- No upcoming events available
إخوان الحزب الوطني الديمقراطي!!
Submitted by كفاية on الثلاثاء, 28/11/2006 - 04:47.
اﻷهرام.
د.عبدالمنعم سعيد.
إذا أردت الزواج فإنك لاتذهب إلي البنك وإنما إلي المأذون, وإذا رغبت في العبادة فإنك لاتذهب إلي المسرح وإنما إلي الجامع أو الكنيسة, وإذا نويت علي التعلم فإنك لاتذهب إلي المطعم وإنما إلي المدرسة أو الجامعة.. والخلاصة هي أن لكل مؤسسة في المجتمع وظيفتها, ولا ينبغي الخلط بين الوظائف والمؤسسات, وإلا اضطربت أحوال الدولة وعجز المواطنون عن فهم ما يجري فيها. وجريا علي هذا المنطق فإن وظيفة مجلس الشعب هي الرقابة والتشريع, أما الإفتاء في أمور الدين فهو وظيفة مؤسسات أخري خولها المجتمع هذه المهمة منها دار الإفتاء, ومنها الأزهر الشريف ومعه بالنسبة للمسيحيين الكنيسة المصرية في كل مذهب.
وعندما قام مجلس الشعب بالتداول حول التصريحات المنسوبة للسيد فاروق حسني وزير الثقافة فيما يخص مسألة الحجاب لم يكن أمامه مشروع بقانون حول منع الحجاب من المؤسسات العامة مثلا, ولا كان أمامه قانون بمنع غير المحجبات من ممارسة الوظائف العامة أو السير في الطريق العام, ولم يكن أمام المجلس الموقر بيان أو خطة أو سياسة لوزير الثقافة تمثل تحبيذا أو تثبيطا للبس الححاب, وإنما كان أمامه عبارة عابرة لوزير الثقافة أوضح فيها رأيه في مسألة الحجاب, وكان بوسع جميع أعضاء المجلس ـ إذا أرادوا ـ أن يدلوا بتصريحات مماثلة للصحف سواء اتفقت أو اختلفت مع الوزير, أو يتركوا الأمر كله لوسائل الإعلام لكي تتحاور وتتناقش فيه وهي بطبيعتها ـ في ظل الفضائيات القائمة ـ كثيرة ومتنوعة, ولكن ما جري كان جلسة كاملة من المجلس النيابي تباري فيها الأعضاء من الحزب الوطني الديمقراطي ومن جماعة الإخوان المسلمين ـ المحظورة قانونا والمشروعة واقعا ـ في إدانة الوزير وتصريحاته وفي المزايدة علي من هو الأكثر إسلاما والتزاما بالدين الحنيف من الطرف الآخر, وبينما كان رأي الوزير تعبيرا عن نوعية من التفضيل حول زي شائع, فإن أعضاء مجلس الشعب من الحزب المشروع
اتفقوا مع الجماعة المحظورة في مساسها بالدين الإسلامي نفسه, ولم ينس واحد من الأعضاء التنويه بأنها تمس الأمن القومي المصري, هكذا مرة واحدة بينما كان الوزير قابعا في منزله لايملك شيئا من أدوات التهديد سوي كلمة وقلم وريشة وفرشة رسم!.
وانقلبت الدنيا علي عقب, وأصبح البرلمان المصري فجأة دارا للإفتاء, وتباري الجمع الذي توحدت صفوفه بين الحكومة والمعارضة في التفسير للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة, وعندما امتد الأمر إلي أجهزة الإعلام, كان الاستحضار كاملا لمخالفات دستورية تقرب الوزير من الخيانة العظمي, فقد تم اختزال المادة الثانية من الدستور فورا لكي تعني ضرورة الحجاب للمرأة حتي صار غيابه معصية ومخالفة دستورية صحيحة, وزاد علي ذلك من زاد متهما المخالفين ـ وفي مقدمتهم الوزير بالطبع ـ بالدعوة للانحلال والفحشاء.
وبغض النظر عما جري من تشويه وادعاءات لا أساس لها في كلمات الوزير المنشورة علي لسانه, فإن ما جري في مجلس الشعب كان كاشفا عن حقائق سياسية كبري يقع في مقدمتها أن المسافة ما بين أعضاء في الحزب الحاكم وأعضاء في الجماعة المحظورة ليست بالاتساع الذي يتصوره كثيرون, وعلي الجانبين يوجد استعداد كبير للتسابق علي اتخاذ الدين وسيلة للهجوم السياسي, أو استخدامه للمزايدة السياسية من خلال الفهم القاصر للدستور, فما جاء في المادة الثانية من الدستور لم يكن يحمل دعوة للبس الحجاب أو لخلعه, وإنما دعوة لاعتبار مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع, والمبادئ هنا في القضية المثارة تعني الالتزام بالفضيلة التي لا يوجد ما يقطع بارتباطها بلبس الحجاب أو خلعه, ولذلك فإن واضع الدستور قد وضعها بوضوح في إطار الحرية الشخصية افإنه كما لا ينبغي لها إذا زادت ارتكاب فعل فاضح في الطريق العام. فإنه لا ينبغي لها كذلك إذا تزمتت أن تضع نقابا أو لثاما أو قناعا يمنع السلطات العامة من التعرف عليها, أما وجوب الحجاب من عدمه, أو اعتباره فريضة أو من المستحسنات, فإنه قضية فقهية متروكة لأهل الفتوي لإبداء الرأي, كما أنها متروكة للإن
سان لكي يأخذ من الفتاوي ما يكفل له سلامه البدني والروحي, وهي قضية علي أية حال مختلف عليها بين أهل الفقه في الفتوي, بالقدر المختلف عليها في التطبيق العملي عبر الأجيال والعصور والطبقات الاجتماعية, ومن يري شكل الحجاب وما يتضمنه علي امتداد العالم الإسلامي كله لن يجد صيغة واحدة تحدده, وما جري في مصر خلال العقود الماضية كان استعارة من الدول الإسلامية الأخري في الخليج أو في وسط آسيا أو بالعودة إلي العصور العثمانية للتقليد والاتباع.
ولكن ما جري في مجلس الشعب يصلح معملا لمشاهدة أحوال المجتمع وتوجهاته المستقبلية, فالواضح أن المادة الثانية من الدستور علي صورتها الحالية يجري استخدامها كما لو كانت تعني ليس مبادئ الشريعة الإسلامية, وإنما الدين الاسلامي ذاته, وقد صار مجسدا ومفسرا علي يد جماعات سياسية, وعند النظر في قضية بعينها مثل الحجاب هذه المرة فإنها ليست موضوعا للتداول بين ممثلي الشعب الذي هو مصدر السلطات, كما تنص المادة الثالثة للدستور, وإنما هي موضوع لتفسير القواعد التي جري رسمها سلفا في النصوص التي تم تفسيرها بسماحة احيانا وتعسف في كثير من الأحيان. وباختصار فإن مهمة المجلس التشريعي وأعضائه ليست التشريع, أو الرقابة, وإنما الإفتاء في تطبيق النص علي الحالة الموصوفة.
وبالتأكيد فإن الأخذ بهذا الاتجاه فيه تعسف كبير في فهم وتطبيق المادة الثانية من الدستور, وهي المادة التي صارت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة والمشروعة معا تستخدمها بحيث تلغي بقية الدستور بمواده التي تتعدي المائتين وبعد أن تلغي بقية مواد الدستور, وخاصة المادة الثالثة التي تجعل الشعب وحده وليس جماعة الإخوان المسلمين مصدرا للسلطات, والمواد الخاصة بالحريات الشخصية والعامة والتي من بينها اختيار الزي الفاضل والجميل, فإن الجماعة تنقلب لكي تجعل الحياة السياسية تنفيذا لنصوص دينية تنتفي معها الدولة المدنية بما فيها حق الأفراد في تحديد الزي المناسب دون تحرر فاضح أو تزمت مقنع, أو حق الأفراد في إبداء الرأي في قضايا تخص الذوق العام أو الفضائل العامة.
ولكن ربما كان الأمر كله أعمق مما نري, ومعبرا عن تيارات لا تريد لعملية إعادة تشكيل النظام السياسي المصري أن تحط علي شواطئ ديمقراطية, وإنما تستقر علي خطوط شمولية, فالمجتمعات الديمقراطية في العموم هي مجتمعات باحثة عن التنوع والتعدد, ليس فقط في التيارات السياسية والاقتصادية وإنما أيضا في الأذواق العامة, وفي المجتمعات غير الديمقراطية فإن المطلوب دوما هو إيجاد حالة من القولبة الاجتماعية التي يتماثل فيها الناس بل ويصبحون طبعات منسوخة من بعضها بعضا تحت رايات دينية أو أيدلوجية وربما كانت الصين الشعبية إبان الثورة الثقافية حينما لبس الرجال والنساء زيا واحدا وموحدا, وأفغانستان تحت حكم طالبان حيث أطال الرجال اللحي لأطوال معلومة حددها النظام, ولبس فيها النساء الحجاب القريب من النقاب, هما الأمثلة النقية لحالة الاستنساخ غير الإنسانية التي جرت للأفراد ذكورا وإناثا.
ولعل ذلك يفسر هذه الحالة من الهياج العصبي المصاحب لقضايا الحجاب والنقاب والذي يأخذ منها إنسانيتها باعتبارها موضوعا للاختيار والرأي, ويحولها في الظاهر دائما إلي اختبار للإيمان والفضيلة, بينما هي في حقيقتها سعي دءوب لقولبة المجتمع في أنماط سابقة التجهيز, وقد يبدو هذا الموضع حالة فرعية وهامشا علي عملية إعادة تشكيل النظام السياسي ممثلا في التعديلات الدستورية المنتظرة, ولكنها في حقيقتها ليست كذلك, فهي حالة تمثل الإطار العام والمناخ الذي يجري في ظله التغيير, وإذا كان وزير الثقافة لا يستطيع إبداء رأي في قضية تتعلق بالأزياء المناسبة للفضيلة والجمال, ويجري تصيد ما قال من كلمات وتحويله إلي عملية مزايدة علي الدين من قبل أعضاء في حزبه وأعضاء آخرين في الجماعة المعارضة, فليس متوقعا أن تكون التعديلات الدستورية مناسبة للآمال والطموحات التي كانت معقودة عليها, وإذا كانت هناك جماعة في مصر تمتلك الحقيقة كلها, ولديها القدرة عند طرح كل قضية علي تحويلها إلي قضية دينية قدم الإسلام حلها بالفعل, فما هو الداعي للتعديلات الدستورية الديمقراطية, وما هي فائدة إعطاء المزيد من السلطات للبرلمان, وما هو المناسب في تدا
ول السلطة, وتداول السياسات, وماذا سيعود علي الوطن من حرية جري وأدها قبل أن تولد عندما كان الحل جاهزا في انتظار من يفتي فيه!
إن مصر مقبلة علي مرحلة مهمة من تاريخها, وهي مرحلة لا تتحمل نزع الصفة الإنسانية عن السياسة, لأن معني ذلك ليس أننا سوف نسير علي طريق الديمقراطية حيث التنوع والتداول والتفاوض بين البشر وفقا لمصالح معلومة, وإنما معناه أننا سوف نسير علي طريق الفاشية التي تخطط للإنسان من مولده حتي مماته لاتترك له رأيا ولا زيا ولا توجها ولا اتجاها!.
- 450 reads
( categories: )

علِّق