حكومة التوربيني وجيش الملثمين!
Submitted by كفاية on الأحد, 17/12/2006 - 14:32.

المصري اليوم 

لا أعرف كيف أعبر عن رعبي، ليس لحصر في لساني أو قلمي، ولكن بسبب الاستنزاف الوقح لإمكانيات اللغة، بحيث انفصلت الكلمات عن معانيها، وفقدت صفات التفضيل، مثل الأعظم والأسوأ والأخطر، هيبتها.

الآن وقد وقع الأسوأ لا نعرف كيف نصفه، سأقول فقط إنني مرعوب من واقعتين يصعب الجمع بينهما، وأعني عصابة اغتصاب الأطفال التي عرفت باسم «التوربيني» واستعراض الملثمين بجامعة الأزهر.

الأولي نزوع إجرامي، والثانية تطلع سياسي عبرعن نفسه بعنف، لكن ما يجمعهما أنهما تعبير عن تحلل مؤسسات الدولة في مصر، مهما أبدت الحكومة من مظاهر القوة والصلف.

وقد كانت «المصري اليوم» سباقة في القضيتين ولكون هذا المقال ينشر فيها فلسوف أهرب من شبهات التملق لأقول إن ما فعلته «المصري اليوم» في تغطياتها للقضيتين هو بالضبط ما يجب أن تفعله الصحافة الحية، وأن الصحافة القومية التي لم تدرك خطورة القضيتين تمضي بثبات نحو موتها، وهي إذ تمضي نحو الموت الذي هو حق علينا جميعاً، فإنها لاتمضي إلا بوصفها جزءاً من «لوكيشن» تصوير تخلي مخرجه وممثلوه عن الواقع لصالح الصورة ويوشك أن يتقوض.

قضية «التوربيني» هي الأخطر في تاريخ الجريمة في مصر، الأخطر بحق، من حيث أرقام الضحايا، ومن حيث اتساع مسرح الجريمة جغرافياً وامتداده زمانياً، ومن حيث الدوافع. وإذا ما فتشنا في ذاكرة الجريمة الوطنية فإن الواقعتين الأبرز علي الإطلاق وكانتا مصدراً لأعمال أدبية ودرامية تتعلقان بعصابة «ريا وسكينة»، وسفاح فرد هو محمد محمود سليمان الذي عرف بـ «سفاح الإسكندرية».

وسنجد أن عصابة ريا وسكينة (١٩٢٠) يقف ضحاياها من النساء تحت سقف العشرين ضحية، بهدف السرقة أساساً، ولم يتجاوز نطاق عمل العصابة مدينة الإسكندرية في بضعة أشهر حتي تم كشفها، بينما كانت قضية سفاح الإسكندرية (محمود أمين سليمان عام ١٩٦٠) الذي استوحي منه نجيب محفوظ رواية «اللص والكلاب» مجرد حادث شرف وأشبه بتمثيلية صحفية، فلم تتعد حوادثه ست حوادث إطلاق نار إحداها فقط قاتلة، تحت تأثير هوس الانتقام من زوجته التي يشك في سلوكها.

في المقابل فإن عصابة التوربيني اعترفت بقتل ٣٢ ضحية، والعدد مرشح للزيادة، وهو قتل من أجل القتل فقط. ومسرح جريمتها يشمل مصر السفلي كلها، «السفلي» بمعني السرية والمنسية، وبالمعني الجغرافي الذي يشير إلي الوجه البحري، أي أن التوربيني استطاع أن يبسط نفوذه علي نصف مساحة مصر، فالاعترافات المنشورة حتي الآن تؤكد أن العصابة مارست القتل في الإسكندرية وطنطا والقاهرة والقليوبية ومرسي مطروح، طوال سنوات.

هذه الحرية في الحركة علي مدي سنوات، وما قيل عن انتفاع العصابة بأعضاء الضحايا، وعن تحول في أسلوب عملها بعد دخول التوربيني إليها وإزاحة «بقو» القيادة التاريخية للعصابة، كل هذا يجنح بها من مجرد تنظيم يضم عدداً من المجرمين المصابين بخلل نفسي وهوس جنسي إلي مستوي نظام وحزب يحرك حكومة قاسية.

وقد فتحت القضية عيون الكثيرين علي هول عدد شعب التوربيني من أطفال الشوارع الذين يتجاوزون في أكثر التقديرات تفاؤلاً رقم المليون ونصف المليون طفل. ومن الطبيعي أن يتطلع أصحاب الطموح منهم إلي وراثة حكم التوربيني بعد إعدامه، بينما يواصل الآخرون حياتهم التعسة في موقع الضحايا. أما كون هذا العالم السري غير مرئي، في مقابل الحضور الكثيف لمجالس الأمومة والطفولة و«الأبوبة»، فليس مفاجأة لأن الشعب الواقعي كله غير مرئي.

شعب الحفلة يطغي حضوره علي أي حضور آخر في مصر، وهو في الحقيقة الأحق بأن يكون ظاهراً ومرئياً، لا اعتراض علي ذلك، فهو وحده القادر علي الابتسام في مواجهة الكاميرا، معطر وصحيح البدن، وتبعث إطلالته علي البهجة. كما أن «لوكيشن التصوير» الذي يتحرك فيه بين الفنادق والمكتبات والمتاحف وحتي المستشفيات الفاخرة يعطي للحياة طعماً آخر، طعماً إن لم يتذوقه الشعب الواقعي فيكفي أنه يشاهده!

ومن السهل أن يتعايش شعب الاستعراض مع الشعب الواقعي العادي وشعب التوربيني علي ذات الأرض (فالدين لله والوطن للجميع)، ولكن هذا التعايش لايكون إلا إلي حين، وبشرط عدم فرض أحد الشعوب قيمه ومنطلقاته الفكرية علي شعب آخر.

وقد دأب شعب الحفلة علي دفع الشعب الواقعي إلي الدرجة الخطرة من افتقاد الأعصاب، فهو يريد أن يفرض علي الجائعين والمكبودين والمسرطنين وفاقدي الأمل ثقافة الاستعراض، بحيث تكون المجالس المنتخبة مواقع هيكلية لتضليل الأعداء وليس لممارسة دور سياسي حقيقي، أو فعالية إصلاحية تقود إلي أي مستقبل.

ويبدو أننا وصلنا إلي لحظة الفراق الخطرة، الشعب الواقعي يريد أن تتطابق المؤسسات مع مسمياتها، ولذلك بدأ في إدارة ظهره للمؤسسات المطعون في شرعيتها، باعتبارها تخص دولة وشعب الاستعراض.

وبوصف الشباب الفئة الأكثر امتلاء بالطاقة فقد برزت ظاهرة اتحاد الطلاب البديل في معظم الجامعات وبينها جامعة الأزهر، ومن الطبيعي أن يكون للإخوان الصوت الأعلي في هذه الاتحادات، مثلما تدعم وجودهم في النقابات ومجلس الشعب واللجان النقابية، لكن الجديد هو هذا الاستعراض للقوة الذي يمثل رسالة تهديد واضحة بقدر ما يحمل من معاني انسداد آفاق التغيير، وما يمكن أن يترتب علي ذلك في ضوء الإصرار علي مراكمة السلطة والثروة، وتحقيق التقدم المتخيل في إعلام لم يعد الشعب الواقعي يعترف به أو يراه.

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
6 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.