- No upcoming events available
هذا وقد لعب مجلس الشعب دورا رائدا في إرساء القواعد القانونية لهذا المسار الجديد سواء بإلغاء القوانين السابق ذكرها أو بإصدار قوانين جديدة أهمها القانون 96 لسنة 92 الذي بدأ تنفيذه في نهايات عام 1997 والذي دشن عصرا جديدا تمثل فيه الأرض الزراعية سلعة حرة متداولة في الأسواق سواء من حيث شرائها وبيعها أو تأجيرها واستئجارها أو استثمارها في أغراض زراعية شتى.. وغير زراعية.
من جانب آخر شكلت الضغوط والإملاءات الغربية والأمريكية بالذات عاملا شديد التأثير في الدفع في هذا الاتجاه خصوصا وأن الشركات عابرة القارات العاملة في مجال إنتاج وتسويق مستلزمات الإنتاج الزراعي (بذور وتقاوي محسنة، أسمدة، مبيدات، آلات زراعية الخ) ترى أن السوق الزراعي المصري سوق مغلقة بالنسبة لمنتجاتها في ظل السياسات القديمة التي كانت مطبقة في الستينات- حيث يمثل الإنتاج الصغير الجانب الغالب في الزراعة المصرية بمعنى أن كل المنتجين الصغار (من فقراء وصغار الفلاحين) وأدوات إنتاجهم البدائية واقتصادهم المتخلف المعتمد على الاكتفاء الذاتي والذي لا يسمح سوى بهامش محدود للتبادل السلعي داخل القرية- ومن ثم يلزم القضاء على هذه السياسات من أجل فتح السوق لتلك الشركات العالمية العملاقة.. وذلك لن يتأتى إلا بسياسات جديدة تفتح الطريق واسعا أمام ظهور ونمو المزارع الكبيرة الواسعة التي لن تتشكل أو تكبر إلا على حساب أراضى فقراء وصغار الفلاحين (ملاكا ومستأجرين) لذلك كان لابد من تحديد هذه الأراضي المستهدفة وكان من الضروري تصنيفها ووضع خطة أو أكثر لكل صنف منها.. وتحديد مدى زمني لعملية التنفيذ.
وتمثلت هذه الأراضي في نوعين:
الأول منها: هي الأرض المملوكة لفلاحين صغار سواء أكانت مشتراة من آخرين أو موروثة من ذويهم، علاوة على الأرض المملكة لمنتفعي الإصلاح الزراعي والتي صادرتها الدولة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بواسطة قوانين الإصلاح الزراعي الثلاثة.
والنوع : هي الأراضي المستأجرة.. أي التي يستأجرها فلاحون فقراء من ملاكها الغائبين المقيمين بعيدا عنها في المدن، أو يستأجرونها من الهيئة العامة للإصلاح الزراعي وهى أراضى فرضت عليها الحراسة أي تم التحفظ عليها لأسباب متنوعة وظلت ملكيتها للإقطاعيين وتكفلت الهيئة العامة للإصلاح الزراعي بإدارتها لحسابهم وذلك بتأجيرها لفقراء الفلاحين.
وكان من الضروري للتخلص من زراع هذه الأرض من الفلاحين (ملاكا ومستأجرين) إحداث تغييرات تشريعية واتخاذ إجراءات سياسية تمهد لذلك فماذا حدث؟
· كان المنطقي البدء بالأسهل.. حيث أن فرض الحراسة على مساحات من أراضى الإقطاعيين في السابق كان حائلا يمنع طرد مستأجريها من الفلاحين.. لذلك صدرت قوانين رفع الحراسة عن الأراضي الزراعية (69 لسنة 74، 141 لسنة 81) تمهيدا لطرد مستأجريها ثم استكملت بصدور قانون العلاقة بين المالك والمستأجر (96 لسنة 92) المعروف بقانون الإيجارات الذي يجعل عقد الإيجار محدد المدة ويلغى القانون القديم الذي يمنع إنهاء العلاقة الإيجازية إلا بامتناع المستأجر عن دفع الإيجار. وهكذا أعادت قوانين رفع الحراسة الأرض لورثة الإقطاعيين ثم تكفل قانون الإيجارات بالتخلص من المستأجرين إما بطردهم أو برفع إيجارها لمستويات فلكية لا تمكن الفلاحين من الاستمرار في زراعتها.
· أما الأراضي المملوكة للفلاحين الصغار: فكان تضييق الخناق على أصحابها يتم برفع الدعم عن مستلزمات الإنتاج الزراعي لجعل الزراعة عبئا عليهم ودفعهم للتفكير في ترك حرفة الزراعة والتخلص من الأرض ببيعها أو بتأجيرها لمن يستطيع أن يتحمل دفع إيجارها.
· وكان للأرض المملّكة للفلاحين أسلوب آخر.. قادته الهيئة العامة للإصلاح الزراعي التي لعبت أخطر الأدوار في إعادة مساحات من هذه الأرض لورثة كبار الإقطاعيين التي صودرت منهم في الخمسينات والستينات من القرن الماضي حيث تعامت عن عمليات التزوير المتنوعة التي قام بها الإقطاعيون وورثتهم، علاوة على اختراع إجراء أسْمتْه عملية المهايأة أي (استبدال الأراضي التي رفعت عنها الحراسة بالأراضي المصادرة بقانون الإصلاح الزراعي دون أن تفصح عن ذلك)، فضلا عن التواطؤ مع الإقطاعيين وورثتهم في اللجان القضائية وأمام المحاكم، والتراخي في عمليات التقاضي وعدم استئناف الأحكام الصادرة لمصلحة الإقطاعيين ضد الهيئة، أو إخفاء المستندات التي تثبت ملكية الفلاحين لها حتى وإن كانوا قد سددوا كامل ثمنها أو حصلوا على بطاقات حيازة كملاك لها من الجمعيات الزراعية الخاصة بالإصلاح الزراعي، أو تغييب الفلاحين واستبعادهم من الدخول طرفا في القضايا المرفوعة من ورثة الإقطاعيين ضد الهيئة، أو الامتناع عن الدخول طرفا في القضايا المرفوعة من ورثة الإقطاعيين ضد الفلاحين، أو غض البصر عن تنفيذ الحكم لصالح الإقطاعيين أكثر من مرة وعلى أكثر من مساحة أو أكثر نوع من الأراضي، أو السماح بتنفيذ قرارات الإفراج (عن أراضى الحراسة) على الأراضي المملكة للفلاحين وهكذا.. وعليه فإن التخلص من زُرّّاع كل هذه الأراضي ملاكا ومستأجرين يمهد الأرض تماما للزراعة الواسعة التي تستقبل دون صعوبات تذكر مستلزمات الإنتاج الزراعي التي تنتجها وتسوقها الشركات الدولية العملاقة.. بما يحقق المصلحة المشتركة لكليهما.. (سيطرة الشركات على سوق مستلزمات الإنتاج الزراعي وإطلاق يد كبار الزراع في الأرض الزراعية). بما لكل من هاتين المصلحتين من امتدادات تالية سيأتي الحديث عنها لاحقا.
ولا تقتصر أهداف الشركات العملاقة لإنتاج وتسويق مستلزمات الإنتاج الزراعي على البلدان المتخلفة.. بل تتعداها إلى الريف الأوربي ذاته لكن في مجال آخر هو إنتاج وتسويق الحاصلات الزراعية، فشكوى الفلاحين الصغار في أوربا بلغت عنان السماء من هذه الشركات.. التي لم تكتف بحصارهم بل تجاوزت ذلك بفتح الأسواق الأوروبية أمام المنتجات الزراعية الواردة من المزارع الواسعة لكبار الزراع في البلدان المتخلفة (ومنها بلاد جنوب المتوسط) وبأسعار تضرب منتجات الريف الأوربي في مقتل، ليس هذا فقط بل وتعمدت أن تقطع الطريق على أي محاولات للتضامن بين الفلاحين الصغار في كل من أوربا والبلدان المتخلفة - الذين يعانون معا من ويلات تلك الشركات - بأن توحي للأوربيين منهم بأن تلك المنتجات الزراعية المنافسة هي منتجات أمثالهم من صغار فلاحى البلدان المتخلفة .. على عكس الحقيقة.
لقد أدركنا ذلك في المنتدى الفلاحي لشعوب البحر المتوسط عام 2005 بأسبانيا، ولذلك أوضحنا لممثلي عدد من المنظمات الفلاحية في مؤتمر سردينيا بإيطاليا في يونيو 2006 أن مواجهة العولمة المتوحشة لن تتحقق سوى بمواجهة هذه الشركات بتضامن حقيقي بين فقراء وصغار الفلاحين في الريف الأوربي والبلدان المتخلفة وذلك باتخاذ خطوات عملية حاسمة.
هذا وقد اعتمد ورثة كبار ملاك الأرض السابقين في استرداد أراضى الإصلاح الزراعي (حراسة واستيلاء) على انحياز مجمل السياسات العامة والزراعية وكذا القاعدة القانونية والقرارات والإجراءات التنفيذية إلى جانبهم، فاستخدموا الهيئة العامة للإصلاح الزراعي ولجانها القضائية ومحاكم القضاء الإداري ومحاكم القيم والقضاء المدني علاوة على تواطؤ الشرطة ودعمها واستخدام البلطجة.
وبطبيعة الحال كان رد فعل منتفعي الإصلاح الزراعي متفاوتا استنادا إلى مستوى الوعي الذي يتمتعون به، وإن لم يتجاوز في أغلب الأحوال المواجهة القانونية.. إلا في حالات قليلة وأثناء تنفيذ أحكام الطرد حيث كانت المواجهات متسمة بطابع العنف.
لذلك فمن الطبيعي أن تتطلب مواجهة الفلاحين لإجراءات طردهم من أراضيهم نفس الجوانب الثلاثة..السياسية، والقانونية، والإجرائية التي استخدمت في سياق خلعهم من هذه الأراضي.
· فالمواجهة السياسية تحتاج تصورا سياسيا معاكسا يتضمن تناولا لأوضاع أراضى الإصلاح الزراعي في الأساس ويتطرق إلى الطريقة التي حصل بها المنتفعون بهذه الأرض عليها وإلى الأشكال التنظيمية والنقابية التي ضمتهم، فضلا عن صلتهم كمنتجين بالدولة وبوسائل الحصول على مستلزمات الإنتاج الزراعي، وبأسلوب تصريف المنتج الزراعي وعائده.. في علاقتها بقدرتهم على الدفاع عن الأرض وحمايتها.
· كما أن المواجهة القانونية تستلزم معرفة سياسية وقانونية تفصيلية بوضع الأرض والمنتفعين بها وبجملة الإجراءات التي اتخذت بالمقابل في مواجهتهم.. وألا تقتصر تلك المعرفة على مواقع محدودة بل يجب أن تتسع دائرتها لتضم كل ما يمكن الوصول إليه من معلومات ومواقع.
ذلك أن انحصار تلك المواجهة في حالات أو مساحات محدودة أو مواقع قليلة يضعفها على المستوى المهني والسياسي ويقصرها على أن تظل رد فعل لجملة الإجراءات المتخذة من ورثة كبار الملاك والدولة.
ومن المهم أن نوضح أن الأمر يختلف بين مواجهات قانونية مهنية صرفة متناثرة أو مبعثرة هنا وهناك - مهما كان إخلاصها ودأبها -وبين مواجهات قانونية سياسية موحدة وشاملة تستهدف جذور القضية وتسعى مثلا لحصر الأمور في مواجهة بين حق الملكية وبين حق الحياة.
وكل هذا يتطلب جهدا عمليا بحثيا ودراسيا دءوبا لا يكل.
· أما المواجهات الإجرائية أو التنفيذية.. فستدفعنا دفعا لاختيار الأسلوب الأمثل على ضوء إدراكنا لأبعاد المواجهات السياسية والقانونية وما أسفرت عنه من نتائج، لكنها على أية حال ستضعنا شئنا أم أبينا أمام أشكال الدفاع النقابي والتنظيمي المتعددة وما تحتاجه من إضافات أو تعديلات لسد ثغراتها.
إن النضال القانوني نضال شديد الأهمية خصوصا وأن الدولة وورثة كبار الملاك السابقين يبدؤون به أولى خطواتهم لاستعادة أراضى الإصلاح الزراعي من المنتفعين، لكن الأكثر أهمية منه هو إدراك أنه بمفرده لن يحفظ الأرض لزارعيها، فضلا عن أن الاستغراق فيه يضفي ظلالا من الأوهام على عقول من يتبنون هذا الفهم في قدرته على حماية الفلاحين وإبقائهم في أراضيهم.
لذلك وجب علينا بادئ ذي بدء أن ننتبه لذلك ونوضح للفلاحين أن القوانين التي تنفذها المحاكم الآن تختلف عن القوانين التي أعطتهم الأرض وأن الأوضاع السياسية اختلفت عما كانت من نصف قرن.
نأتي بعد ذلك إلى بعض الدعاوى التي تنادى بضرورة النضال في مختلف جوانب المسألة الفلاحية والزراعية.. وذلك لأن الزراعة المصرية سائرة في طريق مظلم ومن الخطأ الاقتصار على نضالات أراضى الإصلاح الزراعي.
وحقيقة الأمر أن استهداف أوضاع الزراعة المصرية والفلاحين لا خلاف عليه، لكن كيف يتم ذلك؟
إن نظرة سريعة على أوضاع الريف تؤكد أن الركود السياسي الذي يعانى منه المجتمع المصري لم يستبعد الريف.. بل إنه أشد تفاقما فيه، ومن الطبيعي في ظل وضع كهذا أن تكون هناك قضية متفجرة لقطاع من قطاعات الريف تشكل أهمية شديدة وتجذب من مَسَّهم ضررُها للنضال، ولن نجد أفضل من فلاحى وأرض الإصلاح الزراعي لهذه المهمة، كذلك فإن الدعاية حول قضايا الإصلاح الزراعي ستمس وستطول قضايا أخرى عديدة تتعلق بالزراعة ككل كالإيجارات الزراعية ومستلزمات الإنتاج الزراعي ووضع الملاك الصغار في أراضى الائتمان.. الخ هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فإن فلاحى الإصلاح الزراعي لا يعيشون في مستعمرات منفصلة عن بقية الفلاحين علاوة على أن أبناءهم من القاطنين للريف ومن صغار الموظفين والمهنيين..الخ
وعليه فإن دعاوى النضال في كل قضايا الزراعة المصرية سيكون مدخلها هو النضال في أراضى الإصلاح الزراعي ومع منتفعيه،إلا إذا تفجرت قضية أخرى تمسهم أكثر من غيرهم وتستدعى التعامل الفوري معها.
أما إذا كانت تلك الدعاوى لا يلتزم رافعوها سوى بالحديث عنها فقط دون الانخراط في أي نضال كان.. سواء خص أراضى الائتمان أو أراضى الإصلاح أو بقية قضايا الزراعة المصرية، ولا تستخدم سوى للتمايز ولإلقائها في المنتديات والاحتفاليات.. فهذا أمر لا يجب أن نعطيه آذاننا بالمرة، وذلك لأن التهوين المستمر من أهمية الصراع والمواجهة الدائرة بين منتفعي الإصلاح الزراعي ومغتصبي أراضيهم والإصرار على استبدال ذلك بالحديث عن التوجه لكثير من قضايا الزراعة المصرية دون وجود تصور سياسي لهذه المسألة ولو في حده الأدنى.. لن يسفر إلا عن إضعاف المواجهة الراهنة في قضايا الإصلاح الزراعي، وفي نفس الوقت سيزيد التخبط فيما يتعلق ببقية جوانب المسألة الزراعية.
ويهمني في هذا الموضوع أن أؤكد أن التصدي لقضايا الزراعة المصرية ككل يتطلب:
· إيجاد تصور واضح شامل لقضايا الزراعة المصرية، لن يتم التوصل إليه من خلال تدبيج البرامج وقراءة الكتب، بل من خلال الاستقراء والبحث والدراسة المترافقة مع أعمال نضالية حقيقية أخرى في الريف كالتي يمارسها فلاحو الإصلاح الزراعي أي من خلال الحركة وليس في الغرف المغلقة.
· وعلى أن يتم ذلك في عدة مواقع تمثل المجتمع الريف تمثيلا صحيحا.
· علاوة على ضرورة حصار الهجمة الراهنة التي تقوم بها الدولة وورثة كبار الملاك السابقين التي تستهدف استعادة أراضى الإصلاح الزراعي وتسريع وتيرة تطبيق السياسات المعادية لفقراء وصغار الفلاحين، لأن تحقيق النجاح في هذه المهمة (الحصار) سيضاف لرصيد الفلاحين جميعا في الريف ويرفع وعيهم ويستحث نشاطهم ويساعد على انتظامهم في هيئات كفاحية متعددة ويدفع بمعنوياتهم إلى عنان السماء وينقل "عدواهم" إلى أقرانهم من فلاحى الائتمان ويهيئ المناخ لفهم ودراسة أفضل لبقية قضايا الزراعة المصرية دون ادعاء أو ضجيج وبلا جمل ثورية زائفة.
وإلى حلقة قريبة قادمة.
- 781 reads

علِّق