من مشروع النهضة العربية.. إلي برنامج «هالة شو»
Submitted by د.حسن نافعة on الأحد, 18/02/2007 - 22:49.

المصري اليوم.

 

قضيت أكثر من أسبوع متنقلا بين القاهرة وعمان وبيروت، ورغم قصر المسافة الزمنية التي تفصل بين هذه العواصم الثلاث، والتي لا تتجاوز بالكاد نفس المسافة الزمنية التي تفصل بين القاهرة وأسوان، إلا أن المسافة النفسية بينها راحت تتسع علي نحو يثير القلق ويكاد يكون غير قابل للتصديق،

ولا أظن أنني أبالغ إذا قلت أن المواطن العربي بدأ وهو يتنقل بين العواصم العربية المختلفة، وبالذات بين القاهرة وأي عاصمة عربية أخري يحس علي نحو متزايد بوجود تلك الهوة النفسية الكبيرة كأنه يتنقل بين عوالم،

وربما كواكب مختلفة لا تمت لبعضها البعض بصلة، والواقع أن هذا الإحساس سيطر علي تماما مرتين لبعض الوقت عقب وصولي إلي عمان قادما من القاهرة، ثم عاد ليسيطر علي مرة أخري عقب عودتي إلي القاهرة قادما من بيروت،

وفي كلتا الحالتين بدت لي عاصمة المعز، وكأنها تنتمي إلي عالم أو إلي كوكب آخر، بعد أن أدارت ظهرها تماما للعرب والعروبة، بل بدت لي وكأنها تحاول أن تهرب حتي من نفسها بالانشغال إلي درجة الاستغراق في صغائر الأمور، فحين غادرتها في بداية الأسبوع الأول من هذا الشهر كانت القاهرة تبدو مشغولة إلي درجة الاستغراق الكامل في حكاية اسمها «سفاح المعادي» بعد أن كانت قد فرغت بالكاد من الانشغال بحكاية أخري اسمها «التوربيني»،

وحين عدت إليها بعد ثمانية أيام فقط وجدتها منشغلة إلي حد الاستغراق الكامل في حكاية جديدة اسمها «هالة شو»، لكنني حين وصلت إلي عمان ومنها إلي بيروت وجدت العاصمتين منشغلتين بأمور أكثر جدية وخطورة وتطرحان تساؤلات قلقة حول أسباب غياب الدور المصري،

بل إن مصر الرسمية بدت في نظر البعض وكأنها تحاول أن تبني بينها وبين الدول العربية جدارا عازلا يرونه أكثر خطورة وضررا علي الطرفين من جدار الفصل العنصري الذي تبنيه إسرائيل فعلا بينها وبين الفلسطينيين!.

في بداية إقامتي في عمان دعاني المعهد الدبلوماسي لإلقاء محاضرة عن «آفاق التسوية السياسية في ظل التطورات الإقليمية والعالمية الراهنة», وفي نهايتها شاركت في ورشة عمل نظمها برنامج دراسات التنمية في جامعة بيرزيت الفلسطينية بعنوان «دور المجتمع المدني في تعزيز الديمقراطية: الحاجات والأولويات» انصبت في واقع الأمر حول بحث إمكانية تجمع قوي اليسار والوسط الفلسطيني في تيار ثالث يملأ الفراغ السياسي ويوازن بين فتح وحماس، وبينما أتاحت لي محاضرة المعهد الدبلوماسي فرصة مهمة للتحاور مع نخبة من السياسيين والدبلوماسيين، الحاليين منهم والسابقين حول مجمل ما يجري في عالمنا العربي خاصة في العراق ولبنان وفلسطين،

فقد أتاحت لي المشاركة في ورشة العمل الخاصة بجامعة بيرزيت فرصة اللقاء بعدد كبير من الأكاديميين والنشطاء السياسيين الفلسطينيين والاستماع منهم مباشرة لتقييم لما يجري علي الساحة الفلسطينية، خصوصا في ضوء الاقتتال الذي كان ما يزال دائرا بين فتح وحماس في ذلك الوقت.

في بيروت شاركت في ندوتين منفصلتين، الأولي بعنوان «المساءلة والمحاسبة: تشريعاتها وآلياتها في الأقطار العربية», ونظمتها «المنظمة العربية لمكافحة الفساد» التي يقودها الدكتور سليم الحص، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق،

والثانية بعنوان: «مستقبل الوطن العربي في القرن الحادي والعشرين» ونظمها مركز دراسات الوحدة العربية الذي يديره الدكتور خير الدين حسيب، الوزير والمفكر العراقي المعروف، وبينما جمعت الندوة الأولي عددا من الأكاديميين والممارسين العرب في مجالات الإدارة والقانون والسياسة من المهتمين بقضايا مكافحة الفساد في الدول العربية، ضمت الندوة الثانية عددا من المفكرين المهتمين بصياغة «مشروع حضاري نهضوي عربي»،

ورغم أن «المنظمة العربية لمكافحة الفساد» حديثة النشأة، إلا أنها تكافح بجدية للتأسيس لشبكة قادرة علي دراسة وكشف ومكافحة الفساد في العالم العربي، أما مركز دراسات الوحدة العربية فهو أحد أهم وأقدم مراكز صناعة الفكر في العالم العربي، إن لم يكن أهمها علي الإطلاق، ووراءه تراث علمي ضخم بلغ ما يقرب من أربعمائة كتاب منشور،

وحرصا منه علي متابعة مشروع «استشراف مستقبل الوطن العربي» كان تقريره النهائي قد صدر عام ١٩٨٨ قام المركز بتنظيم ندوة ضخمة عقدت في مدينة فاس المغربية في إبريل عام ٢٠٠١ تحت عنوان: «نحو مشروع حضاري عربي» وعهد بأعمالها إلي لجنة تسترشد بها في صياغة مشروع للنهضة يطرح للنقاش علي أوسع نطاق ممكن في العالم العربي، وتعتبر ندوة بيروت الأخيرة والمصغرة حلقة ختامية في سلسلة الجهود الرامية لإخراج هذا المشروع في شكله النهائي،

في تلك الأجواء المفعمة بالجدية كان بوسع المرء أن يستمع إلي تشخيص لعلل كثيرة أصابت الأمة, وأن يتعرف علي جراحها المفتوحة علي مصراعيها في العراق وفلسطين ولبنان وغيرها, وأن يستمع إلي صدي الأنين الصادر من أعماق شعوبها المحشورة بين استبداد الداخل وأطماع الخارج يتردد بين العواصم العربية علي السنة المشاركين في تلك الفعاليات الفكرية المختلفة، ومع ذلك لم تكن الصورة كلها قاتمة تماما حيث كانت نبرة تفاؤل تفوح بين الحين والآخر من هذا المفكر أو ذاك لتذكرنا ببطولات مقاومة صنعت ما يشبه المعجزات، رغم الضغوط والعتمة وقلة الموارد والإمكانات،

ورغم ما ينتاب هذه الندوات عادة من تكرار يبعث علي الملل ويذكرنا أحيانا بأن النخب الثقافة هي أقرب، لأن تكون جزءاً من المشكلة وليس الحل، إلا أن الجدية التي اتسم بها عدد لا بأس به من الأبحاث والمداخلات أكدت علي أن قطاعا لا يستهان به من هذه النخبة بدأت تأخذ التحديات التي تواجه النظام العربي في المرحلة الراهنة علي محمل الجد.

وللإنصاف يمكن القول إن جدية القضايا والمداخلات التي طرحت في ندوات ولقاءات عمان وبيروت لم تكن هي أكثر ما لفت نظري في تلك الزيارة، فالواقع أن شوارع هاتين العاصمتين العربيتين، واللتين تفتقران إلي كل أنواع الموارد فيما عدا حيوية وذكاء شعبيهما، بدت لي خالية تماما من أكوام القمامة، ومن عربات الأمن المركزي، ومن فوضي المرور،

ولم أعثر في وسائل إعلامهما علي أي محاولة لافتعال وسيلة لإشغال الرأي العام بتفائه الأمور، ولذلك فحين عدت إلي مصر بدت الصدمة كبيرة هذه المرة، فقد ذكرتني أكوام الزبالة المتراكمة فوق أرصفة الشوارع في أرقي أحياء القاهرة، وعربات الأمن المركزي المكدسة في طوابير طويلة أمام الجامعات والوزارات والسفارات، وفوضي المرور الضاربة في كل مكان، بأننا صحيح في مصر،

وبأن النظام السياسي والإداري لهذا البلد العريق لم يعد معنيا بأي شيء آخر سوي أمنه الشخصي، ومع ذلك فإن آخر ما كنت أتوقعه أن أجد الجميع في مصر، سواء علي مستوي النخبة أو علي مستوي الناس العاديين، مشغولين إلي درجة الهوس بحلقة خاصة من برنامج هالة شو ومومساتها المزيفة بثته إحدي قنوات روتانا كواحدة من حلقات أربع يفترض أنها تعالج مشكلات بنات الليل في مصر!.

لست ضد أي مناقشة علنية لأمراض المجتمع وآفاته بكل صراحة ووضوح وشفافية، فالمناقشة هي السبيل الوحيد لمعاجة صحية لكل أنواع الأوبئة الاجتماعية أيا كانت درجة حساسيتها، شريطة أن تكون هذه المناقشة علمية وجادة ومنزهة عن الهوي والغرض والمصلحة الشخصية، غير أن أي مناقشة من هذا النوع يجب أن تبني علي معلومات أمينة وصادقة، وليس علي معلومات مزيفة أو مفبركة أو مزورة، وأن تأخذ حجمها وحيزها المعتاد دون تجاوز، وألا تتحول إلي وسيلة للابتزاز وإلهاء الناس والمجتمعات عن قضاياها وأحلامها الكبري،

ومن الواضح أن عددا من وسائل الإعلام، سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية، التي ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية، وعلي الأخص أنواع معينة من الفضائيات التي تكاثرت مؤخرا في سماء المنطقة العربية، تعمل جاهدة لتشتيت ذهن الشباب وإفراغ طاقتهم فيما لا طائل ولا نفع حقيقي من ورائه، لكن إلي أي مدي تبدو تلك السياسة مقصودة أو مخططة أو مدعومة من جانب النظام الحاكم؟.

هذا سؤال قد تصعب الإجابة عنه، ومع ذلك فحين ييث برنامج كهذا في أعقاب سلسلة جرائم فضائحية بدأت بالتوربينو وانتهت بسفاح المعادي، في وقت يبدو فيه الداخل السياسي مشتعلا بالمواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين, وتبدو فيه المنطقة، وكأنها علي شفا حفرة من النار وعلي وشك أن تشتعل فيها فتنة طائفية هائلة وربما حرب إقليمية شاملة، فمن الصعب التعامل مع حدث من هذا القبيل وكأنه مجرد صدفة!.

غير أن أكثر ما يحز في النفس، في هذا الصدد، أن تبدو مصر مشغولة إلي حد الاستغراق الكامل في تفاهات من هذا النوع في وقت يبدو فيه غيرنا مشغولا باستنفار الأمة وبدعوة مناضليها للجهاد المقدس لإنقاذ المسجد الأقصي، أو بدعوة مفكريها للمساهمة في صياغة وإقرار «مشروع حضاري نهضوي عربي»، وأيا كان الأمر فمن الواضح أن المسافة النفسية التي تفصل مصر الرسمية الآن عن بقية العالم العربي باتت تعادل ذات المسافة التي تفصل بين «المشروع الحضاري النهضوي العربي» وبرنامج «هالة شو».

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
15 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.