- No upcoming events available
لو استوعب حكام العرب والمسلمين المعني الرائع في مقولة الفاروق عمر بن الخطاب «لو تعثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر يوم الحساب» لكنّا الآن في صدارة الأمم علي كل صعيد.. ولما ظهر «توربيني» في أي من مجتمعاتنا، وقد تتالت الحوادث المفجعة التي أدخلتنا في زلزال نفسي نفيق كل حين وآخر علي توابعه التي لا تقل عنه ضراوة في قدرتها التدميرية، فمن حوادث القطارات والطرق السريعة ومصرع المئات الذين تراكمت أعدادهم لتصل إلي الآلاف إلي حوادث الغرق في العبارات، إلي أن «فوجئنا» في جريمة التوربيني ببشاعة قطاع من المجتمع المصري وبأن الكثير منا وحوش آدمية تفوق وحشيتهم قدراتنا، ليس علي التصور فحسب، بل حتي علي التخيل.. وجريمة التوربيني تتصل - كما بتنا نعرف جميعاً - بمأساة ما يقرب من مليوني طفل سميناهم «أطفال الشوارع»، ونحاول الآن أن نضفي عليهم وصفاً أقل إيلاماً لنا هو «الأطفال بلا مأوي!».
وقد قفزت عبارة الفاروق عمر بن الخطاب إلي ذهني، وذهبت بالنوم من عيني، حيث اصطدمت صدام القطارات والطائرات مع عبارة رئيس الحكومة د.أحمد نظيف بأن «الحكومة ليست بابا ولا ماما!!» وشعرت بأن تخلي الحكومة - وأقصد الحكومات المتتالية منذ عصر الانفتاح واقتصاد السوق - عن نحو مليوني طفل، يعني أن مصر الوطن أصبحت في مهب الريح، فالحكومة تهتم بالمستثمرين وأصحاب قصور وشاليهات الساحل الشمالي والمدن الجديدة الفاخرة، لكن الأدوار غامضة، فلا نعرف من بابا أو ماما الآخر..
أما أطفال الشوارع فمتروكون لمصيرهم التعس، الذي سيصبح مصيرنا بالضرورة، حيث إن من سيتبقي من هؤلاء - وهو أكثر بكثير من قدرة التوربيني وأمثاله علي الإبادة - سيمثل ما يقرب من مليوني أسرة ستنجب عشرات الملايين!! وهؤلاء يعيشون - إذا كانوا يعيشون مجازاً - فوق تراب هذا الوطن الذي تخلي فيه الجميع عنهم، بدءاً من بابا وماما اللذين «أنجبا» وألقيا في الشوارع لظروف اقتصادية واجتماعية قاهرة، وصولاً إلي بابا وماما اللذين كانا في سالف العصر والأوان، أي الحكومات التي تظهر أبوتها وأمومتها القاسية إذا ارتكب أحد المواطنين - صغيراً أم كبيراً - ما يعكر صفوها وأيضاً خططها..
فرَّبُ الأسرة يستمد شرعيته من تحمله المسؤولية كاملة وبكل أوجهها، أما الحكومة أو الدولة التي تعلن بصراحة أنها ليست بابا ولا ماما، فلا أدري سندها الشرعي في طلب الطاعة والامتثال للقانون ومن ثم مبرر وجودها. إن حادث جريمة التوربيني هو الجزء الظاهر من جبل الجليد، وهي جريمة تستوجب استنفار كل طاقاتنا وموروثنا الديني والثقافي، وفوق ذلك وقفة جادة ومسؤولة حول مستقبل هذا الوطن، ولا أحتاج التنبيه إلي خطورة بل وتهديد هؤلاء البؤساء لجوهر المواطنة، إذ لا يعقل أن نطالب طفلاً ينام في العراء ولا يجد ما يسد به رمقه، ناهيك عن أنه لا يتعلم ويعرّض لانتهاك آدميته يومياً بشتي الانتهاكات، بأن يكون مواطناً سوّياً ومنتمياً لمجتمع أو لوطن..
فقط أريد أن أذكر بأن الدول الرأسمالية الكبري، تولي اهتماماً كبيراً بالمجتمع وتخص بالرعاية الفئات الأفقر والأضعف بالقدر الذي يحميها هي ولا يجعل من المهمشين أرضا خصبة للجريمة والتخلف.. وربما الخيانة الوطنية.. فلكي نحب الوطن يجب علي الوطن أن يحب أبناءه ويكون هو - إذا دعت الحاجة - بابا وماما وإلاْ.. تساءلوا: نحن أبناء من بالضبط؟! مطلوب إجابة واضحة قبل أن يعم الخراب!
- 421 reads

علِّق