- No upcoming events available
بإيجاز شديد، أحب أن أقول لأهل الحكم، لجميع أهل الحكم، فلست أجامل أحدا، ولا يوجد من يستحق المجاملة، ولست أستثني أحدا ولا يجوز استثناء أحد. أقول لكم جميعا، إن أفضل إنجاز تاريخي يمكنكم أن تقدموه لهذا الشعب، هو أن ترحلوا. وأقصد بذلك أن تفلتوا بجلودكم، وبغنائمكم، وبما استمتعتم، وبما استحوذتم، وبما أسرفتم، وبما أغويتم، وبما أضللتم، وبما استنزفتم، أن تفلتوا بذلك كله، وترحموا هذا الشعب، وتتركوه يتولي مصيره، ويتخذ قراره، ويختار من يحكمه، ويصنع مستقبله.
أعلم أنكم تعيشون في حالة من العماء السياسي فلا ترون البؤس الذي يرقص فوق الوجوه. أعلم أنكم تتصفون بأبشع أنواع القسوة السياسية فلا تشعرون بالفقر الذي يذل المواطن ويكسر نفسه ويقتل ما تبقي لديه من فضائل.
أعلم أن الغلظة طبع راسخ في تركيبتكم السياسية، فلا تتألمون لما يقرص البطون الجائعة من ألم الحرمان، وما أكثر البطون الجائعة التي يزداد عددها ويطول طابورها، وتخوض حربا يومية ضروسا من أجل لقمة في الصباح ولقمة عند المساء.
أعلم أن كلمة العدالة محذوفة من قاموسكم السياسي تماما، وأعلم أنكم نسيتم أن العدل أساس الملك، والبديهي عندكم هو أن الظلم أساس الملك، ولهذا كسرتم آخر ميزان كان لدينا، وتبيعون الشعب بغير ميزان، وتشترونه بغير ميزان، لا وزن عندكم لشيء، لا وزن لوطن عظيم، لا وزن لمواطن كريم، لا وزن لقيمة محترمة، لا وزن لمشاعر الناس، لا وزن لكلمة نظيفة، لا وزن لعمل شريف، لا وزن لأحزان الشعب، لا وزن لأمة نراها خير أمة وترونها حشدا من الرعية وقطعان الغنم السائبة تهيم علي وجهها في الوادي والدلتا.
قاموسكم بائس، يائس، جاف، حاف، غليظ، فظ، نافر، الشعب لا يعرف كيف يقرؤكم، ولا كيف يسمعكم، ولا كيف يفهمكم، وهو في كل الأحوال لا يثق بكم، بل فيكم يشك ويرتاب، وعنكم يبتعد، ومنكم تغلي دماؤه، وتفور أعصابه، وتنفد طاقته علي التسامح والعفو.
هذه هي سنوات الغليان، يغلي الأغنياء ويغلي الفقراء، يغلي الكبار ويغلي الصغار، الوطن من أقصاه إلي أقصاه مرجل يغلي من الإحباط والضيق والغيظ.
أعرف تماما أنني لم أقل شيئا في السطور السابقة، وكل ما أردته هو أن أفتح الباب لتحليل هادئ لما أظنه تأريخا لأيام الأحزان والبؤس والألم في تاريخنا الاجتماعي.
بدءا من غد، نؤرخ لأيامنا وآلامنا وجروحنا، بدءا من الغد، نغير لغة الكتابة السياسية، بعدما تحولت إلي أطباق من فول نابت مسلوق، فقدت معناها، وفقدت اهتمام الناس بها، وفقدت إحساسها بالمسئولية والأمانة.
بدءا من غد، نؤرخ لمعاناة المواطن، لأنين الناس، لرحلة العذاب التي يعانيها أهلنا هنا في أرض الكنانة.
أكبر الظواهر التاريخية في هذه اللحظة هي الغليان، وهي أخطر من الحروب، وأخطر من الانقسامات، وأخطر من الكوارث الطبيعية.
الغليان الجاري الآن هو موضوع الساعة الذي يتغافل عنه الإعلام القومي، ويتجاهله أهل الحكم، ويصرون علي إنكاره وعدم الالتفات إليه
- 504 reads

There's nothing but death; No boiling
السوءال هو متى
علِّق