- No upcoming events available
مساء الأحد الماضي. ليلة قاهرية باردة و مزدحمة وصاخبة بالسيارات والكلاكسات وشتائم السائقين ووجوههم الممرورة في أفضل الأحوال والحانقة الغاضبة في أسوأها، أدخل إلي مستشفي قصر العيني كعادتي اليومية لزيارة أبي الراقد في وحدة الحالات الحرجة. علي باب الوحدة مجموعة من الناس وضباط وعربة إسعاف، تصورت أن مريضا ذا شأن قد دخل لتوه ومع ذلك لم يفسر هذا الترجيح أسباب وجود ضباط. عند اقترابي لمحت وجوها أعرفها جيدا لكنني لا أتذكر هوياتهم. مرت لحظات تردد بيننا فقد كان واضحا أنهم يعرفونني أيضا. عرفت من بينهم أمير سالم المحامي، في الداخل فهمت أن سبب التواجد الأمني هو دخول أيمن نور القسم من أجل إجراء عملية قسطرة في القلب، وعرفت أن أهله وزوجته الواقفة علي الباب ممنوع عليهم الدخول إليه، شعرت بغصة في حلقي.
في أثناء خروجي رغبت في مصافحة جميلة إسماعيل والشد من أزرها، بضعة كلمات من امرأة لا تعرفها في هذا الوقت الحزين.. كيف سيكون أثرها! ترددت ثم أسقطت الفكرة و في طريق الخروج من المستشفي لمت نفسي علي عدم الإقدام عليها. وظل شعور بالخجل من نفسي يصاحبني حتي اليوم التالي الذي عرفت فيه أن نور قد غادر المستشفي من باب خلفي وأيضا لم تره جميلة، واكتملت الصورة عندما عرفت من «المصري اليوم» عدد الخميس ٢١ ديسمبر أن من بين من فشلوا أيضا في اختراق الحواجز الأمنية كي يعبروا إلي أيمن نور، كانت «منظمة العفو الدولية». حاولت ممثلة المنظمة الدخول من أجل إعداد تقرير عن حالة نور الصحية ولم تستطع لعدم حصولها علي إذن مسبق من وزارة العدل.
تكثف شعوري بالخجل، ولكن الخجل هذه المرة لم يكن من نفسي ولكن من نظام بلا قلب وإجراءات أمنية لا تفسح للإنسانية ولو أقل هامش، أعرف أن الروتين والإجراءات الطويلة في بلدي من شأنها أن تعطل المراكب السايرة وفي أحوال أقل أهمية من قصة أيمن نور، ومن الطبيعي في هذه القصة أن تطول الإجراءات وتتعقد أكثر. و لكن لماذا؟ من أجل معاقبة نور علي جرأته وتصديقه ملهاة الديمقراطية التي لعب فيها دوره بإتقان! هل السبب هو استكمال رحلة المهانة له ولأسرته حتي يصبحوا عبرة لمن يعتبر! لماذا يا نور لم تصرح بأنك ستنتخب الرئيس مبارك كما صرح مرشح آخر بجهل يحسد عليه! لماذا قررت أن تلعب «سبارتكوس» محرر العبيد! وهل ظننت أن بإمكانك لعب الدور دون أن ينتهي بك الأمر علي مشنقة مثله! إنها مشنقة السادة ومشنقة العبيد الصامتين معا.
دعني أعترف لك ولجميلة بأنني كنت أتأمل حواراتك ومشاغباتك مع عمرو أديب علي شاشة «أوربت» (قبل الانتخابات الرئاسية وأثنائها) محتفظة لنفسي بهامش من شك، أنك تلعب دوراً مرسوماً لك من قبل آخرين، فنحن المصريين يصاحبنا الشك في كل من يخطو أو يحاول الخطو نحو الكرسي ودوائره من كثرة ومرارة ما لاقينا، فاعذرني لأن بعد كل ما حدث، ولايزال يحدث لك، لابد أن أقر أن الدور الذي لعبت كان من اختيارك. وأنك صدقت حلما هو حق لنا جميعا لكنك الوحيد الذي حاول الخطو نحوه.
وأنت يا جميلة اقبلي اعتذاري علي عجزي، لا أملك إلا خجلي مني ومن بلد بلا قلب واعلمي أنك وأيمن قد كشفتما لنا وللعالم صفحة سوداء من تاريخ هذا الوطن المغتصب. لقد ذبح أيمن بينما ممدوح إسماعيل يرتع في بلاد الفرنجة والمسؤولون عن حريق بني سويف يخططون للمزيد من المعارض والمهرجانات وبائعو القطاع العام يبيعون ويقبضون ونحن المصريين نعيش تحت أكوام القمامة بلا صرف صحي ولا مياه نظيفة أو هواء عادي بلا سموم. لقد ألقي بنور وراء القضبان بينما القتلة والسارقون يتنقلون بحرية وبينما يظل قتلة الأطفال لسنوات ينتهكون ويغتصبون ويلقون بالجثث الصغيرة الهشة فوق قضبان السكك الحديدية والكهوف والأنفاق ولم تكشفهم إلا الصدفة.
اعذريني يا جميلة فلست إلا واحدة من هؤلاء العبيد الذين حدثهم أمل دنقل علي لسان «سبارتكوس»: ولدنا في «مخادع الرقيق»، وليس حتي في إمكاننا أن نرفع من عيوننا نحو «الثائر المشنوق» علي «مشانق القيصر»، نحن العبيد الذين حول أعناقنا العنكبوت لم نعرف إلا الانحناء ولا نملك إلا عجزنا.. هل تقبلين اعتذارنا!!- 458 reads

من يقبل أعتذار
علِّق