- الوقفةالثانيةلإتحاد المعلمين بالجيزة(يوم واحد)
- واجبات الشباب نحو المستقبل (يوم واحد)
د.سحر الموجى
«رأيك إيه في تصريحات فاروق حسني؟»
سؤال يطاردني طوال الأيام الماضية بعد أن قامت الدنيا علي وزير الثقافة ولم تقعد بعد تصريحاته عن الحجاب علي أنه «ردة إلي الوراء»، حمل الإخوان المسلمين لواء المعركة وساندهم فيها نواب الحزب الوطني في مجلس الشعب، وفي موقف عنتري ربط أحد أعضاء الحزب الوطني بين استمرار عضويته في المجلس واستقالة الوزير (لا أعرف كيف سيتصرف العضو لدي بقاء حسني في الوزارة!)، وانضم رئيس المجلس وكبارات الوطني إلي نفس الخندق الرافع للبنادق الملوح بالجنازير في وجه الوزير، ووقع مثقفون ومنهم معارضون لسياسات الوزير الثقافية علي بيان تضامناً معه وذلك تأكيدا منهم علي التمسك بحرية الرأي ورفض الإرهاب الفكري، أقامت تصريحات الوزير الدنيا ولم تقعدها، اشتعلت حرائق الأفكار في شوارع مصر وميادينها والبيوت واحتدم الجدل وبدأ الجميع يختار موقعه من الحدث الجلل.
وبعيدا عن مئات الأسئلة المتصارعة وعن تضارب أقوال الوزير بين يوم وآخر ومحاولته تبرير رأيه وتهدئة الوضع المحتقن دون تنازلات كبيرة فقد نجحت الأزمة في ابتلاع المصريين وفي شغل بالهم وإثارة اهتمامهم وهو الشيء الذي تفشل فيه بامتياز الانتخابات سواء كانت برلمانية أو حتي رئاسية أو الاستفتاءات أو أي جدل حول الهموم الكبيرة، أصبح سؤالا عما إذا كان حسني يعبر عن رأيه أم رأي الحزب الوطني أهم من تعديل الدستور ومعاناة المواطن اليومية بسبب تدهور مستوي الخدمات في مصر وتشقق البنية التحتية لشعب يئن تحت وطأة تلوث الهواء والماء والطعام.
لم يهتم المصريون بطعام أولادهم ومدي تسممه بالمسرطنات وارتفعت أصواتهم تتساءل «لماذا يزايد الوطني علي الإخوان؟»، لم يخرجوا في مظاهرات ملتهبة ضد الموت المتربص بهم علي كل ناصية واهتموا بمحاولة فهم سبب عزوف الوزير عن الزواج وربما نسمع قريبا عن تأسيس مؤسسة مجتمع مدني همها الأساسي البحث له عن عروس.
وبينما يسألني كل من يقابلني «رأيك إيه في تصريحات فاروق حسني؟»، أجدني رافضة أن تنزلق قدمي إلي هوة تلك المناقشة، رغم أنها مغوية للغاية، أفكر للحظة أن انحيازاتي الأولي والأخيرة هي للحرية ولكن هل كان من الممكن أن ينمق الوزير كلامه قليلا، فمثلما أنا مع الحرية أنا كذلك ضد جرح مشاعر آخرين لا أشاركهم الرأي، أتوقف فورا إذ أدرك أن قدمي قد انزلقت بالفعل إلي التعاطي مع تلك الأزمة التي أخذت أكثر من حجمها كثيرا.
وأسمع تعليقات من عينة «موقف المثقفين يستحق التحية» بينما يعتقل الأمن المصريين في الشوارع بالساعات يوم إلقاء الرئيس مبارك خطابه في مجلس الشعب والذي عرّفنا أنه باق في السلطة مادام علي قيد الحياة، وبالتالي لا تفكروا في تغيير المادة ٧٧ من الدستور، تفاقمت أزمة فاروق حسني وحالنا هو حالنا، نفس الهم والغم، نفس الشوارع المكدسة بالعربات والكاروهات والميكروباسات والبشر، لاتزال كمائن الشرطة تستوقف المدنيين وتعطلهم عن أشعالهم وفي بعض الأحيان تنتهك كرامتهم باللفظ الجارح والمعاملة المهينة، لاتزال الميكروباصات وأتوبيسات النقل العام تضخ في وجوهنا كل لحظة عادما أسود ثقيلا يتراكم ببطء علي الرئة كمقدمة لأمراض مزمنة في الطريق.
لاتزال الحياة في مصر كما هي لكننا (كشعب و كمجلس شعب) نعشق النميمة ونهتم بالتفاهات ونرفض بشكل قاطع أن نتورط في قضايا حقيقية وكبيرة، لأن مثل هذا النوع من القضايا يتطلب عملا وجهدا ووقتا والتزاما ونحن لا نريد أكثر من دقائق أو ساعات نميمة (كل واحد ومقدرته) وكلام ساخن نعود بعده إلي ساقية العيشة التي تجرنا جرا، لو أننا نهتم بالقضايا التي لا تتعلق بالكلام، وولينا كامل اهتماما إلي القضايا التي تتعلق بالموت والطعام والخدمات، لما أصبحنا شعبا متخلفا وكسولا ولما أصبحت جامعاتنا خارج نطاق أي منافسة محترمة ولما مات مرضانا داخل المستشفيات وخارجها ولما دخل البلطجية حرم الجامعة لضرب طلاب «الاتحاد الحر»، لو أننا نهتم بالقدر الكافي بالقضايا الحقيقية لما أصبح هذا هو حالنا، أرفض الإجابة عن السؤال حول موقفي من تصريحات الوزير وأتساءل عن ماهية الحجاب: هل هو الذي علي رؤوس النساء ولا يحبذه الوزير، أم هو الذي فوق عقولنا جميعا لكننا نرفض أن نراه.
- 334 reads

علِّق