الحصاد المر
Submitted by د.حسن نافعة on الأحد, 15/04/2007 - 10:44.
المصري اليوم

شهدت مصر علي مدي العامين الماضيين عملية حراك سياسي ربما لم تشهد لها مثيلا منذ عقود طويلة، ساعد علي تفجر هذا الحراك عاملان: أحدهما محلي والآخر دولي.

فعلي الصعيد الداخلي كانت القطاعات الأكثر حيوية داخل النخبة السياسية والاجتماعية في مصر قد بدأت تدرك علي نحو متزايد أن النظام السياسي لثورة يوليو ١٩٥٢ أصيب بحالة من التكلس التام، وأصبح غير صالح لإدارة الشأن العام وأن مبررات استمراره انتفت تماما بعد التغيرات الهائلة التي طرأت علي الواقع المصري، والتي باتت تتناقض كليا مع التوجهات الأصلية لثورة يوليو وتظهر وجود حاجة ماسة لإقامة نظام سياسي جديد أكثر قدرة علي التعامل بكفاءة مع التحولات التي طرأت علي الأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية.

وعلي الصعيد الخارجي كانت التحولات التي طرأت علي السياسة الأمريكية بعد أحداث سبتمبر ٢٠٠١ قد أفضت إلي غزو واحتلال العراق كمقدمة لإعادة تشكيل المنطقة وإقامة شرق أوسط جديد قال بوش: بعد إعادة انتخابه لولاية ثانية في نوفمبر ٢٠٠٤ أنه يريده أكثر ديمقراطية، ورغم عدم وجود أي علاقة ارتباطية بين العاملين المحلي والدولي، إلا أن تلاقيهما في الأهداف ساعد علي أن يصبا معا في مجري نهر واحد عجل في النهاية بإطلاق عملية الحراك السياسي المشار إليها آنفا، جسد هذه العملية مشهدان،

الأول: نزول طلائع القوي المطالبة بالتغيير إلي الشارع في مشهد بدا غير مألوف علي الحياة السياسية المصرية، والثاني: اضطرار الحزب الحاكم إلي التقدم بمبادرات سياسية كانت تبدو حتي ذلك الوقت مستبعدة بالمطلق.

ولأنه كان يصعب تصور إمكانية إقدام القوي المطالبة بالتغيير علي خطوة بهذه الجرأة دون ضمان تقبل الشارع لها وتفاعله الإيجابي معها، فقد تطلب الأمر توافر عوامل مساعدة،

وهو ما حدث بالفعل، فقد ازداد إحساس المواطنين بالقلق علي مستقبل مصر، مع تقدم الرئيس مبارك في السن وتكرار تعرضه لأزمات صحية مع استمرار إصراره في الوقت نفسه علي عدم تعيين نائب له، كما ازداد إحساسهم في الوقت نفسه بالمهانة بسبب ما تردد حول وجود عملية سرية تجري وراء الكواليس تستهدف «توريث السلطة» بالتوازي مع صعود نجم جمال مبارك في الحياة العامة وتزايد دوره بشكل لافت للنظر علي الساحة السياسية،

وبالتدريج تفاعل الإحساس المتزايد بالقلق مع الإحساس المتزايد بالمهانة لينضجا معا شارعا سياسيا مصريا أصبح أكثر استعدادا لسلك طرق غير معبدة، وراح يتحين فرصة للانطلاق لاحت بالفعل حين قرر الرئيس مبارك أن يجدد لنفسه ولاية خامسة، وهكذا ولدت حركة كفاية التي بدأت تنزل إلي الشارع حاملة معها شعارها البسيط والملهم: «لا للتمديد.. لا للتوريث» لتشكل نقطة الانطلاق لحركة احتجاجية أوسع نطاقا نجم عنها في النهاية تغيير المشهد السياسي المعتاد في مصر برمته.

وفي تقديري أنه كان بوسع النظام الحاكم سحق الحركة الاحتجاجية المصرية في مهدها دون أن يكون مضطرا لتحريك أي ساكن علي صعيد الإصلاح السياسي، غير أن تزامن الضغوط المحلية المطالبة بالإصلاح السياسي مع الضغوط الخارجية المطالبة بمزيد من الديمقراطية ولد لدي النظام الحاكم إحساسا بالحصار وبأنه بات علي وشك الوقوع بين شقي رحي،

ولقطع الطريق أمام قوي الخارج، والتي خشي من احتمال تشجيعها للحركة الوليدة لتصعيد احتجاجاتها، وربما دفعها لتكرار نموذج «الثورات الملونة» علي غرار ما جري في بعض دول أوروبا الشرقية، قرر القيام بحركة التفافية تزيد من قدرته علي المناورة ليس فقط مع قوي الخارج وإنما مع قوي الداخل أيضا، وفي هذا السياق ولد «المشروع الإصلاحي للحزب الوطني».

لم يكن مستغربا أن يسارع تيار «الفكر الجديد» في الحزب الحاكم بالتصدي للمهمة وأن يقود بنفسه عملية الإعداد لهذا المشروع بطريقة توفق بين هدفين بديا علي طرفي نقيض، الأول: الالتفاف حول ضغوط الأطراف المحلية والدولية وإقناعها بجدية نواياه الإصلاحية، والثاني: عدم إلحاق أي ضرر في الوقت نفسه بهدفه الاستراتيجي الرامي إلي تمهيد الطريق أمام جمال مبارك للوصول إلي السلطة في مصر،

في هذا السياق يمكن فهم لماذا صمم مشروع الحزب الوطني للإصلاح متضمنا مراحل ثلاث: الأولي تبدأ بتعديل مادة وحيدة في الدستور هي المادة ٧٦ لضمان حصول الرئيس الأب أولا علي ولاية سادسة بوسيلة أخري غير وسيلة الاستفتاء المشكوك في شرعيتها الديمقراطية، والثانية تتمثل في إجراء انتخابات تشريعة بطريقة يمكن أن تسفر عن سيطرة الحزب الوطني علي مالا يقل عن ثلثي مقاعد مجلس الشعب دون أن تبدو مزورة، والثالثة إجراء تعديلات واسعة النطاق علي الدستور ولكن مع مراعاة أن تضمن في الوقت نفسه إزالة أي عراقيل قانونية أو سياسية قد تعترض طريق جمال مبارك في سعيه الحثيث نحو السلطة.

ورغم انكشاف سوء نية الحزب الوطني منذ بداية المرحلة الأولي، أي منذ الشروع في تعديل المادة ٧٦، فإن الأمل في أن تسفر عملية حراك سياسي كانت في أوج تفاعلاتها عن مكاسب إصلاحية حقيقية ظل يراود الكثيرين حتي اللحظة الأخيرة إلي أن تبدد نهائيا بفرض التعديلات الدستورية علي النحو الذي أراده الحزب الحاكم.

إن مقارنة بسيطة بين حصيلة ما حمله قطار الإصلاح السياسي في محطاته الثلاث من تغيير في طبيعة النظام السياسي تظهر بوضوح تام أن حصاد عملية الحراك السياسي هذه كان مرا في الواقع.

فحين غادر قطار الإصلاح محطة الانتخابات الرئاسية نزل منها نفس الشخص الذي كان الشعب المصري قد اعتاد أن يراه يركب وينزل بمفرده من محطة الاستفتاءات علي مدي ربع قرن، المذهل في الأمر أن هذه المحطة أوصلت الراكبين الآخرين إلي مصير مظلم، فالراكب الذي أخذ الأمور بجدية وداعبت خيالاته أحلام الجلوس مكان الرئيس انتهي به الحال إلي غياهب السجن، أما الآخر الذي استدرج للجلوس إلي جانب الرئيس لدواعي التصوير فقد انتهي به الحال إلي غياهب النسيان بعد أن تكفل حزبه بطرده.

وحين غادر القطار محطة الانتخابات التشريعية بدت الجلبة حينها عالية بعد أن راحت وجوه نواب الإخوان المسلمين الثمانية والثمانين تطل من نوافذه، لكن ما إن هدأت الجلبة حتي تبين للجميع أنه لا جديد تحت الشمس، وأن الجلبة المسموعة هي ضجيج بلا طحن، فالحزب الحاكم ما زال يهيمن بمفرده علي الآلة التشريعية برمتها، وظهور الإخوان بهذه القوة يساعد الحزب ولا يضره، فبوسعه الآن استخدامهم كفزاعة لإخافة الداخل والخارج علي السواء.

وأخيرا فحين غادر قطار الإصلاح محطته الثالثة والأخيرة، أي محطة التعديلات الدستورية، وجد الشعب المصري نفسه وقد زج به مخطوفا داخل قطار يتجه به وجهة أخري غير التي كان يبحث عنها ويريدها، وبات مصيره ومستقبله السياسي مجهولا وفي علم الغيب، وبعد أن كان يحلم بانتخابات نزيهة، إذا بشبح التزوير المقنن يحوم حولها بعد أن تم إضعاف سلطة القضاء ودوره فيها، وبعد أن كان يحلم بانتهاء حالة الطوارئ إذا بقانون الطوارئ يتحول إلي نص دستوري بكل ما يمثله ذلك من خطر جسيم علي الحريات الفردية والعامة.

هنا تتجلي مفارقة كبري، فبينما كان يفترض أن تتمكن عملية الحراك السياسي الذي شهدته الساحة السياسية المصرية علي مدي العامين الماضيين من زحزحة النظام السياسي المصري خطوة أكثر تقدما في اتجاه الديمقراطية، إذا بها تعود به خطوتين إلي الوراء، وفي تقديري أن أي باحث أمين في النظم السياسية يقوم بعقد مقارنة موضوعية بين حال النظام السياسي المصري عند نهاية الولاية الرابعة للرئيس مبارك وحاله الآن، لا بد أن يصل إلي نتيجة مفادها أن هذا النظام قد انتقل من السيئ إلي الأسوأ، والسؤال: ما هي الدلالات التي يمكن استخلاصها من تلك الحقيقة المرة. الجواب ـ هي دلالات ثلاث أطرحها هنا للمناقشة:

الدلالة الأولي: أن الحزب الوطني ليس قابلا للإصلاح من داخله وغير مؤهل لقيادة مشروع سلمي للتحول الديمقراطي في مصر.

الدلالة الثانية: أن قوي الخارج لا يمكن إلا أن تكون عبئا علي أي عملية إصلاحية في هذه المنطقة من العالم، وأن الرهان عليها خاسر بطبيعته.

الدلالة الثالثة: أن المعارضة الوطنية وقوي المجتمع المدني لا تزال أضعف من أن تشكل قوة ضغط يمكنها إجبار الحزب الحاكم علي طرح مشروع جدي للإصلاح السياسي، وعاجزة في الوقت نفسه عن أن تقود بنفسها مشروعا للإصلاح والتغيير، ومع ذلك تبقي هي الأمل الوحيد، فمتي تنهض من عثرتها؟

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
8 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.