4 أسئلة لوزير الداخلية
Submitted by محمد الباز on الأربعاء, 17/01/2007 - 08:04.

العربي.

منذ سنوات طويلة ومراكز وجمعيات حقوق الإنسان تتقدم ببلاغات إلى مكتب النائب تسجل فيها وقائع تعذيب مذهلة يتعرض لها مواطنون أبرياء وغير أبرياء.. كان يتم التحقيق فيها لكنها غالبا ما كانت تنتهى بالحفظ.. لأنه لم يكن عليها أى دليل إلا كلام أصحابها الذى رغم مرارته وقسوته إلا أنه لم يكف كدليل على تحقيق الإدانة وإحالة ضباط التعذيب إلى محاكمة عادلة يقفون فيها ليواجهوا مصيرهم العادل.. فمهما كانت جريمة الإنسان فإنها لا تبرر تعذيبه وإهدار كرامته وآدميته وبعثرتها على بلاط أقسام الشرطة البارد الذى لا يرحم.
لكن هذه المرة الأمر مختلف تماما.. وقائع التعذيب موجودة ومسجلة فى كليبات سريعة ومفزعة.. واسماء مرتكبيها معروفة وأماكن عملهم محددة.. والضحايا أيضا معروفون والأكثر من ذلك أنهم مستعدون للمواجهة من أجل الحصول على حقوقهم.. وهنا تحركت النيابة ووصلت إلى نتيجة مهمة فى واقعتين محددتين وهما اغتصاب عماد الكبير بعصا شمسية فى قسم بولاق الدكرور.. وصفع بائع متجول على وجهه فى استعراض بوليسى مهين لقياس سرعة الضربات بين الضباط فى قسم شرطة الهرم.. وقد تم تحويل الضابطين إسلام نبيه ومصطفى شحاتة الى محكمة الجنايات بتهمة تعذيبهما للمواطنين.
ولايزال البحث جاريا عن بطلة كليب الضرب المبرح التى يعتقد أنها موظفة بمبنى الإذاعة والتليفزيون وقد ضربت فى أحد أقسام شرطة وسط القاهرة.. وعن بطلة كليب تعليق فتاة بين كرسيين كخروف للحصول منها على اعترافات بارتكابها جريمة قتل وتستعطف الباشا الذى يبدو أنه لم يكتف باعترافها ولكنه أراد أن يواصل تعذيبها.. وكأن التعذيب أصبح هدفا فى حد ذاته.. يستمتع به الضابط وهو يقوم بتصويره ببطء شديد ليحتفظ به يشاهده بعد ذلك على مهل.. ويفرج أصدقاءه عليه ليشهدوا بطولاته وفتوحاته وإنجازاته.
وزارة الداخلية بالطبع ليست سعيدة بتساقط رجالها واحدا تلو الآخر.. وحتى حبيب العادلى نفسه ورغم أنه أمر بالتحقيق الفورى والسريع فى كليب الفتاة المعلقة واحضارها ومعرفة مكان وسبب الواقعة.. إلا أنه يشعر بالضيق الشديد لأن موقفه يزداد كل يوم حرجا.. بما يجعله يعتذر ويقدم التبريرات ويسوق الاعتذارات، تحرك الداخلية يأتى فى الغالب لاحتواء الموقف قبل أن يتصاعد ويتفجر داخليا وخارجيا.. لكن الوزارة حتى الآن لم تصدر تعليماتها مثلا بإيقاف التعذيب أو حتى التعامل بعنف مع المواطنين فى أقسام الشرطة.. وكل ما فعلته كما صرحت بذلك مصادر عديدة من داخل الوزارة.. انها اصدرت تعليمات مشددة باغلاق أجهزة المحمول داخل أقسام الشرطة.. وبذلك فالوزارة تدور حول المشكلة ولا تعالجها.. وكأنى بها تقول لضباطها افعلوا ما تشاءون لكن دون تصويره.
الواقع بين وزارة الداخلية ودورها ووظيفتها فى المجتمع.. والمواطنين الذى يقعون بين يديها لأى سبب من الأسباب يجعلنا نقف أمام عدد من الأسئلة التى لابد أن نجد لها إجابة:
1- هل التعذيب غاية فى وزارة الداخلية؟
إذا سألت أى ضابط هذا السؤال سيسارع ليس بالنفى ولكن بالاستعاذة بالله.. بل إننى تعجبت عندما قال لى احدهم إنه يكون فى قمة الحزن والغضب وهو يمد يده على مواطن.. لأنه يفعل ذلك مضطرا.. فهو يريد أن يحصل على معلومات لكن المتهم لا يتجاوب معه.. يضلله ويخدعه ويلعب به.. فلا يجد وسيلة للسيطرة على الموقف إلا بضربه - ضباط الشرطة لا يستخدمون أبدا كلمة التعذيب - يمكن أن نصدق أن ضرب المواطنين وإهانتهم فى الداخلية مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة.
لكن كليبات التعذيب المتعددة تقول لنا غير ذلك.. فهناك ضابط الهرم مصطفى شحاتة الذى كان يتسلى - والكلمة دقيقة - بضرب بائع متجول على وجهه.. بل إنه كان يتسابق مع زملائه على من يضرب أكبر عدد من الأقلام فى الدقيقة وفاز بها الضابط الهمام الذى استطاع أن يضرب 30 قلما فى الدقيقة.. عندما تم الإيقاع بمصطفى شحاتة بعد ذلك قال إن المتهم - الذى هج من البلد إلى ليبيا - قد اعتدى جنسيا على طفل صغير.. فحتى ولو حدث ذلك وارتكب المتهم هذه الجريمة البشعة.. فإن هذا لا يبرر التعامل معه بهذه الطريقة فى ظل قانون من المفروض أنه سيعاقبه.. لقد بدا أن ضباط قسم الشرطة لم يكن لديهم فى هذه الليلة شيء يفعلونه فجاءوا بالبائع المتجول الهزيل الذى بلا حول ولا قوة وجعلوا منه تسليتهم.
فى كليب الفتاة المعلقة هناك إصرار من الضباط على جعل الفتاة تعترف بأنها قاتلة.. وهى تقول ذلك من أجل أن تتخلص من عذابها.. وليس بعيدا أن قلة خبرة وإنعدام كفاءة بعض الضباط تجعلهم يلجأون الى تعذيب المتهمين حتى يحصلوا على ما يريدون ليغلقوا بذلك الملفات التى بين أيديهم .. يختارون الطريق السهل.. فبدلا من البحث والتحرى يتم اجبار المتهم على الاعتراف الذى هو سيد الأدلة.. ينتهى بذلك دور الضابط ليبدأ فى محاولة اصطياد ضحية جديدة.. وتبدأ دائرة التعذيب من جديد.
إن وزارة الداخلية تنفى بكل قوة أن يكون هناك أى تعذيب يقع فى أقسامها.. وحقيقة الأمر أننا لم نكن فى حاجة إلى كليبات التعذيب لنتأكد مما يجرى خلف جدران أقسام الشرطة.. فقمع رجال الداخلية للمظاهرات وضرب المواطنين بقسوة فى الشارع يجعلنا نتصور ماذا يمكن أن يحدث إذا دخل المواطن إلى قسم الشرطة ووجد نفسه وحيدا بين أيدى العساكر والمخبرين.. والحكايات التى تأتينا كل يوم ممن يترددون على أقسام الشرطة تؤكد أنه لا كرامة لمواطن - مهما كان شأنه- فى قسم شرطة.. فأنت مهما كنت وأيا كانت قيمتك فإنك لا تستطيع أن تحفظ لنفسك هيبتها وكرامتها إذا حدث أى احتكاك بينك وبين رجال الداخلية.
قد يجد المسئولون فى وزارة الداخلية مبررا فى كل ما يفعله بعض ضباطهم.. فهم بذلك يحافظون على هيبة الوزارة ويؤكدون على قوة قبضتها.. فنحن شعب يخاف ما يختشيش ولذلك لابد أن يساق بالعصا الغليظة.. فهى مؤسسة تحمى نفسها لأنها لو فرطت وارتخت قبضتها.. فإن الرعاع - الذين هم نحن - سيفلت عيارهم ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يسيطر عليهم.. وساعتها سيضيع الشارع المصرى كله.. لكن هذا لا يمكن أن يبرر لضابط أن يغتصب مواطن ويصوره من أجل إذلاله وفضحه وكسر عينه.. وإرهاب زملاءه السائقين وكل ذلك من أجل أن تصبح طلبات رجال الداخلية على مختلف درجاتهم مجابة.. حتى لو كان فى هذه الطلبات شبهة ابتزاز أو أخذ ما ليس لهم بحق.
التعذيب فى الداخلية ليس مجرد أداة.. وإذا كان كذلك فليخرج علينا أحد رجال الداخلية الكبار ليتحدث معنا بشجاعة عن الحالات التى يمكن أن يلجأوا فيها إلى التعذيب.. ثم يكون أكثر شجاعة ويجيب عن السؤال الصعب وهو: هل هناك أى قانون فى الدنيا يمكن أن يبيح تعذيب المواطنين وإهدار آدميتهم.. مهما كان الهدف الذى يتم التعذيب من أجله؟
2- لماذا يصور ضباط الداخلية وقائع التعذيب؟
من السهل أن تجيب عن مثل هذا السؤال وتقول إن من يفعل ذلك مريض نفسى، شخص سادى يستمتع بتعذيب الآخرين ومشاهدة التعذيب بعذ ذلك؟ لكن مع احترامى الشديد لهذا التحليل النفسى.. فإننى أرى بعدا آخر.. فالضابط الذى يفعل ذلك يسيطر عليه إحساس طاغ بالقوة.. يكون على ثقة من أنه لن يتم الإيقاع به.. وإذا حدث فلن تتخلى عنه الوزارة التى ستعمل بكل ما تملك على أن تحافظ على صورتها.. فهى لن تخضع لكل من هب ودب وتحاكم ضباطها لمجرد أنهم اسخدموا العنف فى أداء عملهم.
هذا الإحساس بالقوة يجعل الضابط يقوم بتصوير ضحاياه مع سبق الإصرار والترصد.. يفعل ذلك بهدوء وعلى مهل ومن زوايا مختلفة.. فمشاهد الكليب الذى يحملها على تليفونه المحمول ويشاهدها بين وقت وآخر تؤكد له أنه قوى وأنه يمتلك سلطة لا يمكن لأحد أن ينتزعها منه.. ولابد له من أن ينعم بهذه السلطة ويظهرها.. ثم لا يكتفى بذلك بل يرسل هذه الكليبات الى اصدقائه ومعارفه ليتأكدوا من مدى قوته وسطوته.. وقد تقف لحظة لتسأل: وهل لا يخاف هذا الضابط من أن تصل مثل هذه الكليبات الى جهات قد تسأله وتعاقبه؟ وهنا نصل إلى نقطة مهمة للغاية.. فمن يفعل ذلك يستهين بالآخرين ولا يلتفت إليهم ولا يخاف منهم.. بل إنهم بالنسبة له ليسوا إلا نعاجا تستحق الذبح.. إنه يستطيع أن يأتى بأى مواطن من قفاه ويمسح به البلاط.. فمن أى شيء يخاف؟
إن المدخل النفسى لتفسير كليبات التعذيب التى انتشرت وأصبحت تنافس كليبات العرى والإثارة يمكن أن يسهله القضية لكنه فى الوقت ذاته يعتبر منفذا سيهرب منه ضابط الشرطة المدان بفعلته.. فهو يفعل ذلك لأنه مريض نفسيا.. ومادام مريضا نفسيا فليس على المريض حرج.. لكن يجب أن نواجه الأمر بشجاعة.. فما يحدث فى أقسام الشرطة يتم لأن هناك حالة من إفساد الضباط بالنفخ فيهم وجعلهم يشعرون أنهم قوة لا تقهر.. ولذلك فهم يفعلون كل ما يريدون دون أن يقفوا مع أنفسهم.. وهل ما يفعلونه قانونى أم غير قانونى؟
3- هل تسرب الداخلية كليبات التعذيب لتخويفنا؟
هذا سؤال ليس بعيدا إطلاقا عن تفكير الناس فى الشارع الآن.. بل خرج من حيز السؤال إلى مساحة واسعة من أن هذا ما حدث بالفعل.. فالداخلية هى التى صورت هذه الكليبات عن عمد.. ثم قامت بتسريبها الى المواطنين عن عمد.. لتكون رسالة واضحة: أن كل من يخرج عن النظام فإنه سيعذب بلا رحمة وهذه عينة.. والعينة بينة، ستقول إن الداخلية لا يمكن أن تفعل ذلك لأنها ستخسر سمعتها وستفقد بعضا من رجالها؟ سيحاصرك تفسير مصرى واقعى جدا.. وهو إن الأهداف الكبيرة لابد لها من تضحيات كبيرة.. وإن الداخلية لن تفقد سمعتها بل سيزيد الخوف منها.. وإذا كان على بعض الضباط الذين سيذهبون ضحايا.. فيمكن تعويضهم بأى طريقة بعد ذلك أو لا يتم تعويضهم على الإطلاق.. فقد أخطأوا أو استخدموا كطعم وانتهى دورهم، ثم إنها فرصة لتطهر الداخلية نفسها وتظهر أمام الناس أنها لا تتهاون مع من يخطئ.. يتم ذلك وفى الخلفية تكون الرسالة قد وصلت بأن يد الداخلية باطشة وأن التعامل معها لابد أن يتم بحساب.. وإذا كانت وقائع التعذيب صورت هذه المرة فإن ما سيحدث من تعذيب بعد ذلك سيتم بشكل سرى ولن يطلع عليه أحد.
قد لا تطمئن لمثل هذا التصور.. لكنه التصور الأقرب إلى الناس.. فليس معقولا أن يهزم أحد مهما بلغت قوته الداخلية.. لقد ظل عماد الكبير بطل كليب الاغتصاب مترددا وخائفا من أن يتكلم.. كان يقول إن الصحافة لن تنفعه بشيء وإنه يمكن أن يتعرض لتعذيب أشد ولا يدرى أحد هل هو سعيد الآن بما فعله أم أنه نادم خاصة بعد أن حكم عليه بثلاثة شهور سجن فى قضية مقاومة السلطات.. الشيء نفسه حدث مع صاحبة كليب الضرب بالخرطوم وقد تم التوصل اليها.. فهى موظفة فى الإذاعة والتليفزيون ويقال إن رئيسها فى العمل هو الذى أوصى ضابط الشرطة بضربها حتى يكسر عينها.. لكنها رفضت الكلام نهائيا وأبدت خوفها من مصيرها الذى يمكن أن تلاقيه بعد ذلك.
إننى أقدر المهنة التى أنتمى إليها.. لكننى لا أقدسها لأننى أعرف أنها فى نهاية المشوار ستكون عاجزة ومكتوفة الأيدى.. وإذا كان اهتمامنا بعماد الكبير قد بلغ قمته فبعد أيام سنبحث عن قضية أخرى حتى لا يمل منا القارئ ونترك عماد وحده يلاقى مصيره ويقضى شهور السجن دون أن نعرف ماذا يمكن أن يلاقيه داخله.. فقد هز بكلامه الداخلية كلها.. وها هو الان بين يديها دون ان يملك من أمره أى شيء.. ستقول لى إن عماد الان لا يستطيع أحد أن يقترب منه.. فهو تحت عينى.. سأقول لك وهل تضمن ما يمكن أن يحدث له عندما تغمض هذه العين.. كان يمكن لنا أن نطمئن لو كان القانون هو الذى يحكم.. لكننا فى بلد القانون فيه على مقاس من يحكمون ويتحكمون فينا.
قبل أن أغلق الدوران حول هذا السؤال.. قفزت أمامى معلومة تؤكد أن تسريب هذه الكليبات يتم نتيجة صراع ضخم وطاحن بين أجنحة مختلفة فى وزارة الداخلية.. لقد استقبل حرس وزير الداخلية عماد الكبير عندما ذهب الى بيته ليشكو له ما جرى من ضابط قسم بولاق.. استمعوا له شاهدوا الكليب.. ثم جلسوا معه ليدلوه على الطريق الذى يجب أن يسلكه ليحصل فى نهايته على حقه.. تصرف عماد كما قالوا له.. لكنه اصطدم بقوى أخرى فى الداخلية تحول بينه وبين الوصول إلى هدفه.. لكن حتى لو كان هذا صحيحا فإنه يفيدنا فى شيء.. فأجنحة الداخلية تتصارع وإذا انتصر أحدها على الآخر.. فلن نستفيد شيئا.. فالأفيال عندما تدخل المعركة لا يموت سوى العشب الملتصق بالأرض، ونحن فى نظر الداخلية لسنا أكثر من عشب - مدفون فى الأرض..!
4- متى ستنتقم الداخلية؟
هذا هو السؤال المهم.. لقد سقطت هيبة وزارة الداخلية بكاميرا محمول.. وفى لحظة أصبحت الوزارة القوية تلف حول نفسها.. لا تعرف كيف تتصرف.. قدمت المتورطين لكل أنواع التحقيق حتى تغسل يديها مما حدث.. لكن ذلك لا يعنى أن الوزارة ستتعامل مع الأمر وكأن شيئا لم يكن.. إنها تعمل من أجل مستقبلها.. وإذا صمتت فإن الجميع سيتجرأ عليها.. لن تصبح وزارة ذات سيادة.. بل ستصبح متاحة ومباحة فى يد الجميع.. ليست هناك حتى الآن تصورات محددة لما يمكن أن تفعله الداخلية.. لكن الفكرة المسيطرة هى أنه لا يمكن أن تواصل الوزارة كسر رجالها أمام الرأى العام.. لأن ذلك معناه ألا يستطيع ضباط الشرطة.. أن يقوموا بعملهم فى الشارع .. وهو عمل يستدعى - هذا من وجهة نظرهم بالطبع- عنفا وتحرشا بالمواطنين.
لقد بدأت خطة الوزارة بالفعل.. والضربة الأولى كانت لوائل عباس صاحب جريدة الوعى المصرى الالكترونية، وائل صاحب ضربات وانفرادات بالصور فى كليبات التعذيب.. بل قد يكون هو البطل الخفى فيها.. وائل أشار فى صفحة جريدته الأولى يوم الخميس الماضى ان هناك من يشيع عنه أنه شاذ جنسيا.. من أجل الضغط عليه وحصاره حتى يتراجع، هل فعلت الداخلية ذلك؟ ولما لا؟ قد تكون فعلته.. وقد يكون وائل مبالغا بعض الشيء.. لكنه يضع أيدينا على الرصاصة الأولى فى حرب الداخلية الدفاعية عن نفسها.. فهى لن تظل صامتة.. قد تكون هذه ضربة سريعة وعشوائية.. مجرد اتهام لم يرهب أحدا.. لكن أغلب الظن أن المدفعية الثقيلة آتية وهو أمر إذا أقدمت عليه وزارة الداخلية فإنها لن تكسب من ذلك شيئا.. بل ستكون مثل الثور الهائج الذى لا يعرف سوى الانتقام من كتاب وصحفيين قادوا الحملة ضد التعذيب.. لكنهم لم يتحدثوا بعد عما جرى معهم.
إن ما حدث من تصوير لوقائع التعذيب وتسريبها كان نتيجة طبيعية لحالة التطور الهائلة التى يعيشها العالم كله.. فكاميرا المحمول هى التى فضحت ما حدث فى سجن أبوغريب.. وهى التى سجلت وقائع إعدام صدام حسين وماتعرض له من إهانات بعد أن سقط.. وهى التى تتبعت بدقة تفاصيل جريمة التحرش بالبنات فى منطقة وسط البلد.. وهى التى جعلت الداخلية تقف هذا الموقف المخجل والمهين.. خرجت هذه الكاميرا من قمقمها ولن ترجع اليه مرة أخرى.. وإذا اعتقد ضباط الداخلية أنهم يمكن أن يحتاطوا ويحذروا فيما سيقدمون عليه فإنهم سيكونون واهمين.. لأن الناس عرفت كيف تتحدث.. ولن يستطيع أحد أن يسكتها بعد ذلك وإذا كانت الداخلية هى التى سربت وقائع التعذيب لترهبنا.. فقد أخطأت التصويب.. لأن الرصاصة أرتدت إلى صدرها.. دون أن يبكى عليها أحد

 

قصة تعذيب شاهدتها ولا أدري ما العمل؟

اضطررت إلى دخول قسم العامرية في الإسكندرية منذ أكثر من عام نظراً لضياع أو سرقة بعض الأغراض الخاصة بي، وكان يجب أن أكتب محضراً في قسم الشرطة حول هذا الأمر وهناك شاهدت مثالاً فاحشاً على التعذيب المنهجي في أقسام الشرطة.. فقد شاهدت طابوراً من المساجين الذين تم الإفراج عنهم ويخضعون للمراقبة اليومية ويجب عليهم المرور كل يوم على القسم للحصول على توقيع على دفتر لديهم (هكذا بدى لي الأمر).. ضم الطابور عدداً كبيراً من الأفراد (حوالي عشرين شخصاً) ظلوا ينتظرون بضعة ساعات حتى يتفضل الضابط المسؤول ويتكرم ويهز طوله ليقوم بالتوقيع على الدفاتر الخاصة بهم.. مع أن هذا الضابط كان موجوداً منذ الصباح الباكر وظل يستهلك الوقت عن عمد في شرب الشاي وتدخين السيجارة ومسامرة زملائه دون أي اهتمام بتوسلات هؤلاء الأفراد ورغبتهم في إنهاء التوقيع بسرعة.. نظراً لارتباط بعضهم بأعمال التحقوا بها بعد خروجهم من السجن ورغبتهم في كسب الرزق الغريب أنه كلما تحدث أي منهم أو تجرأ وأظهر أي علامة من علامات التذمر والسخط سرعان ما كان يسعفه بعض العساكر الذين كانوا يرتدون الملابس المدنية بالصفح على الوجه أو القفا مع سلسلة لا تنقطع من الشتائم والإهانات ترتبط بالأعضاء التناسلية للأمهات.. والسلوكيات الشاذة للرجال.. ناهيك عن أنواع الحيوانات وبالتحديد أنثى الأسد شاهدت أنا وزوجتي هذا الموقف من هذا الضابط والعساكر وكان يحيط بهم ضباط آخرون لا يكترثون بما يجري حولهم.. وكنت أود محادثتهم ونصحهم بأن يكفوا عن هذا السلوك لأنه سلوك غير إنساني وغير أخلاقي.. ولكن زوجتى ذكرتني بأن لنا مصالح في هذا القسم الذي نأمل أن ينجح في استعادته متعلقاتنا على خير .. آثرت السلامة وأظهرت عدم الاكتراث بما يجري من حولي، وكأن ما يجري يعتبر أمراً معتاداً .. وعادي جداً أن يضرب الإنسان على قفاه في قسم الشرطة أو أن يشتم بألفاظ نابية الآن بعد ما شاهدت أفلام التعذيب المعروضة على الإنترنت .. أود أن أعترف على هذا الفساد والتعذيب ولكن كيف يمكنني ذلك وأنا أتخوف من جهاز الشرطة نفسه الذي يمكن أن يتسبب في إيذائي بسبب تهوري والقيام بالتبليغ عن هذا التعذيب والفساد؟؟؟؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل

خيارات عرض التعليق

اختر الطريقة التي تفضلها لعرض التعليقات، ثم اضغط على "احفظ الإعدادات" لتفعل التغيرات.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.