- No upcoming events available
ذات يوم كتب إليّ أحدهم باطمئنان: عزيزي فلان أعدك بخمسمئة صفحة من المتعة. ومرت سنوات من غير أن يتحقق وعده الذي تأكد لي زيفه من خلال الإعجاب بالنفس الذي بدا علي ملامحه وهو يسلمني نسختي الممهورة بتوقيعه الكريم.
ولايشبه هذا الإهداء المتنفج إلا نقيضه المرسوم بحروف متضرعة: أرجو أن تعجبك هذه المحاولة المتواضعة.
في الحالتين يستطيع القارئ ـ من غير حاجة إلي فطنة خاصة ـ التأكد من أن الكاتب المسكين عاد من رحلته دون أن يعثر علي السر. ولذلك لايستقر في يدي كتاب بأحد هذه الإهداءات المتطرفة حتي أعرف أنني أمام مسؤولية تدبير مكان في مدفن لائق بلا أدني فضول أو تأنيب ضمير.
الإهداء، سواء أكان مطبوعاً موثقاً لصالح شخص بعينه، أم كان مكتوباً بخط اليد علي نسخة وحيدة لقارئ واحد علي نسخته الخاصة، هو أخطر نصوص الكتاب. وبعض من يرتكبون حماقة كتابة الكتب يعرفون ذلك ويحجمون عن كتابة الإهداء، إنّهم يتحاشون ما أمكنهم هذه المسؤولية الصعبة. وإن فعلوا ذلك مرغمين تتعثر كلماتهم في أذيالها.
لا يستقر في نفس المبدع تواضع العلماء، ولااطمئنانهم، بل حركة بندولية بين اليقين واللايقين، وأرجحة مدوخة بين هشاشة البشري وصلابة الإلهي.
من الهشاشة يولد التردد والرهبة من النص، والأرق المعذب والحافز علي الإجادة في الحين نفسه. ذلك الأرق الذي بلغ مداه مع فرانز كافكا فكاد يحرمنا من روايته المحاكمة وبمعني آخر كاد أن يترك عمارة القرن العشرين الروائية مهددة بالانهيار لو لم يقيض القدر من ينشر الرواية ويحفظ لهذا الفن واحداً من أمتن أعمدته.
الهشاشة واللايقين هما روح الرواية بالذات. وعلي العكس من الشاعر الذي يحتاج إلي قدر أكبر من صلابة الإلهي، لايحتاج الروائي منها إلا بمقدار ما يحتاج الإدام إلي الملح، فالقليل منها يعينه علي مجرد الاستمرار، والكثير يجعل الروائي يدخل علي الكتابة بقلب ميت، متصوراً بأن كل ما يخطه قلمه لم يأت به الأوائل، ثم يواصل الاندفاع في غيه، فيكتب في النهاية إهداء متنفجاً يعد فيه بالمتعة الكاملة!
داخل هذه الصلابة بالذات تختبئ مصارع الكُتّاب، ليس فقط أولئك المحرومون من فردوس الرواية منذ البداية، بل كثير ممن بدأوا حياتهم الروائية متدثرين بحكمة اللايقينہ وانتهوا مطمئنين ومستنيمين لنجاح صادفوه مرة أو غير مرة.
وفي مقام الكتابة يكون المجازي أقوي من الحقيقي، وتصبح مصارع بمعني الموت الرمزي أكثر قسوة من المصرع الواقعي جزاء (أم جرّاء) التنفج مما أصاب ابن المقفع أو الحلاج، فذلك اللون الأخير من المصارع (النهايات) يضمن لصاحبه الخلود، بل إن فرض هذا المصير علي كاتب هو بحد ذاته انتخاب مبكر لنصه وترشيح للخلود لايخطئ، فالطغاة هم أكثر نقاد الأدب حصافة. والكاتب الذي يدفع حياته ثمناً لكتاب، لايدفعه فقط لأنه ألفه، بل لأنه ألفه بامتياز يضمن خلوده. وهذا عزاء جيد عن موت قسري يحدث لمرة واحدة، مهما قيل عن تقطيع أوصال ابن المقفع أو عن مدة احتضار الحلاج علي الصليب. أما الطرد من جنة الكتابة بلا مجد خاص وبلا عزاء فهو الموت الأكثر إيلاماً حيث تنسحب الروح كتاباً بعد آخر، ولايعود هناك من يكترث بحياة الكاتب الذي لم يع درس سرفانتس.
لم يمنح سرفانتس الأجيال اللاحقة من الروائيين الطريق إلي الرواية فحسب، بل وضع أيضاً الخلطة النفسية للمبدع، خلطة التواضع المراوغ، الذي يختلف تماماً عن التواضع الكامل الذي يختلف عن تواضع العلماء (لأن فوق كل ذي علم عليما).
ويستطيع قارئ مقدمة سرفانتس لـ دون كيخوت بقليل من التدقيق أن يكتشف هذا المزيج العجيب من التواضع والفخر والسخرية من الآخرين.
فهو في البداية يعتذر للقارئ لأنه كان يريد لكتابه أن يكون علي أكبر درجة يمكن تخيلها في الفطنة، لكنه لم يستطع أن يخالف نظام الطبيعة الذي يقضي بأن يلد الناقص شبيهه. ولا يمكن إلا أن نشك في هذا التواضع الذي يطل التيه والسخرية من تحته، ولانتقدم قليلاً في نص الاستهلال حتي نجده يؤكد للقارئ بتيه أكبر، أنه لن يطلب منه والدمعة في عينه أن يتجاوز عما يراه من نقص في كتابه، ويؤكد له أنه في بيته بكامل مشيئته الحرة كملك في أملاكه، ليس هناك ما يجبره علي القراءة، وبالتالي فهو في حل من كل احترام واجب!
ويمضي سرفانتس في مقدمته مصارحاً القارئ بأنه وإن كان قد أنفق بعض الجهد في تأليف القصة، فما من عناء يساوي عناء كتابة المقدمة. وما مصدر العناء إذا ما تأملنا هذا النص البديع جداً إلا المراوحة بين الخوف والفخر من غير أن يمنحنا يقيناً يريحنا، لأن الكاتب بالأساس لايمتلك هذا اليقين.
ويواصل النص الملغم بالسخرية بث رسائله المتعارضة من جملة إلي أخري، فيشرح كيف أراد أن يقدم للقارئ القصة عارية بلا زخرف، ثم يعود ليتساءل عن ردّ فعل الجمهور وهو يراه عائداً بعد سنوات بكتاب جاف مثل الحلفاء، بعيد عن الإبداع، باهت الأسلوب، فقير المفاهيم، وخال من كل تبحر وحكمة، ومن دون هوامش ولا ملاحظات في نهاية الكتاب، كما أري في الكتب الأخري، المليئة بأحكام أرسطو وأفلاطون وكل حشد الفلاسفة ہ ثم يعود ليؤكد أن هناك من نصحه بأن يرصع كتابه بأسماء الفلاسفة وينسخ مراجع من أي كتاب آخر ويذيل بها كتابه بترتيبها الأبجدي ليعطيه وزناً واحتراماً، مؤكداً له أن أحداً لن ينتبه إلي ذلك!
وهنا لايبدو سرفانتس مزهواً فقط، بل إنه ينال من الآخرين، كتاباً وقراءً. ويضع اللبنة الأولي في جدار العداء بين المبدعين والكتابة الأكاديمية. ولايكتفي بالسخرية من هذا الضرب من الكتابة، بل يجعل صديقه يعود ليؤكد له أن نصه ليس بحاجة إلي شيء من خارجه لأنه في كليته هجاء لكتب الفروسية التي لم تخطر ببال أرسطو، وليس من معني لهذا إلا أنه يعتبر نفسه مميزاً، فهو يبني علي غير مثال قصة سهلة تضحك المحزون وتزيد المبتسم ابتساماً، فلا يغتاظ البسيط وتعجب الحصيف بالإبداع، لايزدريها البليغ ولايمتنع الحكيم عن مدحها .
وليس هناك من هو أكثر زهواً من هذا الذي يشعر بأنه وضع كتاباً للناس كافة، لكنه يتخفي في وضع هذا المديح علي لسان صديقه بوصفه نصيحة يجب أن يتبعها في تأليف الكتاب، ناسياً أنه صارحنا من قبل أنه أقدم علي كتابة هذا النص الأصعب بعد أن انتهي من كتابة الرواية.
وهكذا يمضي سرفانتس مكلفاً السخرية بهدم التواضع، بينما وضع مهمة ترويض الفخر علي عاتق صديقه.
ولايشبه سرفانتس في هذا التواضع المراوغ والكبر المستتر سوي مواطنه الأندلسي محيي الدين بن عربي.
ہ حكمة اللايقين، تعبير لميلان كونديرا في وصفه لحكمة الرواية، لكن المعرفة ليست نافعة بالضرورة، إذ تبدو روايات كونديرا صادرة عن يقين كامل بمقترحه الروائي الأمر الذي جعل من رواياته نسخاً متشابهة من عمل واحد.
ہہ سرفانتس، 2004 دون كيخوته. ط1، تر: رفعت عطفة، دار ورد، دمشق.
- 363 reads

علِّق