- No upcoming events available
الشيخ والجنرال
Submitted by عبدالله السناوي on الأربعاء, 28/02/2007 - 14:16.
العربي الناصري
بدت إيماءاته وصوره وتحركاته وما ينسب إليه من تصريحات مواد صحفية توصف بأنها عاجلة وتستدعى البث المباشر من الإسكندرية إلى روما، من بيت صغير ممنوع عليه أن يبارحه إلا بإذن مسبق، إلى دنيا مفتوحة على تفاعلاتها الصاخبة.. عشرات المراسلين الإيطاليين وفدوا الى القاهرة فور الإفراج عن الشيخ أبو عمر بعد أربع سنوات من التعذيب فى السجون المصرية وبدا السباق محموماً بين كبريات الصحف الإيطالية على تصيد الأخبار، فالقضية أكبر من شخص الشيخ، وتدخل فى صلب موازين السياسة الإيطالية.
قبل أربع سنوات اختطفت الاستخبارات الأمريكية الشيخ المصرى إمام مسجد ميلانو، بتعاون وثيق مع الاستخبارات العسكرية الإيطالية مصحوبا بضوء أخضر من رئيس الحكومة فى ذلك الوقت سيلفيو بيرلسكونى، وأتوا به إلى مصر حيث جرى إيداعه معتقلاتها وتعذيبه فيها لانتزاع اعترافات تطلبها الاستخبارات الأمريكية، وكانت تلك إهانة كبرى للدولة الإيطالية، التى لم تحفظ حقوق المقيمين فيها، وتورطت فى عملية قرصنة تخالف قواعد القانون الدولى ومواثيق حقوق الإنسان، غير أن الفضيحة عندما تكشفت حقائقها أطيح برئيس الاستخبارات العسكرية الإيطالية، وأصدرت السلطات القضائية أوامر توقيف لعدد من ضباط الاستخبارات الأمريكية المتورطين مباشرة فى الفضيحة، وأحالت أعداداً أخرى من ضباط الاستخبارات العسكرية إلى القضاء.
وبدا الأمر -فى جانبه المعلن- انتصارا للقانون وحقوق الإنسان، غير أنه ينطوى أيضا -وربما أساسا- على صراع سلطة، فقد كانت تلك الفضيحة سقطة لا تغتفر ل حكومة بيرلسكونى أراد من خلالها معارضوه إنهاء حياته السياسية ومنع وصوله الى رئاسة الحكومة مستقبلا. والمثير أن الصخب الإيطالى قابله صمت مصرى، كأن القضية لا تعنينا، وكأن حقوق الإنسان المصرى بلا قيمة، وكأن التعذيب شرعة نظامنا السياسى والمجتمع يقبل بتكرارها والتورط فى فضحائها وجرائمها.. وكانت تلك إشارة إلى تراجع قيم المواطنة فى مصر، وهشاشة ادعاءاتنا بالدعوة الى حقوق الإنسان وصيانتها، لا الصحافة اهتمت كما ينبغى، ولا أحد طالب بمحاكمة المتورطين المصريين فى هذه الفضيحة، أو -على الاقل- إجلاء الحقيقة فيما حدث وحدود الدور المصرى فيه. وربما يلفت الانتباه أن الدولة الإيطالية عاقبت رئيس استخباراتها العسكرية، بينما مصر -فى توقيت لاحق- كافأت جنرالا آخر، ومنحته أرفع أوسمتها، بينما يستحق هذا الجنرال إحالته إلى محاكم الجزاء الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وليس بوسع أحد أن يسوغ أو يبرر منح الجنرال الأمريكى جون أبى زيد وساما مصريا رفيعاً، إذ أن الأمر - فى هذه الحالة - ينصرف إلى دوره الرئيسى فى غزو العراق وتدمير بنيته التحتية والعصف بحياة آلاف من مواطنيه، ولا ندرى ما شأن مصر بمنح الأوسمة للجنرالات الأمريكيين عندما تنتهى خدمتهم فى المنطقة، خاصة أنه يصعب تصور أن تكرمه بلاده، التى تستشعر الأغلبية الساحقة من الرأى العام فيها أنها قد ضللت، وأن إدارة بوش ورطت الولايات المتحدة فى مستنقع دموى لا سبيل الى الخروج منه إلا بتكاليف باهظة أو هزائم محققة، وليس للجنرال -من هذه الزاوية- ما يستدعى أن يفخر به، فلم تكن هناك معارك عسكرية بالمعنى الحقيقى، بل حفل قتل جماعى واغتيال بلد عربى بأسره. واللافت هنا أن الجنرال ينتمى بأصوله إلى العرب، فهو لبنانى بالانتساب الأسرى، غير أن تصريحاته المثبتة بالغت فى عنصريتها ضد العرب وقضاياهم وحقوقهم ، وفى تطرفها وتحريضها على مزيد من القتل والمضى فى سيناريوهات إعادة ترتيب المنطقة لصالح دور إسرائيلى محورى فيها، وهناك معلومات مؤكدة، أن إدارة بوش طلبت من الرئاسة المصرية تكريم الجنرال الدموى ومنحه وساما رفيعاً، وضغطت، واستجابت الرئاسة لهذا الضغط. وهكذا تبدو الصورة على جانبيها: تعذيب بالنيابة.. وتكريم بالنيابة!.
لا الدولة المصرية لها مصلحة فى تعذيب الشيخ، إذا نزعنا الجوانب الأخلاقية والقانونية من الملف المخزى، ولا لها سند أخلاقى يبرر منح وسام رفيع، أصحابه الحقيقيون هم الشهداء والأبطال والقادة العظام، الى مجرم حرب وعنصرى عتيد. والصورة المزدوجة للشيخ والجنرال- السوط والوسام- تكشف ما وصلنا اليه من تدهور فى الدور المصرى، ومن تراجع فى المكانتين الإقليمية والدولية، وكنا نتمنى ان نصدق المتحدث الرسمى بإسم رئاسة الجمهورية السفير سليمان عواد، الذى تحدث عن حيوية الدور المصرى وفاعليته، نافيا أن يكون قد تراجع، فأنت لا تقنع إلا بما هو مقنع ، والناس لا تصدق الدعايات الملونة والتصريحات الصحفية إذا كانت الحقائق الموجعة عن تدهور الدور المصرى ماثلة امام عيونهم.
لا سياسة خارجية يعتد بها، والوزارة العتيدة تبدو كأطلال تاريخ، الخبراء الكبار فيها بلا دور تقريباً، نزعت كل الملفات الاستراتيجية والحساسة منها، ولا يستطيع الوزير أحمد أبو الغيط أن يدعى أن له دوراً حقيقيا فى ملفات : العراق ولبنان وسوريا وفلسطين والسودان. وقد كان الرئيس السادات يصف رجال الخارجية المصرية أثناء مفاوضاته الانفرادية مع الإسرائيليين ب الميكانيكية - والرواية للدكتور بطرس غالى، إذ إن خبراء الخارجية المصرية، وفق تقاليدها العريقة، كانوا يعترضون بصورة منتظمة على أغلب الصياغات التعاقدية التى كان يوقعها الرئيس أو يتفق عليها، وكانت الكلمة الشائعة فى تقاريرهم هى الميكانيزم بمعنى الآلية، والرئيس لا تعنيه آليات، فهو مفكر ملهم سابق زمانه، وهؤلاء الخبراء والدبلوماسيون سوف يعرفون فيما بعد قيمة ما يفعل. وقد عرفنا بما فيه الكفاية!، وتداعت النتائج وتدهورت الأحوال إلى حد التمثيل الرسمى بالدور المصرى فى المنطقة.
وهناك مثال جديد على تدهور الدور المصرى، مصحوبا بتدهور عربى شامل، فقد التقت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أربعة من رؤساء الاستخبارات العربية -مصر والأردن والسعودية والإمارات- يوم الثلاثاء الماضى فى العاصمة الأردنية عمان.
وكان لافتا الإعلان المسبق عن الاجتماع، دون أن تعقبه تصريحات عما جرى فيه. ولم يكن هذا هو الاجتماع الأول من نوعه، لكنه -هذه المرة- أعلن عنه مسبقا، كأنه أمر عادى، أو يريدون تعويدنا عليه، الإجتماع سياسى - أمنى، أوراق العمل فيه أمريكية، وهدفه الرئيسى يتجاوز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمنى إلى التخطيط الاستراتيجى الأمريكى فى المنطقة، وبحسب المعلومات فإن الأهداف المباشرة بدت على النحو التالى:
فلسطينيا: ضمان التهدئة ومنع أية عمليات مقاومة ضد إسرائيل، وإلزام الحكومة الجديدة بشروط الرباعية وأهمها اعتراف الحكومة الجديدة بإسرائيل ونبذ العنف المقاومة.
عراقيا: الأدوار السياسية والاستخباراتية التى يمكن ان تسند لدول عربية فى دعم الخطة الأمنية الجديدة فى بغداد.
إيرانيا: الأدوار التى يمكن أن تلعبها تلك الدول فى أية عمليات عسكرية محتملة ضد إيران، مع طمأنة مخاوف دول الخليج -بالخصوص- من أن تمتد إليها نيران القتال.
هناك مصادر تؤكد احتمال زيارة الرئيس الإيرانى الأسبق هاشمى رافسنجانى للقاهرة فى وقت لاحق للتأكيد مجددا على ميثاق عدم الاعتداء بين إيران ودول الخليج، وتهيئة المناخ لبدء حوار إيرانى -أوروبى قد يستهدف عقد صفقة، توقف إيران بمقتضاها مشروع تخصيب اليورانيوم مقابل الاعتراف بدور إقليمى لها فى العراق وفى المنطقة بالعموم، وهذا سيناريو محتمل يوازى سيناريو الحرب.
وهناك من يؤكد ان رجال استخبارات أمريكيين وإسرائيليين تواجدوا فى الاجتماع أو كواليسه.
غابت الأجندة العربية بالكامل، غابت التصورات والأفكار، وبدا الاجتماع أقل من أن يوصف بأنه تحالف استخباراتى أمنى وأكبر من أن يوصف بأنه تبادل تقليدى للمعلومات الإستخباراتية.
والمثير فى القصة كلها أن الدعوة أمريكية والخطة أمريكية والرئاسة أمريكية، والمصالح العربية غائبة، ومصر لا تلعب أدوارها التقليدية وفق مصالحها وأحجامها فى المنطقة.
والمحزن بحق أن الدولة المصرية -دولة ونخبة ومجتمعا- أخذت فضائحها تغلب قضاياها، وبدت فضيحة فتيات الليل والصخب من حولها طاغية على قضية المسجد الأقصى ومخاوف هدمه.
وبدا ان التزمت الاجتماعى قد غلب المقدس الدينى، ودعاوى الدفاع عن سمعة مصر، لا تحاول أن تنظر حولها لترى.. الى أين تراجعنا؟، ولا تحاول أن تسأل ببعض ضمير: كيف وصلنا الى هنا؟. وبعض ما يجرى محزن، ويسيء الى سمعة مصر، ويحطم الثقة العامة فيها، وقصص الشيخ والجنرال دالة على أوضاع استقرت وأنهت الدور المصرى فى محيطه وعالمه. والحقيقة التى يجب أن تقال، وهذه بديهية نحتاج أن نتعلم من جديد أبجديتها: لا سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة فى محيطها وعالمها بلا سياسة داخلية مقنعة وقادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات شعبها، وذلك كله دعا رئيس الوزراء اليمنى الأسبق محسن العينى إلى أن يقول -عن حق: أنا خائف على مصر من أن تندفع إلى موجات إرهاب جديدة، فالاعتقالات التى تجرى للإخوان المسلمين، مع استبعاد السياسة ووسائلها، قد تدفع بجماعات متطرفة الى حمل السلاح فى وجه المجتمع مرة أخرى.
وهذه قصة أخرى محزنة وموجعة لبلد فقد بوصلته وأدواره وثقته فى نفسه.
قبل أربع سنوات اختطفت الاستخبارات الأمريكية الشيخ المصرى إمام مسجد ميلانو، بتعاون وثيق مع الاستخبارات العسكرية الإيطالية مصحوبا بضوء أخضر من رئيس الحكومة فى ذلك الوقت سيلفيو بيرلسكونى، وأتوا به إلى مصر حيث جرى إيداعه معتقلاتها وتعذيبه فيها لانتزاع اعترافات تطلبها الاستخبارات الأمريكية، وكانت تلك إهانة كبرى للدولة الإيطالية، التى لم تحفظ حقوق المقيمين فيها، وتورطت فى عملية قرصنة تخالف قواعد القانون الدولى ومواثيق حقوق الإنسان، غير أن الفضيحة عندما تكشفت حقائقها أطيح برئيس الاستخبارات العسكرية الإيطالية، وأصدرت السلطات القضائية أوامر توقيف لعدد من ضباط الاستخبارات الأمريكية المتورطين مباشرة فى الفضيحة، وأحالت أعداداً أخرى من ضباط الاستخبارات العسكرية إلى القضاء.
وبدا الأمر -فى جانبه المعلن- انتصارا للقانون وحقوق الإنسان، غير أنه ينطوى أيضا -وربما أساسا- على صراع سلطة، فقد كانت تلك الفضيحة سقطة لا تغتفر ل حكومة بيرلسكونى أراد من خلالها معارضوه إنهاء حياته السياسية ومنع وصوله الى رئاسة الحكومة مستقبلا. والمثير أن الصخب الإيطالى قابله صمت مصرى، كأن القضية لا تعنينا، وكأن حقوق الإنسان المصرى بلا قيمة، وكأن التعذيب شرعة نظامنا السياسى والمجتمع يقبل بتكرارها والتورط فى فضحائها وجرائمها.. وكانت تلك إشارة إلى تراجع قيم المواطنة فى مصر، وهشاشة ادعاءاتنا بالدعوة الى حقوق الإنسان وصيانتها، لا الصحافة اهتمت كما ينبغى، ولا أحد طالب بمحاكمة المتورطين المصريين فى هذه الفضيحة، أو -على الاقل- إجلاء الحقيقة فيما حدث وحدود الدور المصرى فيه. وربما يلفت الانتباه أن الدولة الإيطالية عاقبت رئيس استخباراتها العسكرية، بينما مصر -فى توقيت لاحق- كافأت جنرالا آخر، ومنحته أرفع أوسمتها، بينما يستحق هذا الجنرال إحالته إلى محاكم الجزاء الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وليس بوسع أحد أن يسوغ أو يبرر منح الجنرال الأمريكى جون أبى زيد وساما مصريا رفيعاً، إذ أن الأمر - فى هذه الحالة - ينصرف إلى دوره الرئيسى فى غزو العراق وتدمير بنيته التحتية والعصف بحياة آلاف من مواطنيه، ولا ندرى ما شأن مصر بمنح الأوسمة للجنرالات الأمريكيين عندما تنتهى خدمتهم فى المنطقة، خاصة أنه يصعب تصور أن تكرمه بلاده، التى تستشعر الأغلبية الساحقة من الرأى العام فيها أنها قد ضللت، وأن إدارة بوش ورطت الولايات المتحدة فى مستنقع دموى لا سبيل الى الخروج منه إلا بتكاليف باهظة أو هزائم محققة، وليس للجنرال -من هذه الزاوية- ما يستدعى أن يفخر به، فلم تكن هناك معارك عسكرية بالمعنى الحقيقى، بل حفل قتل جماعى واغتيال بلد عربى بأسره. واللافت هنا أن الجنرال ينتمى بأصوله إلى العرب، فهو لبنانى بالانتساب الأسرى، غير أن تصريحاته المثبتة بالغت فى عنصريتها ضد العرب وقضاياهم وحقوقهم ، وفى تطرفها وتحريضها على مزيد من القتل والمضى فى سيناريوهات إعادة ترتيب المنطقة لصالح دور إسرائيلى محورى فيها، وهناك معلومات مؤكدة، أن إدارة بوش طلبت من الرئاسة المصرية تكريم الجنرال الدموى ومنحه وساما رفيعاً، وضغطت، واستجابت الرئاسة لهذا الضغط. وهكذا تبدو الصورة على جانبيها: تعذيب بالنيابة.. وتكريم بالنيابة!.
لا الدولة المصرية لها مصلحة فى تعذيب الشيخ، إذا نزعنا الجوانب الأخلاقية والقانونية من الملف المخزى، ولا لها سند أخلاقى يبرر منح وسام رفيع، أصحابه الحقيقيون هم الشهداء والأبطال والقادة العظام، الى مجرم حرب وعنصرى عتيد. والصورة المزدوجة للشيخ والجنرال- السوط والوسام- تكشف ما وصلنا اليه من تدهور فى الدور المصرى، ومن تراجع فى المكانتين الإقليمية والدولية، وكنا نتمنى ان نصدق المتحدث الرسمى بإسم رئاسة الجمهورية السفير سليمان عواد، الذى تحدث عن حيوية الدور المصرى وفاعليته، نافيا أن يكون قد تراجع، فأنت لا تقنع إلا بما هو مقنع ، والناس لا تصدق الدعايات الملونة والتصريحات الصحفية إذا كانت الحقائق الموجعة عن تدهور الدور المصرى ماثلة امام عيونهم.
لا سياسة خارجية يعتد بها، والوزارة العتيدة تبدو كأطلال تاريخ، الخبراء الكبار فيها بلا دور تقريباً، نزعت كل الملفات الاستراتيجية والحساسة منها، ولا يستطيع الوزير أحمد أبو الغيط أن يدعى أن له دوراً حقيقيا فى ملفات : العراق ولبنان وسوريا وفلسطين والسودان. وقد كان الرئيس السادات يصف رجال الخارجية المصرية أثناء مفاوضاته الانفرادية مع الإسرائيليين ب الميكانيكية - والرواية للدكتور بطرس غالى، إذ إن خبراء الخارجية المصرية، وفق تقاليدها العريقة، كانوا يعترضون بصورة منتظمة على أغلب الصياغات التعاقدية التى كان يوقعها الرئيس أو يتفق عليها، وكانت الكلمة الشائعة فى تقاريرهم هى الميكانيزم بمعنى الآلية، والرئيس لا تعنيه آليات، فهو مفكر ملهم سابق زمانه، وهؤلاء الخبراء والدبلوماسيون سوف يعرفون فيما بعد قيمة ما يفعل. وقد عرفنا بما فيه الكفاية!، وتداعت النتائج وتدهورت الأحوال إلى حد التمثيل الرسمى بالدور المصرى فى المنطقة.
وهناك مثال جديد على تدهور الدور المصرى، مصحوبا بتدهور عربى شامل، فقد التقت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس أربعة من رؤساء الاستخبارات العربية -مصر والأردن والسعودية والإمارات- يوم الثلاثاء الماضى فى العاصمة الأردنية عمان.
وكان لافتا الإعلان المسبق عن الاجتماع، دون أن تعقبه تصريحات عما جرى فيه. ولم يكن هذا هو الاجتماع الأول من نوعه، لكنه -هذه المرة- أعلن عنه مسبقا، كأنه أمر عادى، أو يريدون تعويدنا عليه، الإجتماع سياسى - أمنى، أوراق العمل فيه أمريكية، وهدفه الرئيسى يتجاوز تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الأمنى إلى التخطيط الاستراتيجى الأمريكى فى المنطقة، وبحسب المعلومات فإن الأهداف المباشرة بدت على النحو التالى:
فلسطينيا: ضمان التهدئة ومنع أية عمليات مقاومة ضد إسرائيل، وإلزام الحكومة الجديدة بشروط الرباعية وأهمها اعتراف الحكومة الجديدة بإسرائيل ونبذ العنف المقاومة.
عراقيا: الأدوار السياسية والاستخباراتية التى يمكن ان تسند لدول عربية فى دعم الخطة الأمنية الجديدة فى بغداد.
إيرانيا: الأدوار التى يمكن أن تلعبها تلك الدول فى أية عمليات عسكرية محتملة ضد إيران، مع طمأنة مخاوف دول الخليج -بالخصوص- من أن تمتد إليها نيران القتال.
هناك مصادر تؤكد احتمال زيارة الرئيس الإيرانى الأسبق هاشمى رافسنجانى للقاهرة فى وقت لاحق للتأكيد مجددا على ميثاق عدم الاعتداء بين إيران ودول الخليج، وتهيئة المناخ لبدء حوار إيرانى -أوروبى قد يستهدف عقد صفقة، توقف إيران بمقتضاها مشروع تخصيب اليورانيوم مقابل الاعتراف بدور إقليمى لها فى العراق وفى المنطقة بالعموم، وهذا سيناريو محتمل يوازى سيناريو الحرب.
وهناك من يؤكد ان رجال استخبارات أمريكيين وإسرائيليين تواجدوا فى الاجتماع أو كواليسه.
غابت الأجندة العربية بالكامل، غابت التصورات والأفكار، وبدا الاجتماع أقل من أن يوصف بأنه تحالف استخباراتى أمنى وأكبر من أن يوصف بأنه تبادل تقليدى للمعلومات الإستخباراتية.
والمثير فى القصة كلها أن الدعوة أمريكية والخطة أمريكية والرئاسة أمريكية، والمصالح العربية غائبة، ومصر لا تلعب أدوارها التقليدية وفق مصالحها وأحجامها فى المنطقة.
والمحزن بحق أن الدولة المصرية -دولة ونخبة ومجتمعا- أخذت فضائحها تغلب قضاياها، وبدت فضيحة فتيات الليل والصخب من حولها طاغية على قضية المسجد الأقصى ومخاوف هدمه.
وبدا ان التزمت الاجتماعى قد غلب المقدس الدينى، ودعاوى الدفاع عن سمعة مصر، لا تحاول أن تنظر حولها لترى.. الى أين تراجعنا؟، ولا تحاول أن تسأل ببعض ضمير: كيف وصلنا الى هنا؟. وبعض ما يجرى محزن، ويسيء الى سمعة مصر، ويحطم الثقة العامة فيها، وقصص الشيخ والجنرال دالة على أوضاع استقرت وأنهت الدور المصرى فى محيطه وعالمه. والحقيقة التى يجب أن تقال، وهذه بديهية نحتاج أن نتعلم من جديد أبجديتها: لا سياسة خارجية فاعلة ومؤثرة فى محيطها وعالمها بلا سياسة داخلية مقنعة وقادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات شعبها، وذلك كله دعا رئيس الوزراء اليمنى الأسبق محسن العينى إلى أن يقول -عن حق: أنا خائف على مصر من أن تندفع إلى موجات إرهاب جديدة، فالاعتقالات التى تجرى للإخوان المسلمين، مع استبعاد السياسة ووسائلها، قد تدفع بجماعات متطرفة الى حمل السلاح فى وجه المجتمع مرة أخرى.
وهذه قصة أخرى محزنة وموجعة لبلد فقد بوصلته وأدواره وثقته فى نفسه.
- 409 reads

علِّق