- No upcoming events available
بقلم د. طارق عباس
كانت الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية من حربها الوقحة علي لبنان منذ منتصف الشهر الماضي، هي العمل علي تصفية حزب الله ومصادرة سلاحه، للقضاء عليه باعتباره من أهم مظاهر المقاومة في العالم العربي.
ومحاولة تغيير قواعد اللعبة - ليس بين المقاومة وإسرائيل فحسب بل بين المقاومة والشعب اللبناني كله، وبناء شرق أوسط جديد، تكون لإسرائيل فيه الكلمة العُليا، وتصبح باقي الأنظمة وشعوبها مجرد مجموعة من التوابع المهمشة التي تدور في فلك إسرائيل وتأتمر بأمرها.
لكن مصداقية السيد حسن نصر الله، في حساباته الدقيقة، والمقاومة الباسلة التي أبداها رجال حزب الله - طوال هذه الفترة - قد فرضت معادلة إجبارية جديدة علي أرض الواقع، أحد طرفيها الإيمان والصمود، والطرف الآخر شعب لبنان. وبغض النظر عن النتائج التي ستؤول إليها هذه الحرب، فإن الأمر المؤكد، الذي أصبح واضحاً للعيان، هو أن حزب الله قد لقن الإسرائيليين درساً قاسياً لن ينسوه طوال حياتهم، وكبدهم خسائر فادحة سياسية واقتصادية وعسكرية، ودفع شمال إسرائيل كله إما للهروب بعيداً عن نار صواريخ المقاومة، أو الاختباء في الملاجئ. وليس معني هذا أن اللبنانيين أنفسهم لم يخسروا.
نعم، استشهدوا.. وشُردوا ودُمرت منازلهم وقُصفت قُراهم ومدنهم وحوصروا براً وبحراً وجواً.
لكن كل هذه الكوارث لم تزدهم إلا صلابة وقوة، فإيمانهم بالمقاومة دفعهم دفعاً إلي استشراف غدٍ أفضل، دون تقديم أي تنازلات لأحد.
ويكفي الاستشهاد علي ذلك بما قاله رجل لبناني بسيط - قصف بيته وقتل عياله - في حديث بثته قناة الجزيرة: (ما بدنا خبز.... ما بدنا حليب.... بدنا كرامة عربية).
إذن، لم يأت صمود هؤلاء الرجال من فراغ، ولم يخوضوا هذه الحرب الشرسة - بالتوحد مع رجال حزب الله - بوصفهم وكلاء عن إيران أو سوريا، كما يدعي البعض، وإنما أدراكاً منهم لقدسية الوطن وحرمته، وحب الشهادة.
لقد كشفت هذه الحرب حقائق وعاها الجميع أهمها:
- إذا كان حزب الله - بهذا العدد القليل - استطاع أن يعزف أجمل وأرقي وأروع سيمفونية من سيمفونيات المقاومة، بمصاحبة الشعب اللبناني كله، فما بالنا إذا توحدت كلمة العرب واجتمعوا علي هدف واحد (مسلمين ومسيحيين).
- إن المواقف التي اتخذتها الأنظمة العربية الحاكمة الحالمة لا تتفق مطلقاً مع خطورة الأحداث، التي يتعرض لها الوطن العربي بصفة عامة ولبنان بصفة خاصة، أو مع الجرائم اللاإنسانية التي ارتكبها ويرتكبها الكيان الصهيوني، أو مع التحالف المتعمد البغيض بين الولايات المتحدة مصدرة الإرهاب الأولي وإسرائيل، علي حساب مصالح العرب. بل علي العكس كان تخاذل هذه الأنظمة العربية الحالية في اتخاذ المواقف المناسبة بمثابة رسالة تشجيع واضحة إلي الإسرائيليين،
أن (افعلوا ما شئتم وستجدونا من المطيعين).
-ليس هناك أي مبرر لمحاسبة حزب الله، أو تحميله مسؤولية ما جري في لبنان، فقد بات واضحاً للجميع الآن، أن القضية الأساسية بالنسبة لإسرائيل، لم تكن قضية الأسيرين، وتيقن الحكماء والعقلاء أن إسرائيل كانت ستوجه هذه الضربة إن عاجلاً أو آجلاً، لأن لها أجندة سياسية وعسكرية تسعي إلي تحقيقها، شاء العرب أو أبوا، قبلوا أو رفضوا، ولن يوقف أطماعها سوي امتلاك العرب لأوراق يضغطون بها للحفاظ علي مصالحهم.
ولا يكفي تقديم الدعم، أو زيارات الوفود، أو ذهاب الممثلين عن وزراء الخارجية العرب إلي مجلس الأمن، لأن الولايات المتحدة لن تغير موقفها طالما لم تحقق إسرائيل أهدافها.
وما يبقي للدول العربية، هو اتخاذ المواقف الحاسمة الجريئة، لمواجهة الصلف الإسرائيلي.
وليس معني ذلك أن تنصب هذه المواقف علي الحرب فقط، فهناك أوراق كثيرة، كان من الممكن توظيفها في هذه المحنة:
أولها: استغلال جميع الإمكانات والطاقات الطبيعية والبشرية في خدمة المصالح العربية، وعدم التفريط في هذه الطاقات لصالح أي دولة تُهدد الأمن القومي العربي.
ثانيها: أن يعيد التطبيعيون النظر في استمرار علاقاتهم بإسرائيل علي حساب أي دولة عربية أخري، فلا يعقل أن يقوم الرجل العظيم «هوجو شافيز» رئيس فنزويلا بسحب سفيره من إسرائيل تألماً للبنان، ويبقي سفراء العرب في قلب إسرائيل يأكلون «الكشري» احتفالاً بثورة يوليو.
ثالثها: يجب علي الحكام العرب تجنب المصالح الشخصية وتفهم طبيعة الأخطار المحيطة بالأمة من خلال استراتيجية ثابتة تضمن وحدتهم في حالتي السلم والحرب.
رابعها: إننا في لحظة فارقة، تتطلب إعادة النظر في كل شيء حتي في تحالفاتنا، ففي اللحظة التي نفتقر فيها إلي دعم الولايات المتحدة، أو القوي الموازنة لها، لا يجب علينا إبعاد إيران، لأنها تُشكل سنداً إضافياً لخدمة القوي العربية، بل ينبغي تحسين العلاقات معها، وتفهم موقفها الذي يعكس بوضوح شكلاً من أشكال الرفض لمحاولات الهيمنة الأمريكية علي منطقة الشرق الأوسط.
القوة تحمي الحق، والوحدة تصنع القوة، ولن تنهض أمتنا العربية إلا إذا كانت قوية وموحدة، وعرفت جيداً من هم أصدقاؤها ومن هم أعداؤها، فهل نحلم بهذا اليوم؟!
- 415 reads

نعم انة تعليقى
http://harakamasria.org/node/
كتبت تعليقا
انة حلم عظيم
أرسلت لمن
رسالة ارسلت و
علِّق