- No upcoming events available
سفينة نوح- السياحية تغسل العار وتجعله أكثر بياضاً
Submitted by كفاية on الأربعاء, 16/08/2006 - 04:59.
-جمال فهمي
غادرت أرض الوطن حاملا بين الضلوع شعور الا يطاق بوجع المهانة والعجز والعار.. أمضيت فى الغربة أكثر قليلا من أسبوعين وأنا أجاهد جهاد الأبطال محاولا لأسباب صحية أن أنسى كل ما سمعته وقرأته من أقوال وأفعال وتصريحات الرئيس حسنى مبارك وكبار الموظفين والعاملين فى بلاط نظامه من أمثال السادة نظيف وأبوالغيط والذين على شاكلتهما حول المحرقة الإجرامية البشعة التى نصبها العدو الصهيونى على أرض لبنان وفلسطين. 1
قصارى القول وخلاصته أن محاولات العبد لله التوسل بالغربة لنسيان كل هذا الغثاء المحزن باءت بفشل عظيم، ولم أجن منها فى الواقع سوى تهييج الاحساس بتأنيب الضمير لأننى تركت حياض الوطن والأمة فيما كان شلال دماء الأهل يتدفق بغير انقطاع.
كنت مساء الأربعاء على متن الطائرة التى أعادتنى لأحضان الوطن، وبينما أنا فى حالة أشبه بمدمن تغلبه العادة فتنكسر إرادته ويتهاوى قراره بالكف عن إلحاق الأذى بنفسه والامتناع عن تناول الكيف المدمر وجدت نفسى أغالب ترددى وجذبت من يد زوجتى كل ما استطاعت الحصول عليه من الصحف المصرية التى وزعها طاقم الضيافة على الركاب.
سرحت عيناى بسرعة على العناوين، فإذا بى أقرأ عنوانا رئيسيا تكررت كلماته تقريبا، فى كل الصحف الحكومية الصادرة فى هذا اليوم فهى أجمعت على أن -مصر كلها ذهبت إلى بيروت-.. كيف ذهبت مصر كلها إلى بيروت، وماذا فعلت هناك إن شاء الله؟!.. تقول لك السطور التى تحت هذا العنوان إن الست الحكومة مشكورة شّكلت وفدا، أو بالأحرى -فوجا سياحيا- أمضى عدة ساعات فى العاصمة اللبنانية -ساح- وجال خلالها على القصور ومكاتب كبار المسئولين، وكان تشكيل وتصميم هذا الوفد على هيئة -سفينة نوح-، فقد حرصت الحكومة على أن يضم ممثلين و-عينات- من أجناس وأنواع واتجاهات مختلفة، فإلى جانب ثلة من الوزراء والأعضاء البارزين فى حزب الحكومة، ضم -الفوج- فنانين وكُتاب ورؤساء تحرير صحف حكومية وخاصة وحزبية، بالإضافة إلى بعض رؤساء الأحزاب الرسمية ممن تستطيع حضرتك أن تقول عنهم وفى بطن سيادتك بطيخة صيفى إن جيرانهم فى الشقق التى يسكنون فيها لم يتشرفوا بعد بمعرفة أسماء حضراتهم!!.
لكن الأهم من كل هؤلاء، وربما كان هو السر وراء اعتبار هذا الفوج السياحى يبدو فى نظر أبواق الإعلام الحكومى وكأنه -مصر كلها- وأكتر، أن ذلك -الفوج- شرفه الأستاذ جمال نجل الرئيس حسنى بالرئاسة الواقعية على رغم أن دواعى الأدب وحسن الأخلاق دفعت سيادته لأن يترك موقع الرئاسة الاسمية لواحد من رجاله المخلصين أى الوزير أنس الفقي!!.
وما أن انتهيت من قراءة تغطية الصحف لحدث ذهاب وفد -مصر كلها- إلى بيروت حتى أدركت مدى الأذى الذى ألحقته بنفسي، فقد سخنت رأسى من فرط الغيظ وشعرت بها وكأنها على وشك الاشتعال، وفى لحظة تصورت أننى أكلم نفسى وأن لا أحد غيرى يسمعني، لكنى فوجئت بزوجتى ترجونى أن أخفض صوتى بينما أنا أهتف متسائلا عن منبع كل هذه البجاحة التى تقف خلف اعتقاد النظام أن بمقدوره دائما علاج آثار أحط المواقف والسياسات وأكثرها فضائحية وضررا بمجرد تنظيم -حفلات- دعاية فجة وخايبة من هذا النوع، وكانت زوجتى تتابعنى بمزيج من الجزع والاشفاق وأنا أضرب كفا بكف متعجبا ومندهشا من تلك الثقة الغبية التى انتفخ بها أطفال أنابيب التوريث وهم يخططون لهذا -الفوج السياحي- باعتباره كاف لغسل وتنظيف الصورة القبيحة للنظام أمام عيون الناس!!.
لم تعطنى أبنتى أى فرصة حتى ألقى على مسامعها محاضرة أعددتها بمناسبة زيارتنا لمتحف بابلو بيكاسو فى مدينة برشلونة الأسبانية، فعلى رغم أن لوحة ال -جرنيكا- التى تعد الأكثر أهمية وشهرة بين فيض إبداعات الرسم الخالدة التى انجزها الفنان الأسبانى العظيم ليست، طبعا، ضمن مقتنيات المتحف، إلا أننى كنت أخطط أن أبدأ المحاضرة بقصة هذه اللوحة التى رسمها بيكاسو فى العام 1937 وخلد بها اسم مدينة -جرنيكا- الأسبانية التى تعرضت لمجزرة وحشية بعدما دكتها طائرات ألمانيا النازية يوم 26 أبريل 1937 التى أرسلها أودلف هتلر لدعم حليفه الديكتاتور فرانكو فى مواجهة الثوار الجمهوريين.
كانت نيتى أن أحكى لبنتى كيف أن -جرنيكا- وجدت بيكاسو الذى خلد ذكرى مجزرتها بعمل فنى متفوق واستثنائى فى قوته وقدرته التعبيرية، وأشرح لها مظاهر ومعالم عصر كان فيه الضمير الإنسانى حيا ومتيقظا ومرهفا لدرجة أن كبار المثقفين والمبدعين الحقيقيين وليس الرقاصين الذين أمنوا بحرية وكرامة و-شرف الإنسان- من أمثال كاتب فرنسا الكبير أندريه مالرو، كان عدد لا بأس به منهم لا يكتفى بالتعبيرعن مشاعر المؤازرة والتضامن مع الشعوب التى تناضل وتكافح من أجل حريتها وكرامتها، وإنما كانوا يقاتلون بأنفسهم مباشرة ويحملون السلاح دفاعا عن -شرف الإنسان-، على ما قال وفعل مالرو الفرنسى الذى شارك مع مبدعين آخرين الثوار الأسبان فى حربهم ضد ديكتاتورية وفاشية فرانكو.
كنت سأدعو ابنتى وها أنا أفعل علنا لأن تقارن بين مجزرة -جرنيكا- التى ارتكبها النازيون القدامى ومجازر قانا والشياح وجنين ورفح.. إلى آخر الجرائم والمجازر اليومية التى يقترفها الصهاينة والنازيون الجدد بدعم لا محدود من هتلر العصر الأبله دبليو بوش، وبتواطؤ من قطيع حكام أمتنا الذين يشبه أغلبهم ذلك الثور ذا القرون النافرة الذى وضعه بيكاسو فى ركن بارز من لوحة -جرنيكا- الخالدة.
ولو كانت زيارتنا لمتحف بيكاسو جاءت بعد واقعة تنظيم أطفال أنابيب التوريث لفوج -مصر كلها- السياحي، ربما كان الخزى والخجل سيمنعانى من أن أدعو ابنتى لكى تقارن بين ما فعله مالرو وما اقترفه بعض المشاركين فى هذه الرحلة السياحية من القلة التى تستحق العتاب لأنهم قبلوا الذهاب إلى بيروت وهى تحترق بالعدوان على متن طائرة عسكرية حصلت على تصريح مسبق من المجرمين الصهاينة الذين بقوا يعجنون عظام الأطفال والنساء بالأحجار والأشجار، بينما الفوج السياحى المصرى مشغول برص أعضائه فى باحة القصر الرئاسى اللبنانى لالتقاط صورة تذكارية تخلد تلك الخيبة التاريخية القوية.. ولا حول ولا قوة إلا بال فالرئيس لم يكتف بالانضمام للموقف غير المسبوق الذى اتخذه زميلاه عاهل أنا شخصيا أجهل الفرق بين العاهل والعاهة مملكة المرحوم سعود وعاهل مملكة الأردن، وهو موقف أهدى العدو مظلة عربية لعدوانه المتوحش على لبنان مما دفع السفاح الصهيونى المتدرب إيهود أولمرت إلى مدح هذا الموقف واعتباره بحق بمثابة موافقة ودعم عربيين للعدوان، لكن ما زاد الطين بلة أن الإعلام الحكومى أخذ بعد ذلك ينقل تصريحات وألفاظا مدهشة منسوبة للرئيس من نوع -البتاع ده- وخلافه لم أجد لها تفسيرا أو تبريرا منطقيا إلا أنها نوع من التمادى والإمعان فى تنفيذ تلك السياسة الخرقاء التى انخرط فيها نظام مبارك مؤخرا مسقطا من حسابه كل اعتبار أو محظور وطنيا أو أخلاقيا فى سبيل إظهار استعداده لعمل أى شيء بما فى ذلك تقديم الهدايا المجانية للعدو الإسرائيلي، والإفراط المشين فى مدح وتقريظ قادة كيانه المجرمين واستقبالهم عمال على بطال على أمل أن يرضى الأسياد فى واشنطن ويقدمون الدعم الذى يستقوى به النظام على الشعب المصرى لوقف تصاعد مظاهر التململ والغضب التى تمثلت فى ارتفاع الأصوات المطالبة بالحرية والديمقراطية والخلاص من حالة السطو المسلح بالقمع والتزوير والبلطجة على سلطة الحكم فى البلاد. 2
- 801 reads
( categories: )

مبارك الإبن : عن
علِّق