إلي الحكم «كما سبق أن ذكرت»، والعولمة «كما ذكرت أيضا» كانت تتطلب هذا التفكيك للدولة المصرية.
ولكن بالإضافة إلي رياح العولمة شهد عهد السادات تحولا من حالة التوازن الذي حاول عبدالناصر تحقيقه بين النفوذ الأمريكي والنفوذ السوفييتي إلي الارتباط الكامل بالولايات المتحدة، ومن معاداة إسرائيل إلي التصالح معها، وكان كلا الأمرين يتطلبان بدورهما «دولة رخوة» في علاقاتها الخارجية وعلاقاتها العربية.
كان في مصر في عهد السادات الكثيرون من الاقتصاديين والسياسيين الذين يؤمنون بالسياسة التي طبقها السادات والتي عرفت بالانفتاح الاقتصادي، والذين يؤمنون بسياستيه الخارجية والعربية الجديدتين، ولكن كان هناك أيضا «كالعادة» أكثر منهم ممن كانوا علي استعداد لتأييد أي شيء يريده النظام، فكان ممن خدموا السادات كثيرون ممن خدموا عبدالناصر بالنشاط نفسه، وممن استفادوا من رخاوة الدولة في عهد السادات ومما بدأ يشيع في عهده من اختلاط الذمة العامة بالذمة «أو بعدم الذمة» الخاصة.
عندما بدأ عهد حسني مبارك في ١٩٨١ بدا وكأن كل المهمات التي عهد إلي السادات بتنفيذها قد نفذت بالفعل: حدث الانفتاح الاقتصادي، وأصبحت مصر في حكم «المستعمرة الأمريكية»، ووقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل وفتحت أبواب مصر للإسرائيليين، لم يبق إلا تنفيذ «ما يستجد من أعمال»، طبعا كانت هناك أعمال كثيرة مستجدة ولكن شق الطريق الجديد كان قد تم بالفعل في عهد السادات ولم يبق إلا السير فيه.
صرح الرئيس مبارك مرة في أوائل عهده بأنه ليس من أنصار سياسة «الصدمات الكهربائية»، وكان يشير بلا شك إلي سياسة سلفيه السادات وعبدالناصر، فهو لا يغلق الاقتصاد ولا يفتحه، لا يحارب إسرائيل أو يتعرض لهجوم إسرائيلي ولا يوقع اتفاقيات جديدة معها.. فمن أين تأتي الصدمات الكهربائية؟
هكذا كان عهد حسني مبارك، ولكن مثل هذا العهد يحتاج إلي نوع ثالث من الرجال لتنفيذ المطلوب، يشتركون مع من خدم في العهدين السابقين في ولائهم التام للنظام، ولكن لهم خصائص أخري مختلفة ساهمت في ازدياد رخاوة الدولة.
ذلك أنه أيا كان شعورنا نحو نظام عبدالناصر أو نظام السادات نتعاطف مع هذا أو مع ذاك، فلابد أن نعترف بأن الرجال المحيطين بالرئيسين في العهدين، يمدونه بالنصيحة أو ينفذون سياسة كانوا في الغالب الأعم «سياسيين»، بمعني أن أمور السياسة كانت تجري في عروقهم وتشغل تفكيرهم وتتحكم في تصرفاتهم، هكذا كان محمد حسنين هيكل مثلا في عهد عبدالناصر، وعلي صبري وزكريا محيي الدين، وهكذا كان سيد مرعي مثلا في عهد السادات وعثمان أحمد عثمان ومصطفي خليل.. إلخ.
كان كثيرون ممن تولوا الوزارة في كلا العهدين يشاركون الرئيس حماسه للمشروع الذي يقوم بتطبيقه، أو كان لهم علي الأقل القدرة علي تصور وظيفة الوزير علي أنها وظيفة سياسية، هكذا كان مثلا حال لبيب شقير أو عزت سلامة كوزيرين للتعليم وثروت عكاشة كوزير للثقافة، في عهد عبدالناصر،
وحال شمس الوكيل أو إسماعيل غانم كوزيرين للتعليم العالي ويوسف السباعي وعبدالمنعم الصاوي كوزيرين للثقافة في عهد أنور السادات ثم تغير هذا الأمر بالتدريج في عهد مبارك، حتي اعتدنا أن يأتي رئيس للوزراء لم يعرف عنه قط اهتمامات سياسية قبل اعتلاء منصبه، مثل علي لطفي وعاطف صدقي وكمال الجنزوري وعاطف عبيد وأحمد نظيف.
ومن ثم لم يكن هناك مجال للتنبؤ بما يمكن أن تكون عليه سياستهم بعد اعتلائهم المنصب، ثم تبين بالتدريج أنه لا حاجة لأحد بهذا التنبؤ، لأنه لم تكن هناك أي سياسة علي الإطلاق، بل كثيرا ما بدا رئيس الوزراء وكأنه لا يعرف بالضبط ما ينوي وزير الخارجية أو الاقتصاد أو الداخلية أو الإعلام عمله، إذ تأتي توجيهات لهؤلاء من جهات عليا تتلقي بدورها التوجيهات من جهات أعلي منها.
أما الوزراء فهم ليسوا أقرب إلي ممارسة السياسة من رئيس الوزراء، فوزير التعليم ليست لديه سياسة للتعليم، وكذلك وزراء الصحة أو الإسكان أو التنمية «التخطيط» أو الحكم المحلي.. إلخ، وقل مثل هذا عن المسؤولين عن الصحف الحكومية والتليفزيون لقد أصبح اتخاذ قرار في كل هذه الأمور مسألة «روتين» يتبع الخطوط نفسها التي رسمت في السبعينيات.
بل يلاحظ أن الذين تولوا مسؤوليات كبيرة في العشرين سنة الأخيرة، كان مستواهم الثقافي أقل بدرجة ملحوظة ممن تولوا المسؤوليات نفسها في السبعينيات والستينيات.
إن كثيرين منهم يبدون وكأنهم يتمتعون بدرجة عالية من الذكاء الاجتماعي، وبالقدرة علي اللعب بالبيضة والحجر «باستخدام التعبير الشائع»،
وبفهم لعبة التوازنات بين القوي المؤثرة في توزيع المناصب، وبمعرفة أفضل السبل للوصول إلي قلب الرئيس وعقله، ولكنهم قليلو القدرة علي الذهاب إلي أبعد من هذا في فهم السياسة الدولية مثلا أو الآثار الاقتصادية والاجتماعية لنشاط الشركات متعددة الجنسيات، أو التأثير المخرب للتليفزيون بالوضع الذي هو عليه الآن في مصر، أو الآثار بعيدة المدي لتدهور أموال التعليم، أو المغزي الحضاري لتدهور مكانة اللغة العربية.. إلخ.
ليس من السهل تفسير هذا الانخفاض في المستوي الثقافي لكثير من المسؤولين في العشرين سنة الأخيرة بالمقارنة بما كان عليه قبل ذلك.. هل السبب هو أن ما أصبح مطلوبا الآن هو مجرد السير في طريق معبَّد سلفا قام بشقه وتعبيده أنور السادات؟ أم أن قوي العولمة قد أصبحت أكثر جرأة وتوحشا في العشرين سنة الأخيرة وعلي الأخص بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، مما يتطلب وجود مسؤولين أقل قدرة علي الاعتراض وأكثر استعدادا لتنفيذ كل ما يطلب منهم؟
أم أن الحراك الاجتماعي في مصر قد وصل في تجريفه للتربة الاجتماعية في مصر إلي شرائح اجتماعية لم تتعرض لحياة ثقافية أفضل من ذلك، فكانت هي وحدها المعروضة في السوق خلال العشرين عاما الأخيرة لكي تملأ المناصب العليا الشاغرة؟ أم أن التفسير هو مزيج من كل هذه الأسباب مجتمعة؟
أيا كان السبب، فقد كان لهذا التغير الذي طرأ علي نوع الرجال المحيطين بالرئيس والقريبين منه، أثر مهم في زيادة رخاوة الدولة المصرية، فعندما «يخلو البال» من السياسة وينخفض المستوي الثقافي لا يبقي إلا المكسب الشخصي، قد يكون المكسب الشخصي في حالة بعض الأفراد مجرد اعتلاء منصب رفيع أو التمتع بسلطة لم يكونوا يتمتعون بها من قبل،
أو حتي الشهرة وتكرر ظهور صورهم في وسائل الإعلام، ولكن المكسب الشخصي الذي يمثل إغراء حقيقيا في نظر معظم هؤلاء، هو الثراء المادي، وللقارئ أن يتصور ما الذي يحدث لدولة يكون الباعث الأساسي وراء قرارات وزرائها وكبار المسؤولين فيها هو ما يحققونه من مكسب مادي.
لابد أن يكون هذا المكسب الشخصي علي حساب قوة الدولة، إذ إن استمرار تحقيق هذا النوع من المكاسب لا يستقيم إلا في ظل «دولة رخوة».
- 824 reads

لما يكون الريس
علِّق