أين تخطف هذا المساء؟ أو.. خدمة ما بعد الخطف!
Submitted by جمال فهمي on الثلاثاء, 06/03/2007 - 03:21.

العربي الناصري.

أعترف بأننى أكتب هذه السطور بينما أنا فى قمة الغيظ والاستفزاز بعدما قرأت تصريحاً منسوباً لأحد الوزراء ممن ينتمون لظاهرة أطفال أنابيب الببيزنيس والتوريث، فقد أنذرنا معاليه بأن الدعم الذى تقدمه حكومة سيادته من جيب أم اللى خلفوا معاليها لمواد الوقود والطاقة لن يستمر، وأمهل الشعب المصرى زمناً قليلاً قبل إطلاق ومضاعفة أسعارها الحالية المرتفعة أصلاً قياساً على مستويات دخل الأغلبية الساحقة من المصريين الذين يصارعون للبقاء على قيد الحياة تحت خط العدم، ما يعنى - عملياً - تنفيذ حكم بالقتل والإبادة الجماعية لمعظم سكان هذا البلد.
لقد دفعنى هذا التصريح الذى ينضح غشماً وتهوراً وفجاجة للعودة إلى فكرة كتبتها من قبل خلاصتها أن النظم الاستبدادية والديكتاتورية رغم أنها كلها رديئة وسيئة وصارت من مخلفات التاريخ، لكنها ليست جميعاً على الدرجة نفسها من السوء. وقد نظلم بعض الحكام الديكتاتوريين إذا وضعناهم فى سلة واحدة مع آخرين يشتركون معهم فى الاستبداد لكنهم يفترقون ويختلفون عنهم فى كل شيء بعد ذلك، ابتداء من المؤهلات والصفات الشخصية مثل النزاهة والذكاء والعلم وربما الوطنية أيضاً، وانتهاء بآليات عمل النظام الاستبدادى ومدى تخلفها أو حداثتها ونوع السياسات التى يتبعها.
كما كنت سألت فى السياق نفسه عما إذا كان هناك فرق بين البلطجى أو الصايع والديكتاتور، وجاوبت بأن الديكتاتورية على ما فيها من قسوة وعنف هو جزء من طبيعتها، إلا أن الحاكم المستبد لابد أن يكون مختلفاً بوضوح عن الصايع والبلطجى مع التسليم بأن بعض الحكام يخلطون فعلاً بين إدارة شئون الحكم وممارسة فعل السرقة بالإكراه وقد عرفنا نماذج من هؤلاء يصعب جداً أن تعثر على فروق جوهرية بينها وبين نوع معين من الحرامية يسمونهم أهل الكار الخطافة، وهم جنس من المجرمين ينبذهم ويأنف منهم اللصوص المحترمون بل ويشعرون بعار حقيقى إذا أدخلتهم فى زمرة هذا النوع من الحرامية. وقد حاول صديقى النشال المحترم سعيد بقو الذى تشرفت بمعرفته حينما زاملنى 6 شهور كاملة فى سجون أزهى عصور الملوخية، أن يشرح لى سر الاحتقار الشديد الذى يكنه هو وأقرانه لهذه الشاكلة من اللصوص، فقال لى كلاماً كثيراً معناه أنهم بدائيون وحثالة وهابطون مهنياً وأخلاقياً، ففضلاً عن انعدام أى فن أو حرفية فى ممارستهم للمهنة قياساً - مثلاً - على النشال أو الهجام الذى يقتحم المساكن والمحلات فإنهم يستسهلون تعويض ضعف حيلتهم بالقسوة والعنف المفرط.
وحتى يقرب صورتهم المقززة لذهنى قال لى سعيد إن هناك نشاطاً شائعاً بينهم وهو خطف حلقان أقراط البنات الصغيرات اللاتى يوقعهن سوء الحظ فى طريق واحد من الخطافين إذ لا يتورع الخطاف عن تمزيق أذن طفلة بريئة لانتزاع فردة حلق لا تساوى أكثر من جنيهات معدودة لو كانت مصنوعة من الذهب وقد تكون فالصو ولا تساوى أى شيء!
السطور السابقة مقدمة طويلة اعتبرتها ضرورية لكى ألفت نظر القارئ العزيز إلى ضرورة إعادة التأمل فى الطبيعة الخاصة جداً لنظام الرئيس حسنى مبارك، والتى لا يكفى معها أن تركن سعادتك وتطمئن إلى تعبيرات دارجة من نوع أن هذا النظام استبدادى وقمعى وخايب وبوليسى إلخ، فهذه الأوصاف مجتمعة تبدو عاجزة عن رسم الملامح المتفردة لنظام مبارك بين بعض أمثاله من النظم الديكتاتورية التى على رغم كونها كذلك لكنها مثلا تحاول بغض النظر عن أنها تفشل غالباً الاحتفاظ بقدر من الكرامة واستقلال قرارها السياسى عن التدخلات الأجنبية، أو ربما تجتهد فى إنجاز مشروع للتنمية وبناء قوة ذاتية من نوع ما، وقد تعمل على توفير حد أدنى من المتطلبات الأساسية لحياة مواطنيها، وهذه أمور إذا حضرتك نظرت ودعبست و نقبت فى أوضاعنا الراهنة لن تجد لها أى أثر.
ومع ذلك فإن هذا التعيين بالسالب على ما يقول شراح العلوم للأشياء التى يفتقر إليها نظام مبارك غير كاف أيضاً للإحاطة بكل عناصر طبيعته المتفردة، وإنما يلزم لفهم هذه الطبيعة التوقف بإمعان أمام إبداعه المتفوق فى الفساد ونجاحه المذهل فى جعله قانوناً شاملاً وصارماً ترقص الدولة والمجتمع كله تقريباً على إيقاعه الزاعق.
ويعود الفضل لهذا التحوير المدهش والنادر للصوصية وإنزالها منزلة العقيدة الدينية الفضل فى تخليق مفاهيم مستحدثة لم تكن تعرفها علوم ونظريات السياسة من قبل، وعلى سبيل المثال كان هناك اصطلاح متداول وشائع فى أوساط السياسيين والباحثين يتحدث عن طبقة حاكمة، أو الطبقة صاحبة المصلحة بمعنى الطبقة التى يعمل نظام الحكم لصالحها ويصوغ سياساته الاقتصادية والاجتماعية وربما الخارجية أيضاً على ضوء احتياجاتها ومطامعها هى بالذات دون باقى طبقات وفئات المجتمع الأخرى، ولكن هذا المصطلح كان تعبيراً مجازياً ولم يكن يعنى على أى نحو استجلاب أفراد هذه الطبقة ليتولوا بأنفسهم ومباشرة مهام الإدارة والحكم بغير أدنى اعتبار للكفاءة ولا الحدود القانونية والدستورية التى صارت من لوازم الدولة الحديثة مهما كان نوع النظام السياسى والاجتماعى الذى يركبها ويسير دولابها.
إن ما شاهدناه يستفحل خصوصاً فى الأعوام الست الأخيرة من عمر نظام مبارك الطويل، يصعب بشدة العثور له على مثيل حتى بين أسوأ نظم الحكم المعاصرة، فأين حدث مثلاً أن جرى اختراع هيئة فى قمة الهرم التنظيمى لحزب حكومى وتم إقطاعها لنجل الرئيس الذى راح بدوره يشكلها على هيئة نادى مغلق أو نقابة، لكبار السماسرة والتجار وأصحاب الثروات المتضخمة بالحرام، ومنعاً لأى التباس فقد أطلق على هذه الهيئة مسمى لجنة السياسات بحيث يكون مفهوماً أن السياسات التى يتبناها ويتبعها النظام هى من صنع وتصميم هؤلاء ولا هدف لها إلا تحقيق مآربهم وإشباع سعارهم ونهمهم؟!
وأين رأينا فى الدنيا كلها نظاماً يستوزر وزراء لم تتلوث مداركهم بأية خبرة أو ثقافة سياسية ولو من قراءة الصحف، وتضيق أفهامهم الضحلة عن معرفة الفرق بين السياسة ومسايسة الزبون لاصطياده.
ولا ميزة أو مؤهلات لهم سوى كونهم تجاراً وأصحاب دكاكين تولى كل منهم الوزارة المختصة بسبوبة سيادته!
لقد ترتب على هذا الاختراع المروع ليس فقط إهدار أبسط المعايير والضوابط القانونية والدستورية التى تحفظ الدولة من الاستلاب التام وتحويلها إلى مجرد مركز خدمة لعصابة محدودة العدد من أصحاب المصالح غير المشروعة، ولكن النتيجة الأكثر مأساوية لهذا الإبداع العجيب المسجل حصراً باسم نظام مبارك هو تعميم ثقافة الخطف وتقنين أوضاع الخطافين على قمة هرم السلطة وبدورهم اندفع هؤلاء فى تنفيذ سياسات جاهلة وحمقاء ومتهورة سرعت بقوة وتيرة الإسقاط المتتابع لكتل شعبية ضخمة فى مستنقع البؤس الشامل والجوع المميت..
باختصار.. لقد جعلونا نترحم على أيام ديناصورات النظام القدامى..
أنا شخصياً كلما شاهدت الآن خلقة السيد أحمد عز شعرت بأن السيد كمال الشاذلى واحشنى جداً!

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.