- No upcoming events available
كتب د. حسن نافعة
تجري علي أرض لبنان، منذ أكثر من شهر، ملحمة كبري تبدو من فرط هيبتها، وكأنها معجزة، لم يكن أحد يتصور أن يقع مثلها في هذا الزمن العربي الرديء. وربما يتصور البعض أننا نقصد بهذه الملحمة -المعجزة صمود المقاومة المسلحة، بقيادة حزب الله وزعيمها الملهم حسن نصرالله.
فالواقع أن المتابعين للشأن اللبناني، لم يكن لديهم أي شك في قدرة مقاومة - سبق لها أن أجبرت الجيش الإسرائيلي علي الهرولة، منسحباً خارج الجنوب اللبناني، دون قيد أو شرط لأول مرة في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي علي الصمود. لهذا نقول: إن الملحمة التي يصنعها لبنان الآن، لا تتمثل في صمود المقاومة وحدها، ولكن في قدرة زعيمها حسن نصرالله علي إدارة معركة عسكرية وسياسية وإعلامية شاملة ،بهذا القدر المذهل من النجاح ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وتمكنه من إعادة توحيد صفوف الشعب والحكومة اللبنانية حول راية المقاومة، رغم الشرخ العميق الذي كان قد أصاب الحياة السياسية اللبنانية، عقب اغتيال رفيق الحريري، وفي زمن بدا فيه العالم العربي بحكامه وشعوبه مجرد غثاء كغثاء السيل، يقفون خارج التاريخ لا حول ولا قوة لهم!. ولإحاطة القارئ علما بمجمل أبعاد الصورة، التي صنعت هذه الملحمة - المعجزة، نستأذنه في التذكير بعدد من الحقائق الأساسية نجملها علي النحو التالي:
١- إن اعتداءات إسرائيل علي حزب الله وعلي جنوب لبنان، ومحاولة غزوه لم تتوقف قبل وبعد إنشاء حزب الله. وقد بلغت هذه المحاولات منذ حرب ٦٧ ست مرات: في ٦٨ و ٧٨ و٨٢ و ٩٣ و ٩٦ و ٢٠٠٠، أي أن العدوان الذي نشهده الآن علي لبنان، هو العدوان الإسرائيلي السابع منذ حرب ٦٧، وفي جميع هذه الحروب لم تكن الدولة اللبنانية في وضع يمكنها من رد هذه الاعتداءات وحماية مواطنيها.
٢- إن حزب الله لم ينشأ إلا عام ٨٣، أي بعد أن تكرر العدوان الإسرائيلي ثلاث مرات علي جنوب لبنان، والتي كان عدوان ٨٣ أكثرها ضراوة، وسبباً رئيسياً في قيامه. فقد قتل الإسرائيليون خلال هذا العدوان وحده ما لا يقل عن ٢٠٠٠٠ من الجنوبيين وجرحوا ٣٠٠٠٠ وشردوا مئات الآلاف، وواصلوا زحفهم حتي بيروت وحاصروها، وتسببوا مباشرة في مذابح صبرا وشاتيلا البشعة التي راح ضحيتها آلاف الفلسطينيين.
٣- إن الهدف الرئيسي لحزب الله منذ نشأته، وحتي الآن انحصر في مقاومة العدوان الإسرائيلي المتكرر، والدفاع عن أمن اللبنانيين في الجنوب وحمايتهم، في وقت لم تكن الدولة اللبنانية قادرة علي القيام بهذه الوظيفة الأساسية، بسبب الحرب الأهلية التي كانت مستعرة فيها منذ عام ١٩٧٦، ولم يشغل نفسه بأي قضية أخري، إلا في الحدود التي تؤثر علي قدرته علي المقاومة. وقد قامت عقيدة الحزب علي أساس أن إسرائيل هي الخطر الأساسي، ليس فقط علي أمن الجنوب اللبناني، وإنما أمن الأمتين العربية والإسلامية ككل.
٤- نأي الحزب بنفسه عن أي مهاترات طائفية أو مذهبية أو القيام بأي عمليات تمس المدنيين، أو خارج ساحة المواجهة المباشرة مع العدو، وبني شبكة تحالفاته مع القوي المحلية والإقليمية والدولية، علي أساس موقفها من المشروع الصهيوني، ومن طموحات الهيمنة الأمريكية علي المنطقة وعلي العالم، وليس علي أساس الانتماءات المذهبية والطائفية لحكامها أو قادتها، وهو ما يفسر تحالفه مع إيران (الشيعية) وسوريا (العلوية)، ومنظمات المقاومة الفلسطينية (السنية)، كما يفسر علاقاته المتميزة بالقوي المناهضة للهيمنة الأمريكية في العالم، خاصة في أمريكا اللاتينية، وفي هذا السياق، فإن القول بأن الحزب مجرد أداة في يد إيران أو سوريا، يأتي في سياق الحملات الإعلامية ضد حزب بأكثر مما يعبر عن معلومات صحيحة.
٥- اكتسب حزب الله خبرة قتالية كبيرة منذ قيادته للمقاومة في الجنوب اللبناني، وتصديه للحملات العسكرية علي الجنوب أعوام ٩٣ و ٩٦ و ٢٠٠٠، إلي أن تمكن من تحقيق انتصاره الحاسم، وتمكن من إجبار الاحتلال الإسرائيلي علي الانسحاب دون شروط.
٦- كان باستطاعة إسرائيل أن تسحب من حزب الله كل الذرائع، التي تبرر تمسكه بالاحتفاظ بسلاحه، والاستمرار في المقاومة لو أنها كانت قد قبلت الانسحاب من مزارع شبعا اللبنانية، والإفراج عن الأسري اللبنانيين، غير أنها وكعادتها دائماً فضلت الاحتفاظ بهذه القضايا معلقة وغير محسومة، علي أمل استخدامها كذريعة لنزع سلاح حزب الله بالقوة، أو لإجباره علي نزع سلاحه قبل حصول لبنان الدولة علي ضمانات كافية تحول دون تكرار العدوان عليه.
هذه الحقائق تبدو ضرورية لفهم ما جري للبنان وفيه خلال السنوات القليلة الماضية، حتي العدوان الأخير. فبعد انهيار اتفاق أوسلو علي المسار الفلسطيني، عقب فشل مؤتمر كامب ديفيد الثاني نهاية عام ٢٠٠٠، مهد الطريق لوصول شارون للسلطة، وسعت إسرائيل للاستفادة من وصول اليمين الأمريكي المتطرف بقيادة بوش الابن للسلطة في الولايات المتحدة، ثم لأحداث سبتمبر التي ضربت الولايات المتحدة في صيف عام ٢٠٠١، لإعادة تشكيل الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، بما يضمن فرض تسوية بالشروط الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه، تمكين الولايات المتحدة من تحقيق طموحاتها الإمبراطورية، وفرض هيمنتها المنفردة علي العالم. وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وما نجم عنه من تغير معادلات وموازين القوي الإقليمية، أصبحت الساحة اللبنانية مهيأة للضغط أكثر لنزع سلاح حزب الله. ولم يكن استصدار القرار ١٥٥٩ بمشاركة فرنسا، والذي تسبب في اغتيال رفيق الحريري، سوي إحدي وسائل هذا الضغط، الذي راحت حلقاته تتفاعل وتتشابك إلي أن انفجر الوضع برمته بعد عملية حزب الله النوعية ضد الجيش الإسرائيلي في ١٠ يوليو الماضي، والتي كان يمكن حصر نطاقها ومعالجتها كغيرها من حوادث كثيرة مشابهة، لولا صدور قرار أمريكي - إسرائيلي بتغيير قواعد اللعبة بالقوة العسكرية علي الساحة اللبنانية، بعد فشل محاولات تغييرها بالوسائل السياسية والمخابراتية.
بعد أكثر من شهر من عدوان إسرائيلي - أمريكي شامل ومفتوح علي لبنان، يتكشف المشهد اللبناني والشرق أوسطي عن مجموعة من الحقائق أهمها:
١- أن لدي الشعوب العربية استراتيجية بديلة لهزيمة المشروع الصهيوني، علي المدي الطويل قدم حزب الله نموذجاً ناجحاً ورائعاً لها علي الصعيد العسكري، وقدم الشعب اللبناني نموذجاً رائعاً وناجحاً لها علي صعيد المجتمع المدني، مما اضطر الحكومة والدولة اللبنانية لضبط موقفها علي إيقاعهما. وفي المحصلة بدا واضحاً أن ديمقراطية لبنان، رغم هشاشة مؤسساتها السياسية القائمة علي توازنات طائفية دقيقة وخطرة، مثلت حصن الأمان في مواجهة أعتي المخاطر.
٢- أن الأنظمة العربية تبدو في حالة إفلاس كامل. فلا كان بمقدور الدول الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل، استخدام علاقتها الخاصة بهما لحماية دولة عضو في الجامعة العربية من التدمير، ولو كان بمقدور النظام العربي دعم صمود المقاومة اللبنانية، واستثمار نجاحها لتغيير قواعد إدارة اللعبة السياسية في المنطقة لصالحها.
٣- أن الرهان علي الأمم المتحدة، وعلي مجلس الأمن رهان فاشل ما لم تتمكن الدول العربية من التعامل مع إسرائيل، باعتبارها الخطر الأساسي، وتحشد كل مواردها وإمكانياتها في مواجهته، وهو أمر غير وارد في ظل النظم العربية الراهنة.
لقد أصدر مجلس الأمن، وبعد شهر كامل من العدوان قراره رقم ١٧٠١، وهو قرار منحاز لإسرائيل بشكل واضح، لكنه كان يمكن أن يكون أكثر انحيازاً ما لم تصمد المقاومة اللبنانية ومعها الشعب اللبناني البطل. وستكون الأيام القادمة هي الأخطر، والأكثر حسماً في جولة المواجهة هذه، والتي لم تنته بعد. ولا جدال في أن الولايات المتحدة ستعمل كل ما في وسعها لتحقق لإسرائيل بالوسائل الدبوماسية، ما عجزت عن تحقيقه بالوسائل العسكرية. ففي القرار أمور كثيرة غامضة ستحاول الدبلوماسية الأمريكية تفسيرها لصالح اسرائيل، لذلك فإنني أتوقع أن تشتد العمليات العسكرية بدرجة خطيرة في الساعات، وربما الأيام التالية علي تبني القرار، إلي أن يتم البدء في تطبيقه علي الأرض، والذي أتوقع أن يواجه صعوبات كثيرة، لكن استمرار صمود المقاومة واستمرار التفاف الشعب اللبناني حولها، كفيل بتحقيق انتصار لا لبس فيه في هذه الجولة. ما أخشاه الآن أن ينجح أعداء لبنان في اختراق جبهته الداخلية قبل جني الثمار، ويجب أن يظل واضحاً أمام الجميع أن المقاومة هي حصن الدفاع الأول، فلا تنزعوا سلاحها قبل أن يتحقق سلام شامل
- 608 reads

نحن لأنعول علي
ان اسرائيل كانت
الأرهابي بوش
علِّق