شرق أوسط جديد.. بأى معني؟!
Submitted by كفاية on الأربعاء, 16/08/2006 - 05:06.

أحمد بهاء الدين شعبان

فى أول تعليق لها حول مجريات العدوان الإسرائيلى الهمجى على الشعب اللبناني، أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، وبصورة صادمة، ما يشير إلى أن ما يحدث هو البشارة بميلاد ما أسمته -الشرق الأوسط الجديد-، ومفهوم -الشرق الأوسط الجديد- الذى استخدمته كونداليزا رايس، هو مفهوم مراوغ، ملتبس، يتضمن فى ذاته دلالات مريبة، ولعلنا نستعيد بهذه المناسبة من ملفات الذاكرة، أن صاحب امتياز هذا الاسم هو شيمون بيريز، المسئول الإسرائيلى وقطب حزب العمل الشهير

 



وكان فى خلفية طرح مشروع -الشرق الأوسط الجديد- كما بشر به شيمون بيريز ومريدوه -وبعضهم عرب!!- مجموعة من الأسباب، والدوافع لعل من أهمها انقضاء حقبة -الحرب الباردة- بسقوط الاتحاد السوفيتى والكتلة الاشتراكية فى أوائل التسعينيات وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على شئون الكون من دون منازع، والتردى العربى العام وتفسخ النظام الاقليمى بصورة بدا ممكنا فى ثناياها تحقيق الأهداف الصهيونية فى إتمام الهيمنة على الوضع فى المنطقة، بالقدرة الاقتصادية، بعدما تم فرض الإذعان السياسى والعسكرى عليها. وكذلك تداعيات ما بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 وما أثارته من تطورات، وغيرها من العناصر التى كان من أبرزها عملية -التطويع- التى جرت على منظمة التحرير الفلسطينية بواسطة عناصر الضغط الدولى والمحلى والاقليمي، والتى جعلتها تتنازل خطوة بعد خطوة عن موقفها الأولي، وتتراجع عن رفض الاعتراف بالعدو الصهيونى قبل ضمان الحصول على أدنى حد من الحقوق، وتغييرها -الميثاق الوطني-.. وبكلمة.. اندراجها فى مسار النظم العربية، التى كانت فى معظمها قد سلمت أوراقها للسيد الأمريكي، وقنعت برضاه عنها بديلا عن أى موقف آخر!.
ومن هنا جاء مشروع -الشرق الأوسط الجديد- متكيفا مع هذه الظروف المستجدة، دون أن يتخلى بأى صورة من الصور عن مستهدفاته الاستراتيجية الثابتة، مستهدفات المشروع الصهيونى الإمبريالى الأصلي، لكنها هذه المرة مع -التحوير- الضرورى الملائم، الذى عبر عنه اسحق رابين رئيس الوزراء الصهيونى المقتول، قبل اغتياله، بقوله ساخرا من -فجاجة- معارضيه من حزب الليكود وضيق منظورهم!: -إن هؤلاء يقيسون قوة إسرائيل بمساحة ما تستولى عليه من أراض، أما نحن فنقيس قوة إسرائيل بمقدار ما تسيطر عليه من أسواق- الأهرام 14/11/1994.
وكان أحد الأهداف المهمة لهذا الطرح، استبدال -الهوية العربية-، التاريخية والثقافية للمنطقة، بأخرى مصطنعة، مشوشة، مائعة، هى -الهوية الشرق أوسطية- التى تعنى إذابة العرب فى كيان هلامى غير واضح المعالم، أوضح ما فيه هو خضوعه للهيمنة الإسرائيلية المباشرة والكاملة، وقد تطور هذا الطرح فى أعقاب 11 سبتمبر وما تلاه من تداعيات أبرزها احتلال العراق وتدمير بنيته المؤسسية، وتحول دولة المنطقة وبالذات الخليجية إلى مستعمرات وقواعد عسكرية ومراكز استخباراتية وإدارية لآلة الحرب الأمريكية، التى رأت أنه من الصالح لها التدخل المباشر لفرض السيطرة على منابع النفط العربي، من غير وسيط!. وتقدم مشروع الهيمنة الأمريكى فى هذا السياق بتطوير أمريكى ل -مشروع الشرق الأوسط الجديد- وطرحه فى صورة مستحدثة باسم -الشرق الأوسط الكبير- روج لها الرئيس بوش وأركان حربه، وعلى رأسهم وزيرة الخارجية كونداليزا رايس، ونائب الرئيس ديك تشينى ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وغيرهم من أركان الإدارة الأمريكية.
وفحوى -مشروع الشرق الأوسط الكبير-، كما قدمه الشراح الأمريكيون يتبلور فى عملية مزدوجة، لتفكيك وإعادة تركيب دول المنطقة بإجراء تقسيمات وتخطيطات جديدة تعيد رسم خرائطها على النحو الذى يضمن المصالح العليا الأمريكية وأساسا: البترول وإسرائيل باستخدام القوة والتدخل المباشر، فى مسار مشابه لما جرى عام 1916 حينما تم تقاسم تركة -الرجل العثمانى المريض-، بين الامبراطوريات الغربية المهيمنة آنذاك وبالذات الامبراطوريتان البريطانية والفرنسية!.
وإذا كان مطلع النصف الثانى من القرن المنصرم قد شهد بزوغ توازن جديد للقوي، صعدت فيه الامبراطورية الأمريكية إلى المقدمة، على حساب تراجع الامبراطوريتين: الإنجليزية والفرنسية، فقد شهد نهايته اندحار القطب المنافس الاتحاد السوفيتى وانهياره، وتفرد الولايات المتحدة وهيمنتها على النحو الذى جعلها تسيطر على مقاليد إدارة الكون، دون منازع، ووفر لها الشروط الضرورية للضغط من أجل تحقيق إعادة تقاسم جديد للنفوذ فى العالم، مبنى على موازين القوى الاقتصادية والعسكرية والثقافية الجديدة، والتى تصب كلها فى خدمة المصلحة الأمريكية، ومن هنا فقد أتى مشروع -الشرق الأوسط الكبير- عاكسا لطموحات هذه القوة المتفردة الجامحة، لصياغة توازن جديد مبنى على قياس حقيقى للأوضاع النسبية الجديدة للمراكز الرأسمالية العالمية، أى لمصلحة الطرف الأمريكى بشكل رئيسي.
وقد اعترض التسارع فى تنفيذ خطوات -مشروع الشرق الأوسط الكبير- تصاعد المقاومة العراقية الباسلة، والخسائر الهائلة التى منى بها الاحتلال الأمريكى للعراق، وأدى إلى عملية استنزاف متصاعد للقدرة الأمريكية، العسكرية والاقتصادية، التى بدأت رويدا رويدا، تغرق فى الرمال المتحركة ل -المستنقع العراقي-، وهو ما راح يستدعى فى السيكولوجيا الأمريكية كوابيس التورط الأمريكى فى فيتنام والهزيمة القاسية التى مرغت أنف الولايات المتحدة فى التراب.
لكن الأمر الجديد، فى مشروع -الشرق الأوسط الجديد- الذى أعلنته كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، مؤخرا، هو توقيت إعلانه وظرفه، فاللافت فى الأمر أنه أعلن عشية تدمير لبنان، مع التأكيد على عدم الموافقة الأمريكية على إيقاف القصف الإسرائيلى الوحشي، وهو ما يعنى عدة رسائل متداخلة ذات دلالة، لا تخفى على لبيب، منها:


ويحوى هذا التواجه إنذارا قاطعا لكل من تسول له نفسه الاعتراض أو إبداء أى قدر من الرفض، فالمصير واضح والنهاية معروفة!.

كذلك فإن انكسار -نظرية الأمن الإسرائيلي- بوصول صواريخ حزب الله إلى بوارج العدو الإسرائيلى ومستعمراته ومدنه، رغم كل الادعاءات الإسرائيلية يؤدى وخاصة مع -تزايد الخسائر الصهيونية البشرية- إلى تراكم عناصر سلبية، من المنظور الإسرائيلي، قد يصبح لها تأثير قوى فى الفترة القريبة المقبلة.
إن واجب القوى الشعبية الآن، هو مزيد من العمل لفضح أبعاد مؤامرة العدوان على شعبى فلسطين ولبنان الآن، وشعب العراق من قبل، ومزيد من الجهد لنصرة شعبى فلسطين ولبنان ومواجهة المؤامرات على ركائز المقاومة العربية الآن، وبالذات فى الشعبين الفلسطينى واللبناني، كما أنها مطالبة بتعبئة الرأى العام المحلى والإقليمى والعالمى لمساندة شعبى فلسطين ولبنان، بكل السبل والمظاهر.
فالشعوب الآن هى الرقم الصعب الذى يستحيل تجاوزه، وقد أثبتت تجربة حرب فلسطين ولبنان، أن الشعوب لا تقهر، ولها الانتصار فى النهايه
الذى طرحه عبر كتابه الذى حمل اسم -the new middle east- صدر عن دار نشر -element- البريطانية عام 1994 وأصدرت -دار الجيل- بعمان الأردن ترجمة عربية له فى ذات العام، أو -الشرق الأوسط الجديد- وفيه طرح بيريز مفهوم لهذا -الشرق الأوسط- الذى بدا أنه على وشك ولوج حقبة جديدة، فى أعقاب انجاز التسوية الأمريكية للملف الفلسطينى الإسرائيلي، المتمثلة فى اتفاق أوسلو الموقع بين الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات، ورئيس الوزراء الإسرائيلى المغتال، اسحق رابين عام 1993. 1- الفرق بين -الشرق الأوسط الجديد-، الطبعة البيريزية، والشرق الأوسط الكبير، طبعة بوش، -والشرق الأوسط الجديد-، طبعة كوندي!، أن الأول كان يعتمد الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية كأداة للفرض، أما الثانى فكان يعتمد التدخل الأمريكى الغربي، بالقوة -الخشنة- و -اللينة- لتحقيقه، أما الثالث فهو يعتمد -التدمير المنظم- أو -الفوضى الخلاقة- أو -المدمرة- الإسرائيلية لفرضه، بالقوة والقهر، مع تحييد جميع النظم العربية، بالتهديد الصريح، والابتزاز الواضح. 2- اختفت تماما فى صيغة -كونداليزا رايس- ل -الشرق الأوسط الجديد- أى وعود بالرخاء الاقتصادى أو مزاعم بتطبيق الديمقراطية، واستبدلت استبدالا فجا، ببديل دموى وحشى هو الخراب والدم والقتل والترويع، على نحو ما تفعله آلة الحرب الإسرائيلية الهائجة فى لبنان. 3- وعلى عكس موجة الاحتجاجات، المعلنة والخفية، التى واجهت مشروعى -الشرق الأوسط الجديد- البيريزي، و-الشرق الأوسط الكبير- الذى قدمه جورج بوش، يأتى مشروع -الشرق الأوسط الجديد- الذى قدمته -رايس- فى ظروف ألجمت معظم النظم العربية وأعجزتها لا عن مجرد الاحتجاج أو إبداء أى قدر من الاعتراض، وإنما حتى عن التملص من إدانة جميع أشكال المقاومة العربية، أو التنصل من التهجم على حزب الله وحماس وغيرهما من القوى الرافضة.

العربي

علِّق

محتويات هذه الخانة سرية ولن تظهر للآخرين.
  • Allowed HTML tags: <span> <div> <br> <p> <quote> <blockquote> <table> <td> <tr> <h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <b> <i> <u> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.