من المقاومة إلي المساومة سماحة الشيخ حسن نصر الله
Submitted by أنور الهواري on الأربعاء, 06/12/2006 - 07:25.

الوفد.

 

كنت أتمني من الزملاء رؤساء تحرير الصحف القومية، ألا يبادروا بالرد علي ما تعرض له الرئيس مبارك من انتقادات أقدم عليها بعض أطراف النزاع السياسي الدائر في لبنان. فجوهر الموضوع ليس هو الانتقادات التي تعرض لها الرئيس مهما كانت قاسية أو خارجة علي حدود اللياقة والذوق والأدب. جوهر الموضوع، هو موقف مصر، الذي عبر عنه الرئيس مبارك بصراحة ووضوح. هذا الموقف أراه يستحق التركيز عليه وعدم الانزلاق إلي قضايا هامشية وفرعية تصرفنا عنه.

وأحب في مبتدأ الكلام، أن أضع القضية في إطارها الموضوعي المعقول. فما يجري في لبنان، ليس شأناً لبنانياً محضاً، وإنما هو مقدمة لمرحلة جديدة من التغيرات الإقليمية العميقة، هذه التغيرات من طبيعتها أن تعصف بالتوازنات القائمة، وتأتي بتحالفات جديدة، وترسم للمنطقة خرائط مختلفة تعيد ترسيم وترتيب مراكز القوة والتأثير فيها.

ومن هنا، فإن السؤال الوطني هو: أين مصر؟ ما موقع مصر؟ ما دور مصر؟ ما الأعباء التي يجب أن تتحملها مصر؟ ما المصالح الوطنية المشروعة التي يجب أن تعمل السياسة الخارجية المصرية علي إنجازها وحمايتها؟

هذا هو السؤال الكبير، وباب الاجتهاد فيه مفتوح لمن يملك مفاتيح الاجتهاد. هذا السؤال يمثل واحدة من أولوياتنا الكبري الجديرة بالتركيز عليها والانشغال بها. ولا يجوز لخلافاتنا الداخلية ونحن في داخل سفينة الوطن، أن تنسينا أو تلهينا أن هذه السفينة تمخر في محيط متلاطم أمواجه جبال أو كأنها الجبال.

وكذلك، لا يجوز لخلافاتنا الداخلية، أن تمنعنا من إعلان اتفاقنا مع بعض التوجهات الصائبة التي تصدر عن نظام الحكم في القضايا الإقليمية والدولية. خاصة أن الرئيس مبارك شاءت له الأقدار أن يشهد ويعاصر العديد من مراحل التحول العاصفة التي سبق أن تفاعلت علي أرض المنطقة ولاتزال تتفاعل وتتوالد اليوم وغداً.

ونعود للسؤال الأكبر: أين مصر وأين دورها وما الأعباء التي تنتظرها وما المصالح التي تسعي لها؟؟ وللإجابة، علينا أن نؤكد عدة حقائق:

* الأولي: أن حزب الله بزعامة سماحة الشيخ حسن نصر الله، حين قرر النزول إلي الشارع، قد حدد مصالح حزبه أولاً، ومصالح حلفائه اللبنانيين ثانياً، ومصالح حلفائه الإقليميين ثالثاً وهما سوريا وإيران. إذن فالرجل لديه مصالحه ولديه استراتيجياته ولديه حلفاؤه ولديه رؤية لبلده وللإقليم كله.

* الثانية: حين أعلنت إسرائيل حرباً شاملة علي لبنان في يوليو الماضي، لم نتردد في الوقوف إلي جانب حزب الله وإلي جانب لبنان، وقفنا معهما بكل ما نملك وبكل وضوح وقوة. ولم نسمع أبداً لمن حاول أن يتساءل عن المتسبب في اندلاع الحرب. ولم نلتفت الي كون حزب الله ينتمي إلي المذهب الشيعي. بل ولم نسمح لأنفسنا بالخوض في علاقاته وتحالفاته ومصادر تمويله وطبيعته العسكرية وأهدافه التي يخفي منها أكثر مما يعلن.

* الثالثة: حين كان رجال حزب الله يؤدون الواجب في ميدان القتال لم نسمح لأنفسنا بحق الاجتهاد، وكان حتماً وبدهياً أن نقف معه. أما الآن، وقد انتقل حزب الله من ميدانه الذي أكسبه التعاطف العربي وهو ميدان التحرير والمقاومة، إلي ميدان جديد، هو ميدان رياض الصلح، أو كما يقول: النزول إلي الشارع، لتحقيق أهداف سياسية محددة، طالما حدث ذلك، فإن الأمر صار مختلفاً، ومن حقنا أن نفتح باب الاجتهاد والتفكير، وأن نطرح ونناقش الأمر، لنقول بكل شجاعة وأخلاقية: إننا اليوم لا نجد في مساعي حزب الله ما يدعونا للاتفاق معها، ناهيك أن نجد ما يدعونا لتأييدها.

* الرابعة: حين وقفنا مع حزب الله أثناء الحرب، كنا نحمي الدماء اللبنانية أن تراق، ونحمي عمران لبنان أن يهدم، ونحمي الوجود العربي من ضغوط الإذلال الإسرائيلي، وقبل ذلك كله، كنا نصطف لكسر الغطرسة الإسرائيلية، وكنا نرفض أن تخرج إسرائيل منتصرة من هذه الحرب، حتي لا تكون لها كلمة عليا في رسم خرائط ومصائر الإقليم كله. هذه كانت الخطوط التي نرتكز عليها وهي ثلاثة: حماية لبنان، الدفاع عن الوجود العربي، كسر محاولات الهيمنة الإسرائيلية علي الإقليم.

* الخامسة: هذه المرتكزات الثلاثة، مازلنا نتمسك بها، ومازلنا نحافظ عليها، ولكننا نضيف إليها مرتكزات نراها استجدت علي الواقع اللبناني والإقليمي.

فحزب الله يتحول ـ تدريجياً ـ من حركة مقاومة، إلي مشروع مساومة يرتكز علي قاعدة مذهبية شيعية، تتجاوز لبنان، وتهيمن في العراق، وتتحفز في الخليج، وتتجاوب أصداؤها مع القلب والمركز الإيراني الذي يجمع بين روافع المذهب الشيعي، وقوائم العنصر الفارسي القومي، ومطامح القوة النووية الصاعدة.

وفي مقابل هذا التمدد الشيعي الذي ينوي الاكتساح، نرصد حالة من الانحسار بل والانكسار علي الصعيد السني. وما عليك ألا أن ترسل بصرك نحو واقع السنة في العراق، وفي سوريا نفسها، ثم في لبنان. فضلاً عما يلقاه المذهب السني من تشويه صورته علي الصعيد العالمي إذ صارت صورته مقرونة بحركات متخلفة مثل طالبان، وبمنظمات إرهابية مثل القاعدة.

* السادسة: ومن المنظور الاستراتيجي الأشمل، كانت مصر ـ ولا تزال ـ منذ سقوط الخلافة العباسية، هي القلعة السياسية التي تحمي الإسلام السني في العالم الإسلامي كله. وهذا قدر من الأقدار التاريخية المرسومة للدور المصري عبر القرون.. ومصر الآن ليس أمامها ترف الاختيار أو عدم الاختيار، إنها أمام حتمية تاريخية، وضرورة واقعية، ولوازم مستقبلية. عليها أن تقبل بل وأن تتقدم لوظيفتها التاريخية. وهذا لا يعني أن تقود مصر العالم السني في حرب أو خصومة ضد العالم الشيعي. فهذا منطق طائفي لا تقبل به مصر. وإنما علي مصر أن تقف حائط صد، وأن ترعي التوازنات، وأن تسهر علي خرائط الإقليم حتي لا يتم تسييلها وتسييحها وإذابتها تحت مواقد شيعية تشتعل وتزداد ضراوة نيرانها في إقليم مضطرب ومفعم بالأزمات المستحكمة.

* السابعة: أن جوهر المشروع الإيراني هو حتي هذه اللحظة، يخفي مصالح قومية إيرانية محددة، بينما يعلن خطاباً إنشائياً حماسياً يستغل حالة الإحباط النفسي السائدة لدي الجماهير في العالم العربي، هذا الخطاب يلعب بعواطف الناس ويغازل أحلامهم ويكتسب تعاطفهم، حتي يمكننا القول إن المشروع الشيعي عموماً صار مصدراً لتوريد وتصدير الزعامات التليفزيونية الخطابية الفضائية، وربما يكون الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، وسماحة الشيخ حسن نصر الله نماذج تجسد هذا المعني، دون أن يعني ذلك إنكار ما للشيخ نصر الله من مزايا وإيجابيات علي المستوي الشخصي وباعتباره رمزاً سياسياً مؤثراً.

* أكتفي اليوم بهذا القدر، ونستأنف الحديث، في مرة لاحقة.

 

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.