- No upcoming events available
هويدا طه
صديقة لبنانية كنت أجلس معها نحتسي القهوة في مقهي به شاشة تليفزيون كبيرة، وكالعادة لا يتابع أغلب الناس هذه الأيام إلا قناة الجزيرة، نتابعها ليلا نهارا..
بل ونترك التليفزيون مفتوحا عليها عند النوم لنستقبل (آخر الأخبار) عندما نفتح عيوننا في الصباح، كنا نشرب قهوتنا في اليوم الأخير قبل وقف (العمليات الحربية)، تلك العمليات التي اجتهد المحللون المساكين ضيوف الفضائيات ليشرحوا لأمثالنا من المواطنين العاديين ـ الذين لا يعرفون دهاليز مصطلحات الأمم المتحدة ـ الفرق بين وقفها ووقف إطلاق النار! في ذلك اليوم راحت تطل علينا من شريط (الخبر العاجل) أخبار عن كمائن صنعها مقاتلو حزب الله لقوات إسرائيلية في الساعات الأخيرة قبل وقف العمليات أو النار في أقصي جنوب لبنان، ورحنا نتابع الأعداد.. شريط عاجل وراء آخر.. سقوط 25 جنديا إسرائيليا في كمين.. مقتل 12 جنديا إسرائيليا في اشتباكات عنيفة.. وهكذا توالت أعداد (لا بأس بها!) من الإسرائيليين علي الشريط.. فما كان من صديقتي اللبنانية الجميلة إلا أن هتفت بعفوية: يقبركم الله انشالله.. شو.. عم بتقعوا مثل الصراصير !
عندما تكون مؤمنا بالإنسان كإنسان وحقه في (الحرية والعدالة) ـ أيا كان لونه وعرقه ودينه وقوته ـ فإنك بلا شك (تكره القتل) كظاهرة إنسانية بغيضة، لكنك وعندما تختار أن تكون مقاوما مناهضا لأعداء كلتيهما الحرية والعدالة.. فإنك تري القتل بعين أخري.. لا تقاوم (الفرحة بقتل) الأعداء وتسميها ـ من باب التوازن النفسي ـ خسائر في صفوف العدو! وعندما تتشوق إلي انتصار الحرية والعدالة ثم يحققه لك أحدهم دون أن تدفع معه شيئا من الثمن فإنك تفرح أيضا، لكنك في الحالتين ينتابك شعور بأنها (الفرحة الآثمة)، فرحة أولي بالقتل.. باعتباره يستهدف (عدوا أذلك وأذل الحرية والعدالة عقودا من الزمن) فيتوه منك حينئذ الإحساس بأن (الفرحة بالقتل ذاتها.. هي بذاتها فرحة آثمة.. علي الأقل كما تقول دائما) ثم تفرح به نصرا في ثاني أنواع الفرح.. لكنك سرعان ما تقر بأنه نصر يحققه لك آخرون.. فرحتك به (فرحة آثمة بشيء ثمين باهظ الثمن تناله دون أن تساهم فيه) كل مساهمتك فيه هي متابعته علي شاشات التليفزيون، هكذا كان شهر لبنان الأليم.. فرحة آثمة بالقتل وفرحة آثمة بنصر تناله مجانيا.. تعلقنا بالتليفزيون وبشريط (الخبر العاجل) وكانت قلوبنا تدق عندما تقرأ فيه (حزب الله يعلن أنه أسقط.. قتل.. دمر.. أحرق...إلخ)، لأن القتل والتدمير والحرق كان لقوات إسرائيل وآلياتها، ثم نعود لنتألم عند متابعتنا ـ التي لا يجبرنا عليها أحد ـ لصور اللبنانيين الجرحي المهجرين النازحين المشردين في أرجاء لبنان فرارا من الجحيم.. جحيم القتل اللاأخلاقي الذي مارسه العدو.. ثم نتذكر أن القتل شيء غير مفرح.. ثم سرعان ما تذكر نفسك بأن (هؤلاء الأعداء يحق عليهم القتل طالما هم أنفسهم بلا أخلاق أو رحمة يقتلون كل كائن حي في الجوار) ثم تعود لتسأل نفسك لو أن تلك الحرب علي أرضي وهؤلاء المشردين من أهلي وأولئك القتلي إخوتي وجيراني وذلك الدمار للبيوت والزرع ومظاهر الحياة كانت لأشيائي وأشياء عائلتي.. تري كيف كنا سنقيم (الفرحة بالنصر)؟! انتهي شهر القتل إذن في لبنان.. راحت السكرة وجاءت الفكرة.. تحسم النزاع الداخلي في نفسك.. قد يكون القتل بذاته فكرة لا إنسانية.. لكن.. لعلها تكون في قمة الإنسانية إذا كان القتل.. قتلا للصراصير!
بعد ان انتهت متابعتها لشهر القتل في لبنان:
الفضائيات تعود إلي قتيلها المعتاد.. القتيل الفلسطيني!
العدو الدائم للعربي هو إسرائيل.. هذا ما نعرفه منذ نعومة الأظفار.. ويبدو أنه سيستمر حتي اللحد.. علي الأقل بالنسبة إلي بعضنا، وبينما يكون اللبناني أو المصري أو السوري هدفا إسرائيليا في عام أو آخر.. في مرحلة أو أخري.. فإن الفلسطيني هو الهدف الدائم اليومي لرصاص إسرائيل، الآن.. وبينما صارت نافذة المواطن العربي الوحيدة علي المقاومة هي الفضائيات.. ومنذ انتشارها في الفضاء العربي.. فإن موقف هذه الفضائية أو تلك من القضية الفلسطينية والقتيل/الشهيد الفلسطيني هو موقف يؤخذ كوسيلة تصنيف لهوي هذه الفضائية أو تلك، الشهر الماضي كان لبنانيا بطبيعة الحال علي كل الشاشات، كانت أخبار العدوان الإسرائيلي الدائم علي غزة وأهلها وبيوتها وأشجارها تأتي في ذيل الأخبار (أو لا تأتي علي الإطلاق حسب مقدار مفاجآت حزب الله)، الآن ستخف تدريجيا المتابعة للحالة اللبنانية التي جاءت مفاجآت ـ في مسيرتها ونتائجها ـ وستعود الفضائيات إلي خبزها اليومي المعتاد: قتلي غزة.. اختطاف إسرائيل لأعضاء حكومة السلطة الفلسطينية.. قذائف الهاون لكتائب الأقصي والقدس وغيرها من الكتائب علي المستوطنات الإسرائيلية.. حكومة حماس والصراع الخفي بينها وبين حركة فتح المتهمة بالفساد علي سلطة هي سلطة علي شيء لا هو دولة ولا هو حكم ذاتي أو محلي ولا هو شيء علي الإطلاق.. و.. و.. إلخ من مفردات الحالة الفلسطينية! لون مختلف من المقاومة.. لا يشبه حزب الله.. فالفلسطيني من حماس كان أو من الجهاد أو كان من فتح أو الجبهة الشعبية.. هو مقاوم لاحتلال متجذر في الأرض ويعيش عليها مع فريسته.. والفلسطيني لا ترقي مصادر تمويله ولا طبيعة أرضه وعلاقته بالاحتلال إلي درجة أن يحوز سلاحا وجيشا أو شبه جيش مثل حزب الله.. واقتصاده خاضع تماما لإسرائيل ومطالبه أصعب من مطالب لبنان حزب الله.. ولا تسانده مالا وعتادا وفكرا دولة مثل إيران أو غيرها.. وتخلي عنه العرب إلا من التأسف علي دمه المسكوب علي شاشات التليفزيون.. باختصار حالته حالة كرب! قتلي غزة لم يأخذوا نصيبهم المعتاد علي شاشات التليفزيون في الشهر الماضي لأن قتلي حيفا كانوا الأكثر جاذبية! الآن وبعودتهم إلي صدارة الأخبار تنتبه رغما عنك إلي شيء مفزع جعلته الفضائيات (عاديا) عمدا أو بلا قصد.. لا نعرف، هذا الشيء المفزع هو ترسخ الشعور ـ أو اللا شعور ـ بأن قتيل غزة منذ أرقدته الفضائيات ليلا ونهارا علي شاشاتها هو (القتيل المعتاد).
ريموت كنترول
خطاب الرئيس بشار الأسد الذي وجهه عبر التليفزيون للعالم العربي كان ذا لهجة شديدة.. تدين حكام العرب التابعين لإسرائيل وتقر المقاومة سبيلا وحيدا لتحقيق سلام كريم، حسنا.. كان الخطاب جيدا.. وفخر سورية بنصر حزب الله هو بطبيعة الحال حق لها بصفتها داعما يقدم دعما لا محدودا لهذا الحزب.. لكن.. هناك نقطة الضعف تلك في الموقف السوري التي لا يستطيع لا الأسد ولا أي من أشباله أن يبررها! أولا لماذا لا (تقاوم) سورية المحتل الرابض علي أرضها.. وثانيا.. إذا كان لبنانيو الجنوب رغم ما عانوه التفوا حول قائدهم.. وأظهروا حبهم ودعمهم له مهما كانت التضحية فإن لذلك سببا واضحا.. حزب الله وقائده يقاوم إسرائيل لكنه (لا يقهر جمهوره) بينما المواطن السوري.. يا إلهي.. ما هو موقفه إذا ـ بعد كل ما ناله من قهر علي يد نظامه الحاكم ـ دخل قائده حربا مع إسرائيل؟!.. هل تكفي (مقولات) الأسد عن المقاومة كي يدعمه شعب مقهور ويضحي من أجل شعاراته؟ كانت شعارات صدام حسين أروع! لكن عندما خاض حربه.. تركه شعبه المقهور يخوضها وحده.. الأسد وهو يتحدث عن (المقاومة) نسي أن المقهور ان قاوم.. لا يقاوم إلا من يقهره.
إيهود أولمرت ألقي خطابا بعد وقف الحرب.. طالب شعبه فيه بأشياء كان القادة العرب يطلبونها من شعوبهم.. الصبر.. الصمود.. إلخ، صحيح الأيام دول! أعلن حزينا قبول إسرائيل لقرار الأمم المتحدة.. وهي التي لم تقبل أبدا أو تنفذ أبدا قرارا لتلك الأمم العجيبة المتحدة، سمعنا خطابه فعرفنا كلمتين من العبرية وهو يقول سنلاحق حزب الله في كل مكان وكل زمان إذ تركت الجزيرة الكلمتين الأخيرتين بدون ترجمة.. (خُل مكون وخُل زمون)! هذا المهرج.. بدا خطابه وكأنه تمهيد علي الجبهة الإسرائيلية لـ، خطاب التنحي!
في لقاء مع قناة الجزيرة قال حمد بن جاسم وزير خارجية قطر إن الحكام العرب فوجئوا أن (المهمة) لم تنجزها إسرائيل في أسبوع أو اثنين كما توقعوا! وعندما سأله غسان بن جدو هل هذا أكيد قال له هذا أكيد ونوقش وراء الأبواب المغلقة!، عاد بن جدو وسأله: لنتكلم بصراحة هل صمود لبنان أحرج الأنظمة العربية.. فما كان من وزير الخارجية المثير للجدل إلا أن قال: لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال ! حسنا.. نشكرك.. فقد أجبت!
- 655 reads

أنافي بالفعل
علِّق