ثنائية " الثوري " و" الإصلاحي "
Submitted by د.إيمان يحيى on الجمعة, 02/03/2007 - 04:46.

" الثنائيات " في عالم السياسة والفكر ظاهرة شائعة . إذا ذكرنا مثلاً " ماركس " فلابد أن يقفز في ذهننا على الفور " إنجلز " , وإذا كانت ثنائية " ماركس – إنجلز " من أشهر " الثنائيات " فإن ثنائيات سياسية من أمثال " سعد زغلول – مكرم عبيد " , و " عبد الناصر – عامر " و " هتلر – موسليني " و " كاسترو – جيفارا " قد ملأت حياتنا حتى وقت قريب . ناهيك عن ثنائيات الفن والثقافة التي ارتبطت في ذاكراتنا بمشاريع ثقافية وفنية , نفتقدها اليوم بشدة . قد يصنع " الثنائية " الميل الإنساني للصداقة الحميمة والحاجة إلى التواصل النفسي و العقلي لطرفيها , وقد تكون " الثنائية " رابطة بين أستاذ وتلميذه المخلص , أو صداقة عمل وإبداع بين أنداد , بل أيضاً قد تعبر عن علاقة يصنعها التنافر والتناقض مثلما كانت ثنائية " طه حسين – العقاد " .
· إختلاف النشأة
ولعل ثنائية " الأفغاني –\n محمد عبده " هي إحدى الثنائيات التي حظيت باهتمام الكتاب والباحثين . تلك العلاقة الفكرية والنضالية المعقدة , التي أفرزت موجة حركة الإحياء الديني في الشرق العربي بأكمله . تبدو شخصيتا الرجلين لأول وهلة على النقيض . وتبدو بيئة النشأة لكليهما متنافرة الأفغاني يشب في بيئة كلها قلاقل وصراعات سياسية واجتماعية . هو ابن لبيئة جبلية في بلاد الأفغان بينما محمد عبده ينشأ في الريف الرتيب في قرية شبراخيت بشمال غرب الدلتا الفسيحة المنبسطة . مزاج شيخنا الأفغاني ناري ملتهب يدفعه للثورة , ونفسية الإمام عبده هادئة منبسطة تجعله مائلاً للإصلاح والملاينة . ولعل وصف محمد عبده لشخصية أستاذه الأفغاني خير دليل على هذا التناقض , حينما كتب عنه : " شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه , إلا أنه حديد المزاج , وكثيراً ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة " (1). هذه الحدة الأفغانية التي قد تنقلب إلى " تهور " يقابلها وصف الأفغاني لصديقه وتلميذه عبده حينما كان يقول له : " قل بالله أي أبناء الملوك أنت ؟ " (2). فلقد كان "\n عبده " تلميذاً ذكياً , وصديقاً صدوقاً يكتم سر صاحبه يمتاز بالحرص والحكمة والحيطة .
",1] ); //-->
· إختلاف النشأة
ولعل ثنائية " الأفغاني – محمد عبده " هي إحدى الثنائيات التي حظيت باهتمام الكتاب والباحثين . تلك العلاقة الفكرية والنضالية المعقدة , التي أفرزت موجة حركة الإحياء الديني في الشرق العربي بأكمله . تبدو شخصيتا الرجلين لأول وهلة على النقيض . وتبدو بيئة النشأة لكليهما متنافرة الأفغاني يشب في بيئة كلها قلاقل وصراعات سياسية واجتماعية . هو ابن لبيئة جبلية في بلاد الأفغان بينما محمد عبده ينشأ في الريف الرتيب في قرية شبراخيت بشمال غرب الدلتا الفسيحة المنبسطة . مزاج شيخنا الأفغاني ناري ملتهب يدفعه للثورة , ونفسية الإمام عبده هادئة منبسطة تجعله مائلاً للإصلاح والملاينة . ولعل وصف محمد عبده لشخصية أستاذه الأفغاني خير دليل على هذا التناقض , حينما كتب عنه : " شجاع مقدام لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه , إلا أنه حديد المزاج , وكثيراً ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة " (1). هذه الحدة الأفغانية التي قد تنقلب إلى " تهور " يقابلها وصف الأفغاني لصديقه وتلميذه عبده حينما كان يقول له : " قل بالله أي أبناء الملوك أنت ؟ " (2). فلقد كان " عبده " تلميذاً ذكياً , وصديقاً صدوقاً يكتم سر صاحبه يمتاز بالحرص والحكمة والحيطة .
من هنا تمثل ثنائية " الأفغاني – عبده " معادلة " الثوري – الإصلاحي " . بدأ محمد عبده علاقته بالأفغاني كثوري يتبع منهج قائده , لكنه رويداً رويداً ينجذب إلى المواقع الإصلاحية مبتعداً عن خندق " الثورة ". تضع اللحظة الثورية " عبده " في مواجهة اختيار صعب , فيتردد ثم ينضم للثوار , لكن الهزيمة والنفي إلى بيروت تدفعه إلى " إصلاحيته " و " حذره " . يستعين به الأفغاني في تحرير " العروة الوثقى " في باريس , لكنه مافتئ يجادل أستاذه عن أولوية الإصلاح المتدرج والتربية الدينية . تغلق الجريدة الثورية أبوابها بعد ثمانية عشر شهراً , بعد أن خذلها الساسة الممولون , فيقطع عبده علاقته نهائياً بالاتجاه الثوري , لكنه يظل\n متواصلاً مع أستاذه عبر الخطابات .
· التمرد على الأزهر
في البداية كان التمرد على " الأزهر " وانحطاط التعليم الديني فيه هو ما جمع " السيد " و " الإمام " . محمد عبده يقطع تعليمه الديني في المسجد الأحمدي بطنطا بعد عام ونصف من العذاب الذي عاناه من طريقة التعليم الرديئة , فرجع إلى بلدته وتزوج ونوى أن يعمل ما بقى من العمر فلاحاً حتى التقى بشيخ طريقة صوفية , استطاع أن يحببه في دراسة الدين مرة أخرى عن طريق الفهم والمنطق , لا الحفظ والتلقين (3). من الناحية الأخرى يجئ الأفغاني إلى مصر , فيجعل من بيته مدرسة وجامعة\n . يذهب إليه عبده وأقرانه للمدارسة بعيداً عن جمود " الأزهر " وتخلفه . يقول الإمام عن أستاذه الأفغاني : " كانت مدرسته بيته , من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً ولو يوماً واحداً , نعم . كان يذهب إليه زائراً , وأغلب ما كان يزوره يوم الجمعة للصلاة " (4).",1] ); //-->من هنا تمثل ثنائية " الأفغاني – عبده " معادلة " الثوري – الإصلاحي " . بدأ محمد عبده علاقته بالأفغاني كثوري يتبع منهج قائده , لكنه رويداً رويداً ينجذب إلى المواقع الإصلاحية مبتعداً عن خندق " الثورة ". تضع اللحظة الثورية " عبده " في مواجهة اختيار صعب , فيتردد ثم ينضم للثوار , لكن الهزيمة والنفي إلى بيروت تدفعه إلى " إصلاحيته " و " حذره " . يستعين به الأفغاني في تحرير " العروة الوثقى " في باريس , لكنه مافتئ يجادل أستاذه عن أولوية الإصلاح المتدرج والتربية الدينية . تغلق الجريدة الثورية أبوابها بعد ثمانية عشر شهراً , بعد أن خذلها الساسة الممولون , فيقطع عبده علاقته نهائياً بالاتجاه الثوري , لكنه يظل متواصلاً مع أستاذه عبر الخطابات .
· التمرد على الأزهر
في البداية كان التمرد على " الأزهر " وانحطاط التعليم الديني فيه هو ما جمع " السيد " و " الإمام " . محمد عبده يقطع تعليمه الديني في المسجد الأحمدي بطنطا بعد عام ونصف من العذاب الذي عاناه من طريقة التعليم الرديئة , فرجع إلى بلدته وتزوج ونوى أن يعمل ما بقى من العمر فلاحاً حتى التقى بشيخ طريقة صوفية , استطاع أن يحببه في دراسة الدين مرة أخرى عن طريق الفهم والمنطق , لا الحفظ والتلقين (3). من الناحية الأخرى يجئ الأفغاني إلى مصر , فيجعل من بيته مدرسة وجامعة . يذهب إليه عبده وأقرانه للمدارسة بعيداً عن جمود " الأزهر " وتخلفه . يقول الإمام عن أستاذه الأفغاني : " كانت مدرسته بيته , من أول ما ابتدأ إلى آخر ما اختتم ولم يذهب إلى الأزهر مدرساً ولو يوماً واحداً , نعم . كان يذهب إليه زائراً , وأغلب ما كان يزوره يوم الجمعة للصلاة " (4).
يبلغ التماهي بين التلميذ وأستاذه درجة كبيرة في تحرير جريدة "العروة الوثقى", فيصعب التفريق بين أفكار الأستاذ وصياغة التلميذ يروي الأمير شكيب أرسلان للشيخ رشيد رضا عبارة عبده : " أن الأفكار كلها للسيد , ليس لي منها فكرة واحدة , والعبارة كلها لي , ليس للسيد منها كلمة واحدة " (5). لكن النشأة واختلاف الطبيعة تصنعان التنوع . يكتب محمد عبده رسالة إلى الأفغاني وهو في الأستانه بدون إمضاء فيرسل له أستاذه يؤنبه " تكتب\n ولا تمضي ؟؟!.. أمامك الموت , ولا ينجيك الخوف , فكن فيلسوفاً ترى العالم ألعوبة , ولا تكن صبياً هلوعاً " (6). في أواخر فترة إصدار العروة الوثقى يعرض " عبد" على الأفغاني ترك السياسة والذهاب إلى مكان بعيد عن رقابة الحكومات لتربية من يختاران من التلاميذ , فلا تمض عشر سنين , إلى ويكون تلاميذهم قد رجعوا إلى أوطانهم لنشر الإصلاح المطلوب " (7). يرفض الأفغاني منهج " الإصلاحي " المنسحب قائلاً له : إنما أنت لمثبط , لقد بدأنا طريقاً ولابد لنا أن نتمه " (8).
· تكامل وتنافر
رغم ابتعاد الطرق وتفرق المناهج بين الأستاذ وتلميذه , يظل التكامل واضحاً بين مدرستي "\n الثورة " و " الإصلاح " . ولعل إصرار المعاصرين على المزج بين الأفغاني وعبده كقائدين لحركة الإحياء والإصلاح الديني في الشرق , وهو البرهان على تكامل مدرستي " الثورة " والإصلاح " . كلتا المدرستين تهدفان إلى التغيير . تلاحظ باحثة أمريكية أن الأفغاني هو أول من تمثل بالآية القرآنية " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " من المحدثين للحض على التغيير , ومنذ ذلك الحين لم ينقطع استخدام أنصار الحداثة لها (9). حتى فتوى الشيخ محمد عبده بإباحة فوائد البنوك ترى أصلاً لها في كتابات الأفغاني . الأكثر من ذلك أن فكر " محمد عبده " رغم إصلاحيته هو تقدم وتطور إلى الأمام بالنسبة للمشروع الفكري الأفغاني . يرى المفكر الدكتور حسن حنفي أن الأفغاني ظل " أشعرياً " في التوحيد والعدل بينما تقدم عليه محمد عبده خطوة فأصبح " أشعرياً " في التوحيد و " معتزلياً " في العدل . لم يكتف محمد عبده بحسن تأويل " القضاء والقدر " كأستاذه , ولكنه قال بالحسن والقبح العقليين وبحرية الاختيار للإنسان (10).",1] ); //-->
يبلغ التماهي بين التلميذ وأستاذه درجة كبيرة في تحرير جريدة "العروة الوثقى", فيصعب التفريق بين أفكار الأستاذ وصياغة التلميذ يروي الأمير شكيب أرسلان للشيخ رشيد رضا عبارة عبده : " أن الأفكار كلها للسيد , ليس لي منها فكرة واحدة , والعبارة كلها لي , ليس للسيد منها كلمة واحدة " (5). لكن النشأة واختلاف الطبيعة تصنعان التنوع . يكتب محمد عبده رسالة إلى الأفغاني وهو في الأستانه بدون إمضاء فيرسل له أستاذه يؤنبه " تكتب ولا تمضي ؟؟!.. أمامك الموت , ولا ينجيك الخوف , فكن فيلسوفاً ترى العالم ألعوبة , ولا تكن صبياً هلوعاً " (6). في أواخر فترة إصدار العروة الوثقى يعرض " عبد" على الأفغاني ترك السياسة والذهاب إلى مكان بعيد عن رقابة الحكومات لتربية من يختاران من التلاميذ , فلا تمض عشر سنين , إلى ويكون تلاميذهم قد رجعوا إلى أوطانهم لنشر الإصلاح المطلوب " (7). يرفض الأفغاني منهج " الإصلاحي " المنسحب قائلاً له : إنما أنت لمثبط , لقد بدأنا طريقاً ولابد لنا أن نتمه " (8).
· تكامل وتنافر
رغم ابتعاد الطرق وتفرق المناهج بين الأستاذ وتلميذه , يظل التكامل واضحاً بين مدرستي " الثورة " و " الإصلاح " . ولعل إصرار المعاصرين على المزج بين الأفغاني وعبده كقائدين لحركة الإحياء والإصلاح الديني في الشرق , وهو البرهان على تكامل مدرستي " الثورة " والإصلاح " . كلتا المدرستين تهدفان إلى التغيير . تلاحظ باحثة أمريكية أن الأفغاني هو أول من تمثل بالآية القرآنية " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " من المحدثين للحض على التغيير , ومنذ ذلك الحين لم ينقطع استخدام أنصار الحداثة لها (9). حتى فتوى الشيخ محمد عبده بإباحة فوائد البنوك ترى أصلاً لها في كتابات الأفغاني . الأكثر من ذلك أن فكر " محمد عبده " رغم إصلاحيته هو تقدم وتطور إلى الأمام بالنسبة للمشروع الفكري الأفغاني . يرى المفكر الدكتور حسن حنفي أن الأفغاني ظل " أشعرياً " في التوحيد والعدل بينما تقدم عليه محمد عبده خطوة فأصبح " أشعرياً " في التوحيد و " معتزلياً " في العدل . لم يكتف محمد عبده بحسن تأويل " القضاء والقدر " كأستاذه , ولكنه قال بالحسن والقبح العقليين وبحرية الاختيار للإنسان (10).
استخدم " الأفغاني " موهبته في التحريض والتنظيم الثوري بينما فضل عبده أن يلجأ إلى التعليم والتربية . ما بقى من أثر العظيمين يجعلنا ننظر إلى ثنائية " الثوري – الإصلاحي " برؤية يغلب عليها التكامل أكثر من التضاد . إنه منهج "الوحدة والصراع" الجدلي , لا يمكن رؤية الأفغاني وعبده دونه .

المصادر :
(1) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده , ج 2 , ص 352
(2) محمد رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام ص 950
(3) \n محمد رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام ص 21 – ص 24",1] ); //-->
استخدم " الأفغاني " موهبته في التحريض والتنظيم الثوري بينما فضل عبده أن يلجأ إلى التعليم والتربية . ما بقى من أثر العظيمين يجعلنا ننظر إلى ثنائية " الثوري – الإصلاحي " برؤية يغلب عليها التكامل أكثر من التضاد . إنه منهج "الوحدة والصراع" الجدلي , لا يمكن رؤية الأفغاني وعبده دونه .

المصادر :
(1) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده , ج 2 , ص 352
(2) محمد رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام ص 950
(3) محمد رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام ص 21 – ص 24
(4) الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني , ج1 , ص32 , مقدمة د. محمد عمارة
(5) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده , ج1 , ص230
(6) جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة – السيد يوسف , ص45
(7) نهضة مصر . د. أنور عبد الملك , ص 419-421
",1] ); //-->
(4) الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني , ج1 , ص32 , مقدمة د. محمد عمارة
(5) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده , ج1 , ص230
(6) جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة – السيد يوسف , ص45
(7) نهضة مصر . د. أنور عبد الملك , ص 419-421
(8)
جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة – السيد يوسف ص\n 152
(9) جمال الدين الأفغاني بيد دارسيه . د. علي شلش . ص 96
(10) حسن حنفي – مصدر سابق ص 77 و ص 81
",1] ); //-->(8)
جمال الدين الأفغاني والثورة الشاملة – السيد يوسف ص 152
(9) جمال الدين الأفغاني بيد دارسيه . د. علي شلش . ص 96
(10) حسن حنفي – مصدر سابق ص 77 و ص 81

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
14 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.