- No upcoming events available
د.محمد السيد السعيد
باستثناء الحالة المغربية, لم نسمع عن أي انتخابات تعددية وذات برامج للنقابات العمالية في البلاد العربية بما في ذلك مصر. سمعنا في الانتخابات النقابية الأخيرة في مصر كلاما عاما عن اختصاص النقابات بالدفاع عن مصالح العمال ولكن لا برامج ولا صياغة ولا رؤية عامة لمصالح الطبقة العاملة. فما زالت خطابات الرسميين داخل وخارج النقابات العمالية تختصر بل وتبتذل هذه المصالح في المطالب الخاصة بالأجور والاجازات وغيرها من الحقوق الاقتصادية الجزئية, وعلي مستوي المواقع العمالية المختلفة قبل كل شيء وهذا هو ما رأيناه في برامج قدمها مرشحون في مواقع أو مؤسسات أو شركات بعينها.
تترك هذه الخطابات سؤالا كبيرا حول طريقة مصالح الطبقة العاملة ومناهج نضالها من أجل تأكيد حضور هذه المصالح في المفاوضة الاجتماعية التحتية والفوقية. وخلال نصف القرن الماضي, تميزت الحياة النقابية في مصر وفي غيرها من الأقطار العربية التي تعترف بالنقابات العمالية أصلا بثلاث سمات رئيسية فأولا ركزت المؤسسات النقابية كلية تقريبا علي المصالح الاقتصادية للعمال والعاملين, وحتي هذه المصالح تم تعريفها بعيدا عن اية استراتيجية عامة أو رؤية كلية للعمال داخل مجتمعاتهم. وبذلك حجب الخطاب النقابي السائد المصالح السياسية والثقافية للطبقة العاملة, بل ولم يتقدم حتي اليسار بأية صياغة مقبولة لهذه المصالح الجوهرية.
ومن ناحية ثانية ترسخت استراتيجية الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة من الأبواب الخلفية وبعيدا عن الشفافية, وبأسلوب رفع العرائض للحكومة أو الدفاع عن بعض الاستحقاقات العمالية عبر العلاقة العضوية مع الحكومة, التي حرصت بدورها علي ضم النقابات الي صفوفها من خلال وزارات للقوي العاملة يتم اختيار وزرائها من قمة الاتحادات العمالية. وبوجه عام نفرت الاتحادات والنقابات العمالية بدورها من أساليب التفاوض والمساومة المفتوحة والشفافية المعروفة في المجتمعات الديمقراطية والمتقدمة. أما آخر هذه السمات فهي تركيز الاتحادات والنقابات علي الدفاع عن الامتيازات القانونية التي كانت الطبقة العاملة
قد حصلت عليها أثناء المرحلة التقدمية في عمر النظم السياسية العربية القائمة, وذلك في وجه الهجوم الذي تشنه الطبقة الرأسمالية أو الحكومات أو حتي أقسام من الطبقة الوسطي علي هذه الامتيازات. ولا شك مثلا أن النقابات العمالية عموما والاتحاد العام خصوصا قام بدور ما في المناقشات والمساومات حول قانون العمل الجديد. وفي إطار نفس الاستراتيجية الدفاعية قام الاتحاد بدور ما في النقاش العام حول تعديل أو الغاء نص المادة87 من الدستور التي تنشأ قاعدة استحقاق العمال والفلاحين لنصف مقاعد مجلس الشعب علي الاقل. وبالمقابل غاب رأي الاتحاد العام للعمال علي الأقل في العلن حول قضية الخصخصة وغيرها من قضايا السياسات الاقتصادية. وفي سياق هذه الاستراتيجية الدفاعية والقانونية تم اهمال الدور التوكيدي للنقابات العمالية في النضال من أجل اقتصاد ومجتمع سليم ومتوازن وصياغة اختيارات السياسة الاقتصادية.
ولكن هذه الصياغة لمصالح الطبقة العاملة تتقادم بسرعة لأسباب كثيرة فالطبقة العاملة لها مصلحة أكيدة في تخفيض مستويات البطالة وتطوير نظام اقتصادي قادر علي توليد فرص توظيف حقيقية ومشبعة للحاجات المعنوية والمادية للناس. فالبطالة تضعف القدرة التفاوضية للعمال المشتغلين بالفعل ومن ثم تحرمهم من أجور ومزايا أخري عادلة حتي لوكان الاطار التشريعي سليما, كما تحرم ابنائهم من حق أصيل من حقوق الانسان وهو الحق في العمل الذي نص عليه العالمي لحقوق الانسان. ولا يمكن تحقيق هذه المصلحة من خلال المناشدات ولا حتي من خلال التدخل الاداري للدولة ولذلك يجب أن يشتمل نضال الحركة العمالية علي صياغة والدفاع عن سياسات تركز علي التصنيع والتطور العلمي والتكنولوجي الموائم له. بل قد يتحتم علي الطبقة العاملة أن تناقش ما اذا كانت استراتيجية النمو التي تتحيز لصالح انشطة كثيفة العمل
وقليلة الانتاجية والأجور هي الأنسب فعلا لامتصاص البطالة أم النضال من أجل استراتيجية بديلة تقوم علي التركيز علي أنشطة الصناعة والخدمات عالية الانتاجية والأجور والقادرة فعلا علي دفع الاقتصاد وسوق العمل الي أعلي مستويات النمو الديناميكي. ولا يمكن تحقيق هدف اعادة صياغة استراتيجية النمو إلا عبر السياسات العامة, بأساليب مباشرة وغير مباشرة, كما لا يمكن تحقيق هذا الهدف بالتزكية الحالية للموازنة العامة. وعلي سبيل المثال كان للموازنة العامة دور مهم في الوصول بمعدل الاستثمار, وهو الجانب الأهم, في امتصاص البطالة وتوفير فرص العمل الي أقل قليلا من30% حتي بدأ تطبيق برنامج صندوق النقد الدولي عام1990 والذي أدي الي هبوط هذا المعدل الي17 ـ18% من الناتج المحلي الاجمالي منذ ذلك الوقت. ويعني ذلك أن هناك مصلحة أكيدة للطبقة العاملة في المشاركة في تصحيح والمشاركة في صنع الموازنة العامة برؤية استراتيجية صائبة.
وتتسع هذه الرؤية أيضا لسياسات التعليم والصحة والتدريب والتشغيل والتشريعات الحاكمة لها والمؤسسات التي تطبقها أو تراقب هذا التطبيق. واذا تجاهلت الحركة العمالية هذه السياسات والأوضاع فإنها في الواقع تتخلي عن أبسط مصالحها وأكثرها التصاقا بحياتها اليومية ومصيرها بل ومصير المجتمع كله. وهكذا ان بناء قدرة سياسية علي المشاركة بقوة في صنع الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية ليس الجانب الوحيد من المصالح السياسية للطبقة العاملة والحركة النقابية. بل تتسع هذه المصلحة لتشمل كل ما هو سياسي وكل ما يتقرر عند المستوي السياسي بدءا من السياسة في مجال البيئة وصولا الي السياسة الخارجية فالبيئة النظيفة مصلحة مؤكدة وغالية للطبقة العاملة وهي مهملة من جانب الخطاب النقابي السائد رغم الضريبة الصحية الهائلة التي تدفعها للطبقات العاملة والفلاحية أساسا, والسياسة الخارجية مهمة للغاية للطبقة العاملة, لأنها تحدد مصير الوطن المصري بل الوطن العربي كله.
واذا كان علي الحركة العمالية أن تناقش وأن تصنع صياغات مقبولة ديمقراطيا لمصالحها في مجال الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية العامة وسياسات التعليم والصحة والتدريب والتوظيف فأول التحديات هو العمل في الساسة وبالسياسة. ويرغم كل شيء يمكن ويجب أن تقوم حركة نقابية طموح بمسئولية النضال من أجل مصالح كل الشعب في وبلغة المجال السياسي ووسائلة لبناء مجتمع متوازن ومتحرر من الفساد والاستبداد وقادر علي استعادة حيويته الثقافية والأخلاقية فضلا عن حيويته الاقتصادية
- 399 reads

علِّق