ألقت الأحداث الأخيرة التي شهدتها جامعة الأزهر وما تلاها من توقيف لنحو ١٤٠ طالباً أزهرياً، بالأضواء مجدداً علي سؤال شغل الحقل الأكاديمي والسياسي في مصر، لما يزيد علي الثلاثة عقود منذ سماح الرئيس أنور السادات للمرشد العام للإخوان المسلمين حينئذ السيد عمر التلمساني بالدخول إلي ساحة العمل العام في مصر،
وأصبح السؤال المطروح لماذا لا تقبل السلطة بحزب سياسي مدني للإخوان المسلمين، بدلاً من الوضع الغامض حالياً والذي يقبل بجماعة لديها ٨٨ مقعداً في البرلمان ويصفها بـ«الجماعة المحظورة»، وما مدي قدرة جماعة الإخوان المسلمين علي التحول إلي تنظيم سياسي وحزبي، يقبل بشكل قاطع بقواعد الديمقراطية والتعددية الحزبية وبحق جميع القوي السياسية بما فيها العلمانية والشيوعية في إقامة أحزابها المستقلة؟
وحاول الإجابة عن تلك الإشكالية الدكتور عمرو الشوبكي، الكاتب والخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، بدراسته الأخيرة حول مستقبل جماعة الإخوان المسلمين، وصدرت ضمن سلسلة كراسات استراتيجية عن مركز الأهرام «مايو ٢٠٠٦».
وبعد مقدمة تاريخية عن النشاط السياسي والعسكري للجماعة يشير الشوبكي إلي أن بدايات التحول ظهرت باكتساب «الإخوان الجدد» خبرة جديدة من نشاطهم في النقابات المهنية وفي البرلمان طوال عقد الثمانينيات، ساعدتهم علي إجراء قدر من التطور والانفتاح الديمقراطي الذي شهده أحد أبرز فصائل الإسلام السياسي علي امتداد الوطن العربي.
ويمكن اعتبار مرحلة الثمانينيات هي المرحلة الأكثر نضجاً في مسار تطور جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث اقتحم «إخوان السياسة» منذ بداية الثمانينيات الحقل النقابي والبرلماني من أوسع أبوابه، حيث خاضوا انتخابات ١٩٨٤، ١٩٨٧ التشريعية وحققوا نتائج طيبة، كما نجحوا ديمقراطياً في السيطرة علي أكثر من نقابة مهنية في مصر طوال عقد الثمانينيات، واكتسب الكادر الإخواني - أو اضطر أن يكتسب - طوال تلك المرحلة مهارات جديدة عقب تحالفه السياسي والعلني لأول مرة مع أحزاب سياسية أخري وفق قانون «العمل الجبهوي»،
فانتخب الشعب في انتخابات ١٩٨٤ سبعة نواب من الإخوان، وفي انتخابات ١٩٨٧ عبر حوالي ٣٦ نائبًا إخوانيا من أصل ٦٠ نائبًا للتحالف الإسلامي للبرلمان المصري، وفي انتخابات ٢٠٠٠ بلغ عدد نواب الإخوان ١٧ نائبًا، ثم قفز عددهم إلي ٨٨ نائبًا في انتخابات ٢٠٠٥. واكتسب الإخوان منذ ذلك التاريخ خبرة جديدة انعكست بشكل مباشر علي خطابهم السياسي ومقولاتهم الدعائية وأصبحنا بالفعل أمام صيغة إخوانية ثالثة تختلف عن إخوان العهد الملكي وإخوان العهد الناصري والساداتي علي السواء.
وأشار الباحث إلي أنه بعد ما يزيد علي ١٨ عامًا من ابتكار الإخوان المسلمين لشعار «الإسلام هو الحل» في انتخابات عام ١٩٨٧، تصور الكثيرون أن شعاراتهم المدنية المتصاعدة منذ انتخابات ٢٠٠٠ حسمت توجهاتهم الفكرية كتيار سياسي مدني لا كحركة دينية ذات بُعد سياسي، عاد الإخوان وتبنوا شعارهم العام والفضفاض «الإسلام هو الحل» في الانتخابات التشريعية الأخيرة، واعتبروه يمثل تراجعًا كبيرًا عما طرحه الإخوان من قبل.
وتبدو المشكلة الأساسية في طرح هذا الشعار ليست فقط- أو أساسًا- في كونه شعارًا دينيًا كما ذكرت الحكومة، لأن مرشحيها ومسؤوليها ببساطة كانوا من أكثر من رفع شعارات دينية في الانتخابات الأخيرة وبصورة فاقت في بعض الأحيان مرشحي الإخوان. ولكن المعضلة الحقيقية في شعار «الإسلام هو الحل» أنه شعار مراوغ، فهو يحيل الناخب إلي قيمة كلية «عامة وفضفاضة» ثبت الواقع العملي أنها لن تحل مشكلات الواقع المعاش بمعزل عن برنامج سياسي محدد.
ورغم أن الجماعة انفتحت في الفترة الأخيرة حول قضايا الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وحقوق المرأة والأقليات، إلا أن من الصعب القول أنها تحولت نحو الفصل بين الحيز السياسي والديني بل استمرت في الاحتفاظ بهما معًا، في إطار لغة عامة عادة ما تتميز بالبعد عن الدخول في التفاصيل كما حدث في الانتخابات الأخيرة مع شعار «الإسلام هو الحل».
إن تجاوز الإخوان لهذا الخلط بين المجال الديني والسياسي لا يعني بالضرورة غياب أي ارتباط فكري وسياسي للإخوان بالإسلام وتمسكهم بما يسمونه «بالمرجعية الإسلامية»، بقدر ما يعني قبولهم بأن هذا الخيار هو اختيار سياسي يمثل فهم الإخوان للدين وليس هو الدين نفسه، وبالتالي أو بالنتيجة فإن من الوارد الاختلاف عليه ورفضه، والاحتكام لتصويت المواطنين في الحكم عليه، بل وقبول مشاريع أخري تكون علي النقيض منه في حال إذا اختارها المواطنون.
وفي رؤيته للمستقبل، يضع الشوبكي عدة سيناريوهات ويقول: «إنه في ظل حالة الجمود السياسي التي تعيشها مصر، وغياب الطبقة السياسية بل وربما السياسة نفسها، وعجز النظام عن دمج أجيال جديدة- وليس أفراد منتقين- من كل الاتجاهات السياسية سواء كانوا ليبراليين أو إسلاميين أو يساريين، سيصبح من الصعب دمج الإخوان المسلمين داخل اللعبة السياسية المجمدة، فاستمرار التعامل مع الإخوان باعتبارهم جماعة محظورة قانونًا يعطل من فرص تطور الجماعة وانفتاحها نحو مزيد من الديمقراطية
، وسيعني أيضًا استمرار حالة الجمود الحالية واستبعاد دور السياسة والكادر السياسي من العمل العام، لصالح آليات بيروقراطية يتم علي أساسها فرز النخبة القيادية من الإداريين والموظفين الكبار دون أن يحملوا معهم حدًا أدني من الخبرة والتكوين السياسي». وحددت الدراسة مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في إطار أربعة سيناريوهات.
السيناريو الأول: استمرار الوضع القائم
أي بقاء الجماعة كما هي كجماعة دينية وسياسية، تجند أعضاءها علي أسس دينية، وتعلمهم بعض الأفكار السياسية، وتبقي غير مرخص لها بالعمل القانوني والشرعي. ومن المتوقع استمرار هذا السيناريو في ظل حكم الرئيس مبارك، بحيث من المستحيل أن تتغير طريقة تعامل النظام القائم مع الجماعة في اتجاه دمجها كحزب سياسي مدني يلتزم بالدستور المدني والنظام الجمهوري وبحقوق المواطنة، وستبقي الجماعة خارج إطار الشرعية القانونية، بحجة عدم دستورية تأسيس حزب علي أساس ديني، وهو الأمر الذي رفضه الإخوان وأعلنوا أكثر من مرة أنهم لن يؤسسوا حزبًا دينيا إنما جماعة سياسية ومدنية.
وسيبقي المدخل الأمني المدعوم بحملات التشويه والسب والقذف هو سلاح السلطة وحلفائها في وجه الإخوان، وستبقي لغة العموميات وخطاب المحنة والبلاء وصورة «الإخواني المظلوم» ضحية النظم الاستبدادية هو سلاح الإخوان في مواجهة أسلحة السلطة، والذي يلعب دورًا كبيرًا في تجنيد عضوية كبيرة في صفوف الجماعة، التي لديها قدرات كبيرة علي الحشد والتعبئة لصالح الدنيا والدين معًا، وبصورة تفوق بكثير حزب الدولة الحاكم: الوطني الديمقراطي، وباقي أحزاب المعارضة مجتمعة.
وأدي هذا الوضع إلي استمرار التعامل غير السياسي مع «الجماعة المحظورة»، والمساهمة في تكريس جو غير صحي داخل الحياة السياسية المصرية، نزع منه الجدل السياسي، ودفع الإخوان إلي الاستمرار في طرح رؤي عامة بعضها غير قابل للتنفيذ، والبعض الآخر يطرح لمداعبة مشاعر الرأي العام لا لتطبيقه في الواقع.
السيناريو الثاني: الفوضي غير الخلاقة
أي أن تتجه الأوضاع في مصر نحو مزيد من التدهور، بصورة تؤدي إلي انتشار حالة من الفوضي خاصة مع تصاعد الاحتجاجات العشوائية التي لا تقودها تيارات سياسية، وانهيار أداء الدولة ومرافقها العامة بصورة غير خلاقة «يمكن هنا العودة لمقال د. الشوبكي في «المصري اليوم» تحت عنوان هل تتحلل الدولة قبل إصلاحها؟».
وفي هذا الإطار طرح سيناريو يتعلق بإمكانية استغلال بعض القوي السياسية وعلي رأسها الإخوان المسلمين لحالة «الفوضي المتصورة»، أو أن تساهم في خلقها، من أجل انقضاضهم علي السلطة.
والمؤكد أنه في حال وصول الإخوان المسلمين إلي السلطة بغير الطريق الديمقراطي وبأوضاعهم الحالية، سيكون تأثير ذلك سلبيًا علي عملية الإصلاح الديمقراطي والسياسي، بل سيؤثر سلبيا علي تطور الإخوان المسلمين أنفسهم.
إن تحول الإخوان إلي تيار سياسي يخطئ ويصيب، يحتاج إلي وجود نظام سياسي ديمقراطي وقوي سياسية أخري تحاسبهم وتتنافس معهم علي اكتساب ثقة الناس، وهو الوضع الذي لابد أن يؤدي إلي الفصل بين الجماعة الدعوية الدينية التي تدعو إلي مكارم الأخلاق وبناء الفرد المسلم، عن الحزب والتنظيم السياسي.
وفي حال وصولهم بطريق غير ديمقراطي إلي السلطة هناك خطر أن يضفوا علي حكمهم «عصمة» وقدسية دينية باعتبارهم يحكمون بما أنزل اللّه، وفي ظل غياب أسس النظام الديمقراطي وعدم وجود مؤسسات ديمقراطية قوية أي برلمان يحاسب ومجالس محلية حرة وأجهزة رقابية وقضائية مستقلة، تصبح هناك مخاطر حقيقية تهدد البلاد.
ويستبعد الباحث هذا السيناريو لسببين أولهما أن الإخوان المسلمين يرغبون في أن يظلوا «أسطورة» ملهمة للأجيال القادمة لم تجرب بعد وأملاً في الخلاص مما تعانيه الأمة، خاصة أنه في ظل تعقيدات الواقع المحلي، والضغوط الأمريكية، والاستحقاقات الدولية وكامب ديفيد، لا يرغب الإخوان حاليا في الوصول إلي السلطة عنوة ليقضوا بأيديهم علي حلمهم المثالي، كما أنه في حالة «الفوضي غير الخلاقة» هناك جهات سيادية من خارج النخبة المدنية الحاكمة والمعارضة، والإخوان المسلمين قادرة علي حسم الأمور.
السيناريو الثالث: تطعيم الوضع القائم «بالفكر الجديد»
بمعني إجراء دمج قانوني- جزئي أو كلي- لبعض تيارات الإسلام السياسي السلمية، ولكن في ظل استمرار الجانب الأكبر من القيود المفروضة علي العملية السياسية وفي ظل نفس القواعد «بعد تحسينها» التي وضعها الحزب الوطني وفي ظل استمرار حكمه.
هذا السيناريو سيعكس في الحقيقة تحولاً شبيهًا بالتحول الذي صاحب تعديل المادة ٧٦، والتي بمقتضاها انتقل الناخب المصري من اختيار الرئيس بالاستفتاء إلي مرحلة الانتخابات التعددية، إلا أن القيود التي فرضت علي تعديلات هذه المادة فرغتها تقريبًا من مضمونها حتي تضمن استمرار الأوضاع القائمة بشروط محسنة في الشكل لا الجوهر.
وفي حال استمرار حكم الحزب الوطني فإنه من الوارد في مرحلة قريبة أن يقبل الحكم بالشرعية القانونية لحزب الوسط «الذي يمثل انشقاقًا علي الإخوان المسلمين» المعطلة منذ عام ١٩٩٦، وهذا سيعني أن ملف حركات الإسلام السياسي قد تم فتحه، وإذا تفاءلنا أكثر فربما توافق حكومة «الفكر الجديد» علي مجموعة من الأحزاب السياسية الإسلامية، بغرض سحب بعض عناصر الإخوان إليها، حتي يتم إضعاف الجماعة الأكبر سياسيا وتنظيميا، وفي هذه الحالة يمكن مع مزيد من التفاؤل أن تقبل تلك الحكومة بحزب سياسي لبقايا الإخوان أو بشرعية الوجود القانوني لجماعة دينية أو دعوية تضم عناصر الإخوان المسلمين، وليس حزبًا سياسيًا يعبر عن إمكاناتها وقدراتها الحالية.
إن بناء الإخوان وتنظيمهم السياسي، لن يستطيع النظام بأوضاعه الحالية أو المحسنة، وبفكره القديم أو الجديد، أن يدمجه لأنه يتطلب وجود حزب حقيقي ذي رؤية فكرية واضحة وكوادر سياسية فعالة حتي يمكنها مواجهة الكادر الإخواني النشط سياسيا والممتد تأثيره بين الطلاب ووسط النقابات وداخل قبة البرلمان.
إن مسألة دمج تيارات الإسلام السياسي السلمي في عملية التطور الديمقراطي ليست بالخيار السهل، لكن لا بديل عنها لإجراء إصلاحات ديمقراطية حقيقية، تساعد في فرز نخبة مدنية جديدة قادرة علي منافسة الإسلاميين في الانتخابات التشريعية وفي النقابات، دون أن تحتاج إلي مساعدة الأجهزة الإدارية والأمنية لإنجاح عناصر لا تتمتع بشرعية شعبية وسياسية.
السيناريو الرابع: الدمج الكامل للإخوان المسلمين في عملية الإصلاح الديمقراطي
أي ظهور تيار «إسلامي ديمقراطي» يؤمن بالتعددية الحزبية وبحقوق الإنسان وبعدم التمييز بين المواطنين علي أساس الدين أو العرق، كما يؤمن بمبادئ النظام الجمهوري، وبمدنية الدولة والدستور والنظم القانونية. والحقيقة أنه لنجاح تلك التجربة لابد من توافر مجموعة من الشروط أولها يتعلق بطبيعة النظام القائم، فلابد من إجراء إصلاحات سياسية حقيقية تتجاوز قدرة الحكومة الحالية، حتي يمكن الحديث عن فرص حقيقية لإجراء إصلاح سياسي شامل ومتدرج «بل حقيقي وجاد» داخل النظام السياسي المصري،
ولابد من الحديث عن دور لنخبة جديدة من داخل الدولة، قادرة علي أن تبدأ عملية الإصلاح في مرحلة ما بعد الرئيس مبارك وخارج حسابات تيار «الفكر الجديد» الذي أثبت عدم قدرته علي تقديم إصلاحات حقيقية من داخل النظام ولنجاح هذا السيناريو «أي الإصلاح من داخل النظام» لابد أن تتواصل القوي الإصلاحية داخل الدولة مع بعض التيارات الشعبية الإصلاحية من مختلف الجماعات السياسية، ليعملا علي الاستفادة من حالة الاستقرار الموجودة داخل مؤسسات الدولة- لا هدمها عن طريق «الفوضي غير الخلاقة»، والانفتاح علي بعض التيارات الشعبية التي لا ترغب فقط في تغيير ما هو قائم إنما لديها قدرات علي بناء الجديد، ويظل هذا هو السيناريو المثالي أي الانتقال الهادئ من نظام تسلطي إلي نظام ديمقراطي.
وفي ظل سيناريو «الإصلاح الحقيقي» ستبقي هناك بعض المحاذير متعلقة بدمج الجماعة في العملية السياسية، ومشكلة الدمج بين الديني والدعوي من ناحية، والسياسي والحزبي من ناحية أخري، فالجماعة مازالت حتي هذه اللحظة تشترط في عضويتها أن يكون العضو مسلمًا وممارسًا للشعائر الدينية، بل ويشكل تعمقه في الأمور الدينية أحد شروط تصعيده داخل الجماعة، التي تصبح بالتالي مغلقة في وجه أي مواطن مصري مسيحي أو علماني، بما يتناقض مع الدستور والقوانين المنظمة للعمل السياسي.
وستصبح مسألة الفصل بين الجماعة الدعوية والحزب السياسي شرطًا لقبول الجماعة كحزب سياسي شرعي، يحترم مدنية النظام السياسي ويعلن بشكل قاطع رفضه للدولة الدينية أو أي أفكار تميزية بحق المواطنين علي أساس الدين.
- 609 reads

علِّق