إنصافا لبوابة مصر الكبرى
Submitted by فهمي هويدي on السبت, 12/05/2007 - 17:18.

أخبار الخليج

ماذا يضيرنا لو أننا اعترفنا بالخطأ في حق أهل سيناء واعتذرنا عنه؟

(1)

كنت واحدا ممن لم يصدقوا اعينهم حين رأوا صور بعض اهالي سيناء، وهم معتصمون الى جانب الاسلاك الحدودية الشائكة التي تفصل بين مصر واسرائيل، مهددين بالبحث عن ملاذ يحميهم من مضايقات اجهزة الامن ومناكفاتها. واول ما خطر لي حين وقعت على تلك الصور السؤال التالي: كيف سمحنا لانفسنا بأن تصل الامور في سيناء الى ذلك المدى؟ دفعني السؤال الى متابعة ما نشر حول الموضوع في داخل مصر وخارجها، وخلصت مما قرأت الى ان ثمة ازمة ثقة عميقة ومستحكمة بين بدو سيناء وبين الاجهزة الامنية هناك بوجه خاص، وان تلك الازمة ناشئة من امرين، اولهما شكوك العاملين بتلك الاجهزة في البدو، وثانيهما سوء معاملة الاجهزة للناس، ورغم ان الازمة لها جذورها الممتدة الى ما قبل الاحتلال الاسرائيلي لسيناء في عام 1967، حين كانت سيناء رقعة مهجورة تعاني الاهمال وشح الموارد، ومن ثم من الغربة تحت الادارة المصرية، الا ان تلك المعاناة تضاعفت بعد وقوع الهجمات الارهابية ضد بعض المنتجعات خلال الفترة الواقعة بين 2004 و.2006 وهي الهجمات التي رفعت كثيرا من وتيرة الحساسية الامنية، ووسعت من نطاق احتكاك اجهزة الامن مع الاهالي، من جراء عمليات الملاحقة والتمشيط والتحقيق التي مارستها في سعيها لتتبع العناصر المسئولة عن التفجيرات التي وقعت. وبطبيعة الحال، فإن الامر لم يخل من تجاوزات طالت افراداً، لكنها في الوقت ذاته استفزت واستنفرت قبائل تمتد بطول سيناء وعرضها. وهو ما لم ينتبه اليه فيما يبدو المسئولون عن الاجهزة الامنية، الذين تعاملوا مع بدو سيناء باساليبهم التقليدية المتبعة في الدلتا او الصعيد، من دون مراعاة خصوصية وضعهم الاجتماعي. قرأت تصريحات لمسئولين في وزارة الداخلية دأبوا فيها على نفي وقوع اي تجاوزات بحق أهالي سيناء، وتاكيد ان رجالها يؤدون واجبهم وفق القانون، الا انني لاحظت ان الاشارة مستمرة الى حدوث التجاوزات الامنية في مختلف التقارير التي نشرتها الصحف القومية فضلا عن المستقلة والمعارضة. وهو ما يدفعنا الى تصديق الروايات المتواترة، وعدم الاعتداد باحاديث «الآحاد« الصادرة في هذا الصدد عن مسئولي الداخلية. لذلك فانه يصبح من المهم جدا ليس الاصرار على نفي وقوع اية اخطاء، وانما الاعتراف بها واعطاؤها حجمها الطبيعي، ومن ثم الاعتذار عنها ومحاسبة المسئولين عن تلك الاخطاء، مع اعادة النظر في السياسات المتبعة- هذا اذا كنا جادين حقاً في تصريف الاحتقان، واستعادة الثقة المفقودة، وبالتالي توفير اسباب الاستقرار والاطمئنان لاهالي سيناء، الذين قال ممثلهم في مجلس الشورى ان شعورهم بالغربة تزايد في السنوات الاخيرة، حتى اصبحوا مقتنعين بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

(2 )

الازمة لها صداها خارج حدود مصر. ولمنظمة «مجموعة الازمات الدولية« - التي تتخذ من بروكسل مقراً لها- دراسة مفصلة في 30 صفحة مدعمة بالرسوم البيانية والخرائط تحت عنوان «قضية سيناء«، وقد عممتها على العالم في 30 يناير الماضي، قبل ان تنفجر الازمة وتصل الى ما وصلت اليه. ولا اعرف ان كانت هناك دراسات مماثلة في مصر -خارج نطاق التغطية الاعلامية - حررت القضية وحققت جذورها وابعادها ام لا، لكني وجدت ان دراسة مجموعة الازمات الدولية تشكل مرجعاً هاما في الموضوع. الصورة التي رسمتها الدراسة لسيناء ركزت على التركيبة السكانية، والاوضاع الاقتصادية والامنية، ثم خلصت الى مجموعة من التوصيات في نهاية المطاف. فيما يخص السكان البالغ عددهم 360 الف نسمة (300 الف في الشمال و60 الفا في الجنوب)، ذكرت الدراسة انهم ينقسمون الى اربع مجموعات. اولهم البدو، وهم السكان الاصليون الذين قدموا من شبه الجزيرة العربية، يتوزعون على 15 قبيلة، يعمل ابناؤها في الزراعة والصيد والتجارة والارشاد السياحي - الفلسطينيون يمثلون المجموعة الثانية من السكان، وهم ثلث سكان العريش. وحتى سنة 1978 كانوا يعاملون كمصريين في التعليم والصحة والتوظيف، لكنهم في تلك السنة صنفوا كاجانب- المصريون يمثلون المجموعة الثالثة، ويقصد بهم الذين وفدوا الى سيناء بعد الانسحاب الاسرائيلي منها في عام 1982، واغلب هؤلاء من محافظات الدلتا، خصوصا محافظة المنوفية. اما المجموعة الرابعة فتضم اعدادا من ابناء البوسنة، الذين انتقلوا الى العريش اثناء الخلافة العثمانية وبقوا هناك حتى الان. من الملاحظات التي سجلها التقرير عن الحالة السكانية ان معدل النمو السكاني في سيناء في الفترة ما بين عامي 1986 و1996 كان بنسبة 5%، الا ان ذلك المعدل تراجع بعد ذلك حتى وصل الى 2.6% في شمال سيناء و2.2% في جنوبها. في تحليل الوضع الاقتصادي، الذي يمثل جذرا مهما للازمة، ميزت الدراسة بين جنوب سيناء وشمالها. فيما يخص الجنوب اثارت النقاط التالية: * السياحة محور اقتصاد المنطقة، وشرم الشيخ اهم المدن في تلك الزاوية، وهذا النشاط السياحي - ومع بناء الفنادق الجديدة- توفرت ما بين 10 آلاف و30 الف فرصة عمل، الا ان معظمها لم يكن من نصيب ابناء سيناء. وعلى سبيل المثال فإن احد اهم فنادق الخمس النجوم يعمل به 250 موظفا جميعهم من وادي النيل، باستثناء اثنين من البحارة من الطور. * في منتصف عام 2005، وفي خطوة عبرت عن تهميش سكان سيناء اقتصاديا، بدأ بناء جدار ليحيط بمدينة شرم الشيخ لاحكام السيطرة الامنية على مدخل المدينة، الا ان حملة صحفية قوية ضد فكرة الجدار اجبرت السلطات المحلية على تعليق الفكرة. * في الوقت نفسه منع محافظ جنوب سيناء الانشطة السياحية المتاحة للبدو، المتمثلة في تأجير الجمال للسائحين والعمل كمرشدين لهم في رحلات الجبال والصحراء بحيث اصبح تنظيم تلك الرحلات مسموحاً به فقط للمرشدين المعتمدين. * في منتصف التسعينيات قامت مصر بتشجيع القطاع الخاص وشركات الاستثمار على شراء اراض جنوب سيناء لتنميتها. وحين تم البيع قامت الشركات الاستثمارية باخراج البدو من مناطق التنمية السياحية. وهم يحاولون جاهدين الحصول على حق تملك بعض الاراضي التي يقيمون فيها لمواجهة المشروعات «الاستعمارية« لاراضيهم - كما ذكر ممثلوهم لمعدي التقرير- واذا استمر حرمان البدو من الاستفادة من عائدات التنمية السياحية، فقد يؤدي ذلك الى مواجهات كبيرة وعواقب وخيمة. * في فترة التسعينيات عادت للظهور زراعة المخدرات في سيناء، بعد ان كانت قد تقلصت في ظل الاحتلال الاسرائيلي، بعدما تبنت السلطة الاسرائيلية سياسة توظيف البدو، وهو ما ادى الى تعيين 1200 شخص منهم في ادارة شمال سيناء. كما قامت اسرائيل بدفع مرتبات لشيوخ القبائل الأمر الذي ساعد على تراجع مزارع المخدرات. وليس كل البدو متورطين في زراعة المخدرات، وانما قلة منهم هي التي لجأت الى ذلك. وقد ذكر احد البدو لمعدي التقرير انه قبل 20 عاما كان هناك عمل لكل رجل، اما الان فلا يوجد عمل والمناخ صار سيئا، حيث لم تعد هناك امطار للزراعة او الرعي. تحدثت الدراسة عن شمال سيناء باعتباره من افقر محافظات مصر، وبسبب شح موارده فقط اصبح طارداً للسكان وليس جاذباً لهم. والصيد والزراعة هما النشاطان الرئيسيان في المنطقة، الى جانب ذلك فثمة نشاط صناعي محدود يتمثل في 12 مصنعا للزجاج والاسمنت والسيراميك والمنتجات الغذائية. وفي الشمال مناطق تكثر فيها اشجار الزيتون مثل منطقة الشيخ زويد، التي خرجت منها اغلب العناصر الارهابية. وهناك مصنع واحد يديره الجيش، ولا يعمل به احد من السكان المحليين، الأمر الذي يثير استياءهم. وهم يعتبرون المصنع رمزاً «للاحتلال المصري« لانه انشئ في مكان مستوطنة «ياميت« الاسرائيلية نفسه. لا توجد تنمية تذكر في شمال سيناء -هكذا ذكر التقرير- وقد اعلنت الحكومة المصرية اقامة منتجع ساحلي باسم مدينة الفيروز، الا انه لم ينفذ، وظل المشروع مذكوراً في المناهج الدراسية المصرية باعتباره من مشروعات تعمير سيناء. ورغم اعلان الحكومة انشاء ترعة السلام لتحويل جزء من مياه النيل الى سيناء للقيام بمشروع زراعي كبير باستثمارات قدرت بمبلغ 75 مليار جنيه، فإن المشروع لم يحقق شيئا من اهدافه، رغم انفاق 21 مليار جنيه على بنيته التحتية.

(3)

مشكلات سيناء من وجهة نظر مجموعة الازمات الدولية تتلخص في: * ان نظرة السلطة المصرية الى المنطقة محكومة دائماً بالاعتبارات الامنية والعسكرية، وهي الاعتبارات التي عززتها الهجمات الارهابية التي استهدفت منتجعات طابا وشرم الشيخ ودهب. غير ان سيادة النظرة الامنية لم تسمح باجراء قراءة صحيحة لتلك الهجمات، فما وجه منها ضد «طابا« كان مرتبطا بالصراع العربي الاسرائيلي، لكن ما حدث بعد ذلك في شرم الشيخ ودهب، وادى الى سقوط اعداد من الضحايا المصريين، يرجح ان الهجمتين كانتا انتقاما لعمليات الاعتقال الواسعة التي تمت بعد تفجيرات طابا، والتي ادت الى اعتقال حوالي 3000 شخص من ابناء سيناء. * ان التركيز في الجانب الامني ادى الى تراجع مشروعات التنمية الاقتصادية، باستثناء المشروعات السياحية التي تتركز في الجنوب، ولم يستفد منها ابناء سيناء، وانما تركوا يعانون الفقر والبطالة على المستوى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. كما انهم يتعرضون بشكل شبه يومي للقيود الامنية. * هذه الملابسات التي تشيع بين السكان شعورا قويا بالاهمال وتعرضا مستمرا للضغوط الامنية، تغذي فكرة خصوصية المنطقة وهويتها المتميزة عن النسيج المصري (تحدث التقرير عن حوارين بين تلميذ واستاذه الذي تحدث عن التراث الفرعوني لمصر، علق عليه التلميذ قائلا ان البدو ليسوا احفاد الفراعنة، وانما تمتد جذورهم الى شبه الجزيرة العربية، الامر الذي تسبب في ازمة تطورت حتى ادت الى استدعاء ولي امر التلميذ الى مقر الشرطة). في النهاية ذكرت الدراسة ان الحل الشامل لمشكلة سيناء يمكن تحقيقه في سياق حل الصراع العربي الاسرائيلي، لكنها اضافت ان هناك الكثير الذي يمكن انجازه في المدى القصير، خصوصا على صعيد الاهتمام بمشروعات التنمية الاقتصادية، وتشجيع العمل الاهلي مع اتاحة الفرصة لسكان سيناء للتعبير عن احتياجاتهم ومتطلباتهم، ورفع الظلم الواقع على البدو، مع الاقرار بتميز سيناء الثقافي واللغوي.

(4)

حتى اذا كانت بعض معلومات الدراسة غير دقيقة، فينبغي ان نقر بأن النقاط المحورية فيها صحيحة، وينبغي ان تؤخذ على محمل الجد. على الاقل ما يتعلق منها باهمال تنمية المنطقة، والتعامل مع سيناء في مجملها باعتبارها قضية امنية في المقام الاول. وهو اعتبار لا يقلل احد من شأنه بطبيعة الحال، لكننا نفهم ان الامن يتحرك في اطار السياسة وليس العكس. صحيح ان ذلك منطق مرفوض بالنسبة لاي منطقة في مصر، لكنه يصبح كارثياً عندما يتعلق الامر بسيناء، التي ما برح الباحثون والاستراتيجيون يدقون الاجراس منبهين الى اهميتها البالغة بالنسبة الى أمن مصر. حتى يصفها الدكتور جمال حمدان في مؤلفه «شخصية مصر« بأنها بوابة مصر الاولى والكبرى و«انها اهم واخطر مدخل لمصر على الاطلاق«. بل يذهب الى ان من يدافع عن سيناء، يدافع عن مصر، بل يدافع عن العرب اجمعين، ولا يستطيع المرء ان يخفي دهشته من تغييب مثل هذه الحقائق الجوهرية المتعلقة بصميم الامن القومي في التعامل معها. ما اقلقني ايضا في الدراسة، هو ذلك التلميح الى هوية سيناء المتميزة. وهو الامر الذي يمكن فهمه اذا كان التميز في اطار الوعاء الكبير الذي يمثله المجتمع المصري بمختلف شرائحه، لكني اقرأ لغما خفيا في المفاصلة التي تتحدث عن هوية ذات اصول فرعونية للمصريين، واخرى ذات جذور تمتد الى الجزيرة العربية لقبائل سيناء. وقد اشار الدكتور جمال حمدان الى المحاولات التي تمت في المرحلتين العثمانية والبريطانية للتعامل مع سيناء باعتبارها كيانا منفصلاً عن مصر، ليس فقط استناداً الى الاصول العرقية، ولكن ايضا استثمارا للوضع الجغرافي، الذي تصنف فيه سيناء آسيوية، بينما مصر افريقية. وهو رد عليه بقوله انها جغرافيا وتاريخيا جزء لا يتجزأ قط من صميم التراب الوطني منذ مصر الفرعونية بل حتى العصور الحجرية. واذا كانت غالباً اودائماً ارض رعاة، ولكنها قط لم تكن ارض بلا صاحب. ان اعادة النظر في عقلية التعامل مع سيناء هي افضل اعتذار لشعبها، بل للشعب المصري الذي لا اعرف كيف يمكن ان ينام مرتاح البال وبوابة بلده الاولى والكبرى يهون من شأنها الى هذه الدرجة المحزنة.

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
15 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.