- No upcoming events available
المصري اليوم
كنت عائدا من الإسكندرية بالقطار، وبعد دقائق من تحرك القطار، دخلت إلي عربتنا فتاة في نحو الخامسة والعشرين، في إحدي يديها قلم وفي الأخري ورقة، وتوقفت عند كل صف من صفوف الركاب لتسألهم، عما إذا كانوا يريدون تناول العشاء أثناء الرحلة؟!
لم يكن هذا المنظر جديدا علي، لكن لفت نظري في هذه الفتاة عدة أمور: لم تكن جميلة ولا دميمة، فلم يكن في وجهها شيء يستلفت النظر إلا بعض علامات البؤس، بدا عليها أنها تقوم بما تقوم به كارهة ومضطرة، وكأنها تتمني أن تكون في مكان آخر وتفعل شيئا آخر. لفت نظري أيضا الزي الذي ترتديه.
كان زيا خاصا فرضته، ولا شك، الشركة التي تدير القطار لحسابها، أو التي تبيع المأكولات، كانت ترتدي «تايير» بني اللون، ولكن الجونلة كانت قصيرة أكثر من المعتاد في هذه الأيام، فكانت تنتهي فوق الركبة، بالإضافة إلي «بوت» ـ أي حذاء ذي رقبة ـ وهو أيضا ليس من المعتاد من الفتيات في هذه الأيام، وقد وجدت منظر الحذاء ذي الرقبة مقترنا بالبؤس المرتسم علي وجه الفتاة، مثيرا لبعض السخرية أو الإشفاق.
لم أتوقف كثيرا عند منظر الفتاة، فقد أتت وانصرفت بسرعة، لكن لم تمض أكثر من دقائق قليلة حتي عادت ومعها هذه المرة رجل في نحو الأربعين، يرتدي بدوره زيا خاصًا، ويجرّ «تروللي» ـ أي عربة صغيرة ـ عليها مختلف أنواع المشروبات، وتدفع التروللي من الناحية الأخري، تلك الفتاة البائسة التي وصفتها حالا.
الآن هما يعرضان المشروبات علي الركاب، والرجل هو الذي يتكلم «عصير، شاي، قهوة، نسكافيه..»، لكني وجدت الرجل يبدو عليه بؤس أشد مما رأيته علي وجه الفتاة، إنه يتكلم كالتائه أو كالدمية الخالية من الروح، وكأن ما يدور بذهنه شيء مختلف تماما عما يقوله، أو كأنه يسأل ربّه، في نفس الوقت الذي يذكر فيه أسماء المشروبات عن سبب اضطراره إلي هذا العمل، كان علي جبهة الرجل الزبيبة المشهورة، ولكن وجهه لم يكن يشع بالإيمان، بل كان اليأس الذي يخيم علي وجهه يوحي بأفكار مناقضة تماما.
لم يكن هذا التعبير الموحي باليأس جديدا علي، بل أصبحت أراه بشكل متكرر، كلما خرجت من منزلي، كنت مثلا، قبل رحلة القطار بفترة قصيرة، قد توقفت بسيارتي في محطة بنزين وصادفت منظرا مماثلاً، كانت المحطة لسنوات عديدة، وحتي وقت قريب جدا، من محطات بنزين «التعاون»، ثم وجدتها تتحول فجأة إلي محطة بنزين لشركة أمريكية عالمية، لابد أنها اشترتها من الجمعية التعاونية للبترول، فأعيد طلاء المحطة بألوان زاهية، حمراء وصفراء، وارتدي عمالها زيا جديدًا، أحمر بدوره وأصفر،
وفوجئت في أول مرة أتوقف فيها بعد هذا التغيير، بأحد عمالها يطلب مني بعد أن انتهيت من ملء سيارتي بالبنزين أن أتوقف قليلا إلي الجنب، حيث إن لديه مفاجأة سارة جدًا لي، قالها بلهجة واثقة تجعل من الصعب رفض طلبه، وعندما نفذت طلبه جاءني موظف من موظفي المحطة الأعلي درجة ليعرض علي هدية من المحطة، نسيت ما هي، لعلها كانت بونات لشراء البنزين بسعر مخفض في المرات القادمة، أو وسادة فاخرة للجلوس عليها أثناء القيادة.. إلخ.
ولكني استسخفت هذا العمل وأسرعت بالرحيل، والرجل يصيح بي في انفعال ودهشة شديدين وكأني عصفور كاد أن يغلق عليه باب القفص، فأفلت منه وطار. عندما عدت إلي نفس المحطة في المرة التالية لملء سيارتي بالبنزين اقترب مني عامل من عمالها ليعرض علي شراء بعض زيوت أو سوائل أخري من لوازم السيارات بسعر خاص، فلما رفضت بثقة تامة هذه المرة، أعاد العرض فكررت الرفض، ثم وجدته يصر إصرارا غريبًا ويلح علي إلحاحًا غير معهود بأن اشتري مما يعرضه علي.
فتملكني الغضب ولم أتمالك من أن أنهره بشدة وأنا أسأله «ما هذا الذي تفعله؟ ما الذي يضطرك إلي هذا الإلحاح الغريب؟ ألا تعرف أنه إذات تكرر هذا الأمر فإني لن آتي إلي هذه المحطة بعد الآن، وسأبحث لنفسي عن محطة بنزين أخري؟
نظرت إلي وجهه فرأيت تعبيرًا يشبه بشدة ذلك التعبير الذي رأيته علي وجهي الرجل والفتاة في القطار، بؤس ويأس أضاعا منه، أو كادا أن يضيعا، أي بقية من الروح، وردّ علي بجملة مؤثرة معناها أنه لا هو ولا زملاؤه يحبون أن يفعلوا هذا، وأنه فاهم تماما لما أقصده، ووعدني بتبليغ رسالتي إلي أحد المسؤولين بالمحطة، وإن كنت أشك فيما إذا كانت ستواتيه الجرأة علي ذلك.
نعم، نفس البؤس واليأس يتكرران علي وجوه العاملين في خدمة هذه الشركات الكبيرة التي وفدت حديثا إلي مصر. رأيتها علي وجوه الفتيات المحجبات الجالسات وراء ماكينات الحساب في أحد محال السوبر ماركت الكبري، كن يحملن ملامح مصرية خالصة، ولكنها ملامح تنم أيضا عن جذورهن الريفية القوية، وقرب عهدهن بالمدينة، كما تشي «أو هكذا تخيلت» بسوء التغذية.
كان من الواضح لي أن الشركة الكبري صاحبة هذا السوبر ماركت، قد استطاعت أن تجنّد هؤلاء الفتيات من أفقر أحياء القاهرة، فعرضت عليهن أجورًا لا يستطعن رفضها، لا لأنها تضمن لهن حياة كريمة، بل لأنه ليس أمامهن وسيلة أخري للحصول علي ضروريات الحياة لأنفسهن، وربما أيضا لعائلاتهن. لماذا إذن كل هذا البؤس واليأس اللذين يرتسمان علي وجوه هؤلاء الفتيات؟
تذكرت أيضا تلك الفتاة الجميلة التي تعمل خادمة في مطعم فندق رائع من الفنادق العالمية، يقع بالقرب من مدينة القصير علي البحر الأحمر. كان الفندق يعج بالسياح من مختلف الجنسيات، ولكن لم أر في الفندق كله شخصًا مصريا واحدًا عدا القائمين بالخدمة.
كانت هذه الفتاة ترتدي أيضًا جونلة قصيرة، ولكن الزي الذي ترتديه كان أكثر فخامة بكثير من زي الفتاة التي رأيتها في القطار، وتصفيفة شعرها كان من الواضح أنه قد بذل فيها جهد كبير، ولعل إدارة الفندق هي التي أصرّت عليه.
سألتها عندما جاءتني بالطعام عن المرتب الذي تحصل عليه، فذكرت لي مبلغا يعادل ما يحصل عليه مهندس حديث التخرج من جامعة مصرية، ولكنها اشتكت من ساعات العمل الطويلة التي تجعلها تعود إلي أسرتها في القصير منهكة تمامًا، وغير قادرة علي عمل أي شيء غير النوم،
ولكن أكثر ما أثار اهتمامي هو ما فهمته من كلامها عن المفارقة الصارخة بين نمط حياتها في أسرة فقيرة في القصير «التي هي من أفقر المدن المصرية علي الإطلاق» مع أبويها وخمسة من الإخوة، ونمط الحياة في هذا الفندق الخلاب الذي تسير في طرقاته النساء السويديات والإيطاليات شبه عرايا، وقد تجلب فيه هذه الخادمة المصرية، زجاجات الخمر للرجال والنساء في المطعم.
نعم المرتب مجز جدًا في نظر فتاة كهذه، ولا يمكن لها بأي حال أن ترفضه، ولكن ما المرتب المطلوب يا تري الذي يساوي هذا الفارق المدهش بين هذين النمطين من الحياة؟
خطر ببالي أولا، عندما اجتمعت في ذهني هذه الصور المتشابهة، أن المسألة كلها لا تتعدي صورًا من صور المفارقة بين الفقر والغني، وهي مفارقة عانت مصر منها دائما وعلي مر العصور، وكانت موجودة قبل ثورة ١٩٥٢، وظلت موجودة بعدها، لكن خطر لي فجأة أن اختلافا جوهريا يميز فقراء هذه الأيام عن فقراء ما قبل ثورة ١٩٥٢، مما قد يجعل فقر هذه الأيام، كما يظهر من الأمثلة التي ذكرتها حالا، للخادمين في القطار، وفي السوبر ماركت، وفي محطة البنزين، وفي الفندق العظيم علي البحر الأحمر، ظاهرة مختلفة تمامًا عما لازلت أذكره من أمثلة الفقر التي كانت سائدة في مصر قبل ١٩٥٢.
من حسن حظي أني مازلت أذكر ما كانت عليه الحال قبل الثورة، نعم، كان الفقر مدقعًا، وبعض المعاني أسوأ بكثير منه الآن، ولكن الفقر والحرمان أشكال وألوان، والعذاب الذي ينتج عن هذا الحرمان هو أيضا أشكال وألوان. وقد يكون الحرمان من الطعام، في بعض الأحيان، أخف وقعًا علي النفس من العجز، عن دفع ثمن الدروس الخصوصية مثلاً..
هذا هو بالضبط ما انتهيت إليه من تأمل ما حدث للفقر والحرمان من خلال الخمسين عاماً الماضية، إذ توصلت إلي أن أشياء كثيرة حدثت خلال هذه الفترة جعلت شعور فقراء المصريين بالحرمان اليوم أشد قسوة بكثير مما كان منذ خمسين عاماً، وما كان قبل ثورة ١٩٥٢، فما الذي حدث بالضبط وأدي إلي هذه النتيجة؟
***
الاقتصاديون لديهم مقياس بسيط جدا وسهل للغاية لظاهرة الفقر، يتلخص عادة في عبارتين: معدل نمو الدخل، وتوزيع هذا الدخل، فالفقراء يعانون أكثر كلما تباطأ نمو الدخل، وكلما أصبح توزيع الدخل أقل مساواة. ولكن معدل نمو الدخل المقصود هنا هو معدل نمو متوسط الدخل، وهذا مؤشر يدل علي ما يحدث لشخص خيالي، لا هو بالغني جداً ولا بالفقير جدًا، ومن ثم فإن ما يحدث له لا يعبر إلا تعبيرًا ناقصًا للغاية عما يحدث لهذا أو ذاك.
وأما توزيع الدخل فيقيسه الاقتصاديون عادة بمقياس غريب اسمه «معامل جني ـ Gini Coefficient» وهو يخبرك عن النسبة من الدخل القومي التي تحصل عليها تلك النسبة العليا أو النسبة الدنيا، أو النسبة المتوسطة من السكان، فتقول مثلا إن أغني ٥% من السكان كانت تحصل علي ٤٠% من الدخل القومي فأصبحت تحصل علي ٣٠%،
بينما كان أفقر ٢٠% من السكان يحصلون علي ٣% من الدخل القومي، فأصبحوا يحصلون علي ٥%. إن هذا يعتبر تحسنا في التوزيع، ومن ثم يستشف منها عادة أن الفقراء قد أصبحوا أحسن حالا، ولكن هذه الأرقام كاتبها أو قائلها، بل إني أشك في أن قائلها نفسه يشعر بسرور غامر «أو أي سرور علي الإطلاق» نتيجة هذا الاكتشاف،
إن مثل هذه الأرقام لا يقول لنا أي شئ عما إذا كان الفقراء أصبحوا، بسبب ذلك، أكثر أو أقل معاناة مما كانوا، فقد يزيد نصيبهم من الدخل القومي، ولكن تزيد حاجاتهم أو تطلعاتهم فيزدادون بؤسًا أو قد يزداد سلوك الأغنياء سوءً وفحشا فيصاب الفقراء لهذا السبب إحباط أكبر، وقد تكون وسيلة الفقراء للحصول علي الدخل قد أصبحت أكثر مهانة، وقد يشعرون بسببها بدرجة أكبر من الاغتراب.. إلخ.
قصة الفقر في مصر إذن، إذا رويت علي هذات النحو أي باعتبارها قصة لمعدلات النمو ومؤشرات توزيع الدخل، لابد أن تغفل أشياء مهمة جدًا حدثت خلال الخمسين عامًا الماضية، وعلي الأخص في العشرين سنة الأخيرة، فالفقراء اليوم ليسوا مثل فقراء الأمس، والأشياء التي يشعرون بالحاجة الشديدة إليها ليست هي نفس ما كانوا يحتاجون إليه منذ خمسين عامًا، بل ولا حتي منذ ربع قرن، والأغنياء الذين يرونهم أمامهم ويقارنون أنفسهم بهم يبدون من نوع مختلفة عن أغنياء الأمس، ويفعلون أشياء لم يكونوا يفعلونها بالأمس. والفقراء لم يعودوا،
كما كانوا في الماضي، مجرد أشخاص منخفضي الدخل، نسبة كبيرة و«متزايدة» منهم، بلا دخل أصلاً، أي متبطلين علي العمل، والبطالة وإن كانت تنطوي علي فقر فهي تنطوي علي أشياء أخري أفظع من مجرد الفقر. والفقراء سواء كانوا متبطلين أو غير متبطلين، يفكرون في المستقبل أكثر مما كانوا يفكرون فيه منذ خمسين عاما، ويجدونه أكثر مدعاة للقلق مما كانوا يجدونه من قبل.
كل هذا أدي إلي أن أصبح شعور الفقراء بالحرمان اليوم في مصر أشد قسوة بكثير مما كان منذ خمسين عامًا، ولكن كل هذا يحتاج إلي تفصيل وتفسير، وهو علي أي حال مما لا يتطرق إليه الاقتصاديون عادة.
- 1594 reads

حلوه يا بلدى
shei2 3ady fee kol el balad el motakadem
تعاطفك لوحده مش كفايه
where is Suez canal and Oil revenue?
علِّق