- No upcoming events available
موقع الفكر القومي
د . مخلص الصيادي
أقر مجلس الشعب المصري التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس حسني مبارك ، وسيتم إقرار هذه التعديلات في استفتاء لاحق قبيل انتهاء هذا الشهر ، الخبر ومدلولاته ، ليس غريبا ، وليس مفاجئا ، وهو يقطع بأن جميع من انتظروا ، أو راهنوا ، على تطور سياسي سلمي في مصر تساهم فيه السلطة القائمة كانوا يراهنون على مفقود ، القضية في النظام السياسي المصري ليست قضية تعديلات دستورية ، تجعل يد الدولة فوق كل اعتبار ، ويد السلطة القابضة على الدولة فوق الدولة ، ويد الرئيس فوق الجميع ، لا يحده حد ، ولا يقف أمام طغيانه واقف ، القضية في النظام المصري ليست هذه فحسب ، وإلا شابه الوضع في مصر نظائره في النظام العربي ، فالكل سواسية في التوريث " الجمهوري أو الملكي " والكل جعل الدستور في خدمته وخدمة الفئة القليلة التي تحتكر السلطة ، والكل رهن إرادة الوطن ومصالحه ، وأهدافه الكبرى بإرادته هو ومصالحه ورؤاه الضحلة . ما فعله النظام المصري في هذه التعديلات يبتغي هدفا آخر ، هو الأهم في مثل حالة مصر ، وهو الأخطر ، إن نظام مبارك يريد من هذه التعديلات أن يبقي مصر أسيرة العجز ، والخنوع ، والتبعية ، يريد لمصر أن تبقى حسب المقاس الذي وضع لها ، فاقدة للأهلية ، وخاضعة باستمرار للإرادة الغربية ، وللاتفاقيات المكبلة لها ، يريد لهذا العملاق العربي أن يبقى مقزما ، ومعه تتقزم الأمة العربية وتفقد أي فاعلية لها ، ومعه تصبح اليد العليا في المنطقة كلها يد القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة ، ويصبح المشروع الوحيد في المنطقة هو المشروع الغربي ويتصدره المشروع الإسرائيلي . إن التعديلات الدستورية تستهدف تعطيل قدرة مصر على الفعل ، لأنها تحكم بأن تبقى قوى السلطة الراهنة هي المسيطرة ، وهي القابضة على كل شيء في مصر وحين ندرك خطورة ما يحاك لمصر ، خطورة هذا الفكر السياسي الذي جاءت التعديلات إحدى إفرازاته ، ندرك أهمية حملة الاعتراض والاحتجاج الذي تقودها المعارضة المصرية ضد هذه الجريمة ، وندرك أهمية اشتراك قادة الرأي والفكر والعلم في مصر وخارج مصر على امتداد الوطن العربي والعالم في التصدي لهذه الجريمة ، وفي هذا الموقع بالتحديد قدم الدكتور المفكر عبد الوهاب المسيري الذي تابعه المشاهد العربي وهو يقود الاحتجاجات على هذه الجريمة السياسية بحق الوطن والأمة ، النموذج لدور المفكر والعالم العربي الذي لا يقعده تقدم العمر ، ولا يعجزه تراجع الصحة عن المساهمة الفعالة في درء الخطر عن شعبه وأمته ، بل إنه في ما قام به يؤكد ، أن كبار هذه الأمة : سنا ، وعلما ، ومكانة ، هم الأولى بالقيام بهذه المهمة ، وهم الأجدر بها ، فقد عرفوا بالتجربة معنى أن تكون الأمة قادرة على القيام بدورها الطبيعي وعلاقة هذا بالأمن ، والأمان ، السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعود على أبنائها ، وأجيالها ، وعرفوا بالتجربة أيضا معنى أن تؤسر هذه الأمة وتمنع عن أداء دورها ، وكيف ينعكس ذلك على كل مظاهر وجودها . عبد الوهاب المسيري قدم لنا النموذج . مقامه في مقدمة قوى الاحتجاج جاء أبلغ مقال على تمثيل ضمير الأمة ، وعلى ترابط الأجيال وتمازجها ، وعلى أهمية القدوة في حياة الأمة . والمسيري ليس الوحيد بين علماء الأمة وأصحاب الفكر فيها بل هو فيما قام فيه كان ممثلا لجيل ، وامتلك بقدرته الحركية تميزا بنى لهذه الأمة من قبل مرحلة من أسطع مراحلها وأكثرها فخرا واعتزازا ، وأمنا ، وعطاء . في مواجهة جريمة النظام المصري ومؤسساته في العدوان على حقوق الشعب المصري ، ودور هذا الشعب في محيط أمته العربية ، الذي جسدته التعديلات الدستورية المشينة ، في مواجهة هذا ، نقدم التحية للدكتور عبد الوهاب المسيري ، ولرئيس الوزراء المصري السابق ، الأمين والصادق ، الذي عرف بقوته ، وصدقيته في الدفاع عن حقوق هذا الشعب ، الدكتور عزيز صدقي ، والى جانب المسيري وصدقي يبرز العديد جدا من رجالات مصر الذين تتسامق بهم قامة مصر عاليا . بشخص المسيري ، الذي اسندت إليه مسؤولية منسق حركة كفاية ، نتوجه بالتحية والاعتزاز ، لكل قوى الحرية في مصر ، لكل قوى الخير والعدل والديموقراطية ، لكل الذين يريدون من خلال توكيد قيم الديموقراطية ، أن يحولوا دون انزلاق مصر إلى هاوية النزاع المسلح ـ الذي قد يكون نتيجة طبيعية لما قامت به هذه التعديلات من إغلاق أبواب التغيير الديموقراطي ـ إنني أدعوا جميع قوى الخير في هذه الأمة ، جميع المفكرين ، جميع الكتاب ، جميع الصحفيين ، جميع أصحاب الرأي ، جميع الغيورين على مستقبل أجيالنا ، جميع العاملين بإخلاص ، والمتطلعين بصدق إلى مستقبل آمن لأمتنا ، أن يمدوا أيديهم ويشدوا على يدي عبد الوهاب المسيري وجيله ورفاقه في كل التيارات الوطنية والفكرية في مصر ، وفي كل المواقع والمشاهد التي يعملوا من خلالها ويظهروا فيها ، ويعملوا عبرها في التصدي لهذه الجريمة إنني أدعوا جميع هؤلاء لإعلان التضامن مع مصر ورجالاتها في هذه المعركة المصيرية ، وأقول للجميع : دافعوا عن أنفسكم بالوقوف إلى جانب هؤلاء الرجال ، دافعوا عن أبنائكم ومصالحهم وأجيال أمتكم ومستقبلهم بهذا الموقف ، دافعوا عن شرف أمتكم وحقها في النهوض والتحرر دافعوا عن قيم الديموقراطية والحرية بالوقوف إلى جانب هؤلاء الرجال.
د . مخلص الصيادي كاتب و أعلامي سوري و مدير البرامج الثقافية بفضائية الشارق
- 1092 reads

رأى
علِّق