- No upcoming events available
الراية القطرية
حادثان متباعدان مكاناً. ولم يقعا في فترة زمنية واحدة. ومع هذا يشكلان حلقة من حلقات مسلسل خطير جديد اسمه: تآكل هيبة الدولة المصرية. وعندما أقول هذا الكلام. يتهمني بعض من يسمعني أنني شمولي. مازلت أعيش حالة من الحنين المرضي لدولة عبد الناصر. التي كانت. وبتعبير الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري: عظيمة المجد وعظيمة الأخطاء. وأقول لهم أن حالة "النوستالجيا" التي ربما أعاني منها. ومعناها مرض الحنين للماضي. ربما أدي إليها الانهيار الراهن الذي نجده في كل مكان من بر مصر. إنني أعيشها كما لو كانت حالة احتجاج إيجابي علي الانهيار اليومي. عموماً أنا أحلم بالجانب الإيجابي في دولة عبد الناصر. التنمية والعدل الاجتماعي والاستقلال الوطني والحلم القومي العربي. والوقوف مع حركات التحرر في العالم. لا يجب نسيان أن عبد الناصر رحل عن دنيانا وكيلو اللحم ثمنه 68 قرشاً. وأن هذا العدل الاجتماعي استمر سنوات حتي بعد رحيل عبد الناصر. ففي مظاهرات الخبز يناير سنة 1977 كانت هتافات المتظاهرين تقول: أنور أنور يا أنور بيه.
كيلو اللحمة بقي بجنيه. وفي مظاهرات أخري كان أنور يستبدل بسيد الذي هو سيد مرعي. تآكل هيبة الدولة المصرية مسألة مرعبة. لأنها أقدم دولة في التاريخ. ولديها تراث ضخم في الحكم. وسياسة الرعية. وليست دولة مستحدثة. إنها أقدم من كثير من الدول الكبري في عالم اليوم. ولذلك أتصور أن يبقي لها ما للحضارات القديمة من تأثير نفسي في الناس.
الحادث الأول جري في جامع الأزهر الشريف. عندما كان خطيب المسجد الشيخ السعيد محمد محمد علي يخطب الجمعة الماضية. وكان موضوع الخطبة هو شعائر الحج. وقد فوجئ أثناء إلقاء الخطبة. بأحد الأشخاص الذي قيل أنه مختل عقلياً يصعد المنبر وبيده مطواة قرن غزال. ويطلب منه أن يتحدث في الخطبة عن هموم الناس. لأن والدته تعالج بإحدي المستشفيات وتعاني من الإهمال الشديد. ثم قامت أجهزة الأمن التي كانت متواجدة بإلقاء القبض علي هذا الإنسان. واعتقاله. الصحف المصرية وصفت الحادث بأنه مأساة. من المؤكد أن الطريقة التي عبر بها هذا الإنسان عن احتجاجه فيها خطأ وتهور. فلا يجب استخدام السلاح داخل المسجد. وحتي المطلوب قتله طلباً للثأر في صعيد مصر. ما أن يدخل المسجد يبقي آمنا حتي لحظة الخروج منه. لا أدافع عنه. وإن كنت أقول أن الحال الذي أوصل هذا الإنسان لصعود المنبر وبيده مطواه. كان لابد من التوقف أمامه ودراسته بعناية. علي الجانب الآخر لابد من مراعاة هموم الناس في بعض - وليس كل الخطب - المنبرية التي تلقي في صلوات الجمع والعيدين. بعد القبض علي من حاول مناشدة الخطيب أن يتحدث عن هموم الناس. وأخطأ بأن هدده بسلاح خطر. فإن الإجراءات التي اتخذت كانت ذات شقين. الأول ويدور حول تكثيف التواجد الأمني بالمساجد. والثاني تكليف عمال المساجد بالالتفاف حول المنبر في صلاة الجمعة.
طبعاً لم يتطرق أحد إلي قوائم الخطب التي ترسل إلي خطباء المساجد التابعة لوزارة الأوقاف لتكون موضوعات للخطب. وهكذا يخطب الخطيب عن شعائر الحج. لأن تعليمات وزارة الأوقاف تحدد له موضوع الخطبة سلفاً. ولا يمكنه الخروج عليه. وربما ذهب المواطن أحمد عبد القادر محمود (26 سنة) إلي المسجد لكي يسمع كلاماً يشفي غليله. وينفث عما بصدره. ويقلل من إحساسه الفادح بالظلم الواقع عليه. قال البيان الرسمي الصادر عن الواقعة أن المعتدي حاصل علي دبلوم إدارة خدمات سياحية وفنادق. إن المسجد الذي يمثل أقدس سلطة روحية أمام الناس تراجعت هيبته. وخاصة عندما يحاول الإنسان إدراك ما للجامع الأزهر الشريف من قداسة في نفوس المصريين. فهو جامع وجامعة. وأحد رموز الإسلام في حياة المصريين. وهناك حرمانية حقيقية. في ارتكاب أي معصية داخل الأزهر. فما بالك وإن تم هذا في لحظة صلاة الجمعة. وفي مواجهة الخطيب الذي يعد في نظر العامة حاملاً لكلام الله في صدره.
وإن كان الحادث الأول قد جري في جامع الأزهر الشريف. الذي يعد دلالة علي الهيبة الدينية أمام المصريين. بل إن زيارة الحي الذي يقع فيه تعد واجباً دينياً يصل لحدود الفريضة. ومثل هذه المساجد لها دور أكثر من مهم في حياة المصريين. وقد رصد المرحوم الدكتور السيد عويس رسائل المصريين إلي أضرحة أولياء الله الصالحين. كتعبير عن أملهم بالخلاص من الظلم. بل ورصد تعبيرات أهل مصر عنهم. فالسيدة زينب هي رئيسة الديوان. والحسين هو سيد الشهداء. والإمام الشافعي هو نصير المظلومين.
نصل إلي الحادث الثاني الذي وقع في محكمة. فقد اعتدي أحمد سيد وابنه بسام وابنته صابرين علي المستشار ثابت عبد الرحمن رئيس محكمة جنايات القاهرة فور إصداره حكماً علي أحد أقاربهم بالحبس ست سنوات في قضية مخدرات. وقاموا بتحطيم مقاعد منصة المحكمة وأثاروا الذعر داخل القاعة. وقد تمت إحالتهم إلي النيابة التي قدمتهم لمحاكمة عاجلة. حيث عوقبوا بالحبس سنة وتغريمهم 500 جنيه. والاعتداء علي قاض وهو جالس علي منصة القضاء وتدمير هذه المنصة. سلوك جديد علي مصر. فالهيبة التي تولدها المحكمة في نفوس الناس مسألة ضخمة ورؤية تمثال العدالة. تثير الرهبة في النفوس. وصوت الحاجب لحظة دخول القاضي: محكمة. توصل الاحترام لأعماق قلوب كل المتواجدين في قاعة المحكمة. إن مجرد الكلام في المحكمة. يعطي القاضي الحق في حبس من يتكلم 24 ساعة دون محاكمة. وتنفذه فوراً. والوجدان الشعبي يخاطب القاضي قائلاً: أحكم بالعدل يا قاضي. قدامك مظاليم. كما أن المحاكم عادة تكون مدججة بالحراس من كل جانب. سواء خارج المحكمة أو داخلها. وعندما نعرف أن المحكمة كانت محكمة جنايات القاهرة. والقاهرة هي المدينة التي يسمونها مصر. باعتبار أن المدينة في نظر الناس تلخص الوطن كله.
ماذا أقول..
يرحمنا الله..
- 753 reads

علِّق