- No upcoming events available
أحمد بهاء الدين شعبان
عضو مؤسس فى " الحركة المصرية من أجل التغيير " ، " كفايه "
أصح ما يمكن أن يفسر التأثير الذى أحدثته " الحركة المصرية من أجل التغيير " ،
" كفايه " فى مصر والعالم العربى ، هو نظرية " تأثير الفراشة " أو " Butterfly
Effect " ، وهى النظرية التى برزت فى السنوات القليلة الماضية لتفسير ظواهر الترابطات والتأثيرات المتبادلة ، والمتواترة ، التى تنجم عن حدث أول ، قد يكون بسيطا ً ورهيفا ً ، فى حد ذاته ، لكنه يولد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية ، والتى يفوق حجمها – بمراحل – حدث البداية ، وبشكل قد لا يتوقعه أحد ، أو يتنبأ بحدوثه إنسان ، وفى أماكن أبعد ما يكون عن التوقع ، وهو ما عبر عنه مفسرو هذه النظرية بشكل تمثيلى يقول ما معناه ، أن رفـّة جناحى فراشة فى الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة فى أبعد
الأماكن ، أمريكا ، أو أوروبا ، أو بلدان عالمنا " الثالث " على سبيل المثال ! .
فحركة " كفايه " لم تكن تملك وقت انطلاقتها ما كانت تملكه الأحزاب السياسية ،
القائمة ، مما يوصف بـ ( المشروعية ! ) ، ولا كانت تملك مقدرات هذه الأحزاب أو مقارها أو جرائدها ومنابرها الأخرى ، وهى – كذلك – لم تضم فى عضويتها بداية ً ، الآلاف المؤلفة التى ضمتها عضوية جماعة " الأخوان المسلمون " ، على سبيل المثال ، أو كان لديها إمكاناتها المادية الهائلة ، أو شعارها التعبوى النافذ : " الإسلام هو الحل " ، وهى – أيضا ً لم تكن تملك جهاز الدولة وقدراتها وإعلامها وسلطاتها ، التى كان يملكها " الحزب الوطنى " ، . . . ألخ .
ومع هذا فعلت حركة " كفايه " ما لم يفعله كل هؤلاء مجتمعين : استطاعت أن تهز ركود مجتمع ران عليه الجمود حتى كاد يدخل فى غيبوبة أبدية ، وقهره الخوف حتى كاد يموت خشية ً ورهبة ً ، وتسببت " رفة جناحى " فراشة " كفايه " فى إيقاظ قطاعات متعاظمة من المجتمع ، وحفزها على الحركة ، كالقضاة وأساتذة الجامعات والصحفيين والفنانين والأدباء . . . بل والأطفال أيضا ً ، بنفس الطريقة التى تجعل رفات جناحى الفراشة ، ( الصينية ) الرهيفة ، قادرة على الدفع بالأمواج العاتية ، إلى اجتياح أبعد الحدود ! .
فلا مراء إذن – وباعتراف كل الآراء الموضوعية – أنه لولا المبادرة الشجاعة
لـ " كفايه " لتعطلت ، أو لتأخرت كثيرا ً ، فى أحسن الأحوال ، حالة الحراك السياسى الهائل ، التى شهدها المجتمع المصرى طوال عام 2005 ، ولا زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن ، والتى كان من نتيجتها مستوى الصراع المحتدم الذى شهدته ( انتخابات ) الرئاسة ( لأول مرة فى تاريخ مصر ) ، رغم كل ما شابها من ملابسات ، وانتخابات مجلس الشعب ( على ما شهدته من وقائع وما ترتب عليها من نتائج ) . . والزلازل المتتابعة التى شهدتها جماعة الأخوان [ مما دفعها إلى النزول إلى الشارع ، فى أعقاب مظاهرات " كفايه " ، بضغط من القواعد ] ، والأحزاب السياسية التى لا زالت تعانى من أصداء " كفايه " وتفاعلاتها ، بل وحتى رئيس الجمهورية ذاته ، الذى لجأ – لأول مرة فى التاريخ – إلى طلب أصوات الشعب ، بعد أن ارتفع صوت " كفايه " ، وشعارها المدوى : " لا للتمديد . . لا للتوريث " ، والذى أنهى – بضربة ماهرة – عقود من الاستعلاء والاستغناء ، على ، وعن ، الناس وأصواتهم ، وُمنزلا ً الرئيس من عليائه حيث يشمخ الفرعون / الإله ، إلى الأرض حيث يقف بين البشر من أبناء الشعب ، منزوعا ً عنه ، وعن أسرته وذريته ، هالة القداسة المتوارثة ، فى إنجاز غير مسبوق فى التاريخ المصرى التليد! .
لعل هذا ما يفسر ، على نحو من النواحى ، لماذا احتلت أخبار " الحركة المصرية من أجل التغيير " ، التى صارت تعرف باسمها الموحى المختصر : " كفايه " ، موقعا ً مميزا ً فى صدارة الأخبار العربية والعالمية ، وعلى مواقع الشبكة العالمية للمعلومات ، الانترنت ، وفى نشرات الأخبار فى الفضائيات التى تلف الكون ليل نهار ، ولا يعود الفضل لجهودها وحدها فى هذا الانتشار ، إنما يعود ، فى الواقع ، إلى أن أخبارها تصدر عن مصر " المحروسة " ،
" أم الدنيا " وشاغلة الناس ، ومحط اهتمام العرب والعجم ، فى القوة والضعف ، والسراء والضراء ، مصر " البلد الأهم فى العالم " ، كما نقل " اللورد كرومر " عن " نابليون
بونابرت " فى استشهاده الشهير ! .
لقد ألقت حركة " كفايه " حجرا ً فى مياة البركة الآسنة ، فأثارت زوابع ، وحركت ركودا ً استطال حتى ظن البعض أنه سرمدى لا نهاية له ، ولا مخرج من نفقه الأسود الذى ابتلع كل شيء ! ، ووصّف البعض الآخر الوضع بأنه : " موت للسياسة " ، وإذا ماتت السياسة
[ بالمعنى العام ، أى الاهتمام بالإنسان ، وبالوطن ، وبالكون ، وبالشأن العابر للذات ] ، ماتت أشياء كثيرة ، على رأسها الإنسان نفسه ، وإحياء روح هذا الإنسان هو عمل السياسة الأسمى ، وهدف حركة " كفايه " الرئيسى ( السياسة هنا بمعناها الفلسفى الأعمق ) ، فكل المشاريع الجسورة للبناء ، والتقدم ، والقدرة على الإنجاز ، واجتياز عتبات التحول ، مرهونة – فى المقام الأول – بتوفر المادة الخام لعملية التطوير ، أى الكائن البشرى ، ( كفرد ، ثم كجماعة ) ، وهذا الكائن ، أو " المواطن " ، كما تعارف الجميع على تسميته فى المجتمعات الحديثة ، قد تم سحقه سحقا ً فى بلادنا ، على يد نظم الاحتلال " الأجنبى " ، ثم الاحتلال " الوطنى " ، أى تلك النظم التى ورثت عهود الاستعمار الغربى ، فمارس أغلبها بطشا ً أشد هولا ً بمواطنيه و" بنى جلدته " ، يهون بمقارنته – أحيانا ً – ما كان يقترفه الأجنبى بحق الشعوب المحتلة ، ودفعت بلادنا أكلافا ً باهظة ، ثمنا ً لنزوات هذه الأنظمة المزاجية المهلكة ، ولعشوائية إدارتها ، التى لم ينج من تدميرها إلا جهازها الأمنى الباطش ( الكفؤ ) ، الموروث من " الأنظمة البائدة " ذاتها ! .
وإذا كانت حركة " كفايه " قد استطاعت تحقيق هذا الإنجاز الكبير فى وقت قياسى : كسر حاجز الخوف وثقافة الترويع والاستبداد التى استندت إليها السلطة فى إدامة سيطرتها على الأوضاع فى البلاد ، خلال فترة قياسية لا تتعدى السنة وبضعة أشهر ، فلا مراء أن ما تحقق لم يكن وليد عمل حركة " كفايه " وحدها ، ذلك أن جهود حركة " كفايه " لم تنبت من فراغ ، ولا هى كانت منبتة الجذور عن مسار كفاح الشعب المصرى وقواة الوطنية والديمقراطية على مر تاريخه الحديث والمعاصر . إن حركة " كفايه " هى الامتداد الطبيعى لكفاح كل الوطنيين المصريين من أجل الحرية والاستقلال : حرية الإنسان المصرى واستقلال الإرادة الوطنية ، ورايات وشعارات المطالبة الشعبية بجلاء الاحتلال وحماية الدستور ، وجدت صداها فى كل رايات وشعارات حركة " كفاية " ، التى ضمت خلاصة الرموز الوطنية والمثقفين الديمقراطيين النابهين ، وكل الحريصين على مستقبل هذا الوطن ، من كل الاتجاهات الوطنية والديمقراطية التى تكون النسيج الوطنى المصرى الواحد .
لقد كان من دواعى شرف وافتخار كاتب هذه السطور ، أن عاصر مسيرة حركة
" كفايه " منذ أن كانت هاجسا ً ، ففكرة ً ، فاقتراحا ً ، فكيانا ً وليدا ً . . إلى أن أصبح هيئة نضالية ملء الأسماع والأبصار ، انتشر إسمها ليس داخل مصر وحسب ، وإنما تجاوزها إلى أرجاء الوطن العربى ، والعالم أجمع ، الذى تابع باهتمام بروز هذا الكيان النضالى الجديد ، بما تميزت به عناصره من شجاعة وإبداع وقدرة على المبادرة والإبتكار ، وكان نزول مناضلى حركة " كفايه " إلى الشارع المصرى حدثا ً اهتمت به وسائل الإعلام المحلية والعربية
والدولية ، كما اهتمت بمصائر مناضليه المعتقلين ، الذين قدموا نموذجا ً بطوليا فى الصمود واحتمال الأذى فى سبيل القضية .
ولقد ساعد وجودى فى المجموعة المؤسسة لحركة " كفايه " على الاقتراب الحميم من كل مراحل تطورها ، والمشاركة فى المعارك التى خاضتها الحركة على امتداد تاريخها القصير العامر بالتطورات والمعارك ، وهيأ لى هذا الاقتراب الفرصة للتعبير عن كثير من آرائها ورؤاها ، وشرح العديد من مواقفها وتحركاتها ، والدفاع عن روحها وكيانها ضد خصومها وأعدائها ، وتوضيح ما استغلق على الإفهام من قراراتها .
وقد ضممت بين دفتى هذا الكتاب أطرافا ً وأصداءا ً لهذه المعارك التى امتدت على مدار العام ونصف العام المنصوم ، حاولت من خلالها أن أعكس صورة من صور الصراع المحتدم حول أولويات عملية التغيير الديمقراطى فى المجتمع ، التغيير على أساس وطنى يستهدف خير ومصلحة الوطن والشعب ، وليس بدافع التجاوب مع البرنامج الأمريكى لإعادة رسم خرائط المنطقة فيما عرف بـ " مشروع الشرق الأوسط الكبير " استجابة وتحقيقا ً لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية فى المقام الأول ، وهو هدف التغيير الذى وضعته حركة " كفايه " نصب أعينها ، وحرصت على ألا تحيد عنه ، على الرغم من الإدعاءات والأكاذيب الرخيصة التى أطلقتها السلطة التابعة ، والتى لا تخرج فى حركتها عن المسار الأمريكى قيد أنملة (!) مستهدفة تشوية الحركة ، والتشويش على نجاحاتها ، وشارك في ذلك ، للأسف الشديد ، بعض ضيقى الأفق من ( الوطنيين ) ، الذين يخدمون قوى الاستبداد والتسلط ، بتينى موقف تأجيل أى مطالب ديمقراطية إلى ما لا نهاية ، انطلاقا ً من تصور قاصر أن كل من يطالب بالديمقراطية والحرية فى بلادنا يخدم المخطط الأمريكى ، ويسلب النظم العربية الحاكمة القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية عليها (!) ، وتتجاهل هذه الآراء القاصرة حقيقتين دامغتين ، فى هذا السياق .
الأولى : أن النظم العربية ، هى فى مجملها ، نظم تابعة أو عميلة ، تدين فى وجودها – بالأساس – لرضا سيد البيت الأبيض وسدنته ، وهو أمر اعترفت به " كونداليزا رايس " ، وزيرة الخارجية الأمريكية ، منذ أشهر ، حينما أقرت بأن الولايات المتحدة دعمت – على مدى العقود الستة الماضية – الأنظمة الاستبدادية القامعة للحرية فى منطقتنا .
والثانية : أن وهم إمكانية مقاومة مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية ، فى ظل أنظمة القهر والتسلط الحاكمة ، هو أمر غير ممكن بأى صورة من الصور ، لا بواسطة النظم التابعة التى ليس فى واردها ، من الأصل ، مقاومة هذه المشاريع ، ولا عن طريق الشعوب ، المغلوبة على أمرها ، والمحكومة بالنار والحديد ، وبما لا يجعلها قادرة – بأى حال من الأحوال – على المساهمة بأى مستوى ، فى صد التهديدات الخطيرة المحيطة .
إن حرية المواطن شرط رئيسى لتحقيق ولضمان حرية الوطن ، وبدون تحقق هذا الشرط لا حرية للأنسان أو للأوطان ، إلا فى الخيال المريض للذين يهاجمون حركة " كفايه " وباقى القوى المنادبة بالديمقراطية والحريات لشعبنا ، بادعاء ساذج أن أى مطالب ديمقراطية الآن يقف من خلفها الإمبريالية الأمريكية ، مع أن الولايات المتحدة أعلنت مرارا ً تكرارا ً ، أن مصالحها أهم من المبادئ ، وأنها ستنحاز لهذه المصالح إذا تعارضت مع الديمقراطية ، وقد فعلت ذلك عشرات المرات ، وهو ما يضرب – فى الأساس – هذه المزاعم ويعرى فقر فكر من يقف خلف ترويجها ! .
ومن نافل القول أن أشير فى نهاية هذه الخاتمة ، إلى أن ما تضمنه هذا الكتاب من اوراق ومقالات ، كتبت فى سياق متسارع ، شديد الوطأة ، ولم تتوفر لكاتبها أبدأ الظروف ولا الوقت المناسب لكتابتها بتأن ، ولإعادة مراجعتها فى هدوء ، فهى أوراق كتبت فى أتون معركة لم تهدأ لحظة ، واستهدفت الدفاع عن قضية عادلة ، وحركة نشطة ، فى مواجهة موجات من البطش الأمنى ، والترويع النفسى ، والتشوية السياسى المقصود ، استخدمت فيه الدولة كل أجهزتها ، والنظام كل خبراته وأمكاناته ، وشارك فيها زبانية القهر الذين استفزهم صوت " كفايه " الذى كسر حاجز الصمت ، فحاولوا – بكل طاقتهم – وأده فى المهد ، قبل أن يستوى على عوده ! .
غير أنها ، وبرغم ذلك ، وربما لذلك بالتحديد ، يمكن أن يكون لها فائدة حقيقية فى رسم صورة بانورامية للحركة وأبعادها ، ومسارها وأهدافها ، ومعاركها ومواقفها ، ومشكلاتها وقضاياها ، وهى حالة دائمة التجدد والتطور والاكتمال ، ويشارك فى صنعها الآلاف من أعضاء حركة " كفايه " على امتداد مصر كلها .
- 1109 reads

علِّق