إبراهيم عيسى: سفير أمريكا موظف في الخارجية المصرية.
Submitted by kefaya on الخميس, 08/06/2006 - 11:03.
بقلم:
حوار: سامي كمال الدين
جسم المقال:

جلس في بيته ٧ سنوات لأنه «ممنوع»، ويريد تغيير مبارك لا النظام
إبراهيم عيسى: سفير أمريكا موظف في الخارجية المصرية.

 



ينطبق علي الزميل إبراهيم عيسى رئيس تحرير «الدستور» التشبيه الشعبي الشائع «كالقطط بسبع أرواح»، وإذا كان ملف «المصري اليوم» في عددها السنوي يركز علي «الممنوع في مصر» الآن، الممنوع سياسياً، وثقافياً، واجتماعياً، فإن إبراهيم عيسى هو الشخص الذي تتجسد فيه هذه الممنوعات، هو نموذج لإنسان أوشك أن يتعرض شخصياً للمصادرة، فقد صودرت صحف رأس تحريرها، وصودرت كتب وروايات ألفها، وجري تعطيل برنامج تليفزيوني كان يقدمه علي قناة «دريم»، وجلس «علي القهوة» خمس سنوات، وفي رواية أخري سبع سنوات، لكنه يحددها بثلاث سنوات من ١٩٩٨ إلي ٢٠٠١، ولكن إبراهيم عيسي - كذلك - هو نموذج للشخص القادر علي احتمال كل أنواع المنع والمصادرة، والعودة أكثر قوة وأكثر حيوية، وأكثر قدرة علي المشاغبة والخدش.

العائد من المصادرة والمنع إبراهيم عيسى يتحدث لـ«المصري اليوم» عن كل شيء تقريباً، في مرحلة يشبهها بأنها «يوم القيامة»:

< من أين كانت البداية في عالم الصحافة بالقاهرة؟
- في المرحلة الإعدادية قررت أن أدخل ثانوية عامة قسم أدبي ثم كلية الإعلام، وأتخصص في قسم الصحافة، ثم أعمل في روزاليوسف، لك أن تتخيل ذلك، وأحس زملائي وقتها أن هذه مجرد أحلام طائشة لصبي صغير السن، ولكن بعد التحاقي بكلية الإعلام في أكتوبر ١٩٨٣ بعام واحد، وأذكر هذه اللحظة الآن رغم مرور ٢٢ عاماً عليها، ذهبت في يونيو ١٩٨٤ إلي الأستاذ محمود التهامي بعد تعيينه رئيساً لتحرير روزاليوسف بشهور، وكانت في روزاليوسف ميزة رائعة أتمني أن تكون موجودة إلي الآن، وهي أن أي شخص يريد العمل عليه أن يطرق الباب ويدخل، ولن يمنعه أحد، فطرقت الباب ودخلت، والتقيت الأستاذ محمود التهامي وقابلني بحفاوة وقلت له: عايز اشتغل، فقال لي: عايز تشتغل إيه، رددت عليه قائلاً: رئيس تحرير، فضحك، ومن هنا بدأت علاقتي بروزاليوسف من يونيو ١٩٨٤ إلي أن تركتها في نوفمبر ١٩٩٥.

< كنت عضواً في أحد الأحزاب؟
- في جامعة القاهرة كنت أمين التثقيف، ثم أمين نادي الفكر الناصري، وبعد ذلك أصبحت عضواً في الحزب الناصري أيام الأستاذ فريد عبدالكريم، وصرت عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري حتي ١٩٩٢.

< الكثير من المبدعين المتميزين مروا عبر روزاليوسف من أيام العقاد وفاطمة اليوسف ومحمد التابعي، مروراً بفتحي غانم وصلاح جاهين وصلاح حافظ ومحمود السعدني وغيرهم، ولكنهم لم يستمروا فيها؟
- صحيح.. معظم المبدعين المتميزين بدأوا من روزاليوسف لكن جميعهم تركوها، كأن شرط الموهبة والفن أن تكون في وقت معين ابن هذه المؤسسة، وفي لحظة أخري تبتعد عنها.

< بمعني؟
- يعني علي سبيل المثال صلاح جاهين بدأ فيها ولم ينته فيها، وكذلك صلاح عبدالصبور وفتحي غانم ومحمود السعدني، كل الأسماء الكبيرة في عالم الصحافة لابد أن تمر من روزاليوسف، لكن لم يحدث أن ظل هؤلاء في روزاليوسف.

< أغلقت السلطة لك ٩ صحف ومنعتك من الكتابة خمس سنوات تقريباً، وصودرت لك ٥ كتب، ومنع برنامجك «علي القهوة» في قناة دريم؟
- أغلقت «الدستور» و«ألف ليلة»، والحرة» و«مصر» و«الديمقراطية» (أغلقت مرتين) و«الزمان» و«البلد» و«العائلة»، ومنعت من الكتابة من سنة ١٩٩٨ وقت إغلاق «الدستور» وحتي عام ٢٠٠١، ولم يكن المنع بقرار ولكنه تضييق، وأشكر من فتح لي نافذة للكتابة في ذلك التوقيت رغم كل هذا الحصار، وهو الأستاذ محمد حسن الألفي في «الميدان»، وكان له شرط احترمته، وهو ألا أكتب في السياسة، أكتب في الثقافة والحياة والمجتمع، وقد التزمت بهذا وقتاً طويلاً، وصودرت لي كتب «الجنس وعلماء الإسلام» ورواية «العراة»، ورواية «مقتل الرجل الكبير»، أما برنامج «علي القهوة» فقد أوقف بتدخلات وضغوط.

< كيف مرت كل هذه الأزمات عليك؟
- بينما اعتبر النظام ما يفعله تجاهي شيئاً ضاراً بي، وتصور أنه يحاصرني ويعاقبني، كان هناك تصور آخر، وهو أن الذي حدث بعد مصادرة «الدستور» ومنعها وإيقافها، أن تحولت هذه الصحيفة من كونها جريدة متميزة ومختلفة ورائدة في مجالها، إلي رمز للصحافة المختلفة والمغايرة، فأصبحت مدرسة يشار إليها بالبنان، لذا حين أوقفت أخذت شهرة أكثر ومكانة واحتراماً كبيرين لدي الناس، وقد توافرت وسائل أخري للتعبير مثل التليفزيون الذي كان بالنسبة لي رائعاً ومدهشاً وحقق لي جماهيرية أوسع، وجعلني أؤدي رسالتي الإعلامية بشكل أكبر، وقدمت صياغة مختلفة للبرنامج التليفزيوني الساخر التحليلي ذي التعليق السياسي، كما حدث لي تطور مادي كبير فامتلكت سيارة وشقة جديدة وصرت أكسب أكثر مما أكسبه من الصحافة عشرين مرة، كما أن هذه الفترة التي ظللت فيها بلا عمل أنتجت رواية من وجهة نظري جيدة جداً، وسيكتشفها الواقع الأدبي والسياسي فيما بعد، وهي «مقتل الرجل الكبير»، وفي النهاية أقول: «ارتد السحر علي الساحر».

< ألم يدفعك إحساسك بأنك مقهور في وطنك إلي السفر للعمل في صحيفة عربية في دول الخليج؟
- لم أفكر في هذا الأمر، وأندهش من رفض الكثير من العروض الكريمة التي قدمت لي من مؤسسات عربية محترمة، ولكن أستريح نفسياً لرفضي، وأتذكر الذين سافروا خلال مرحلة الرئيس السادات من المعارضين والذين ظلوا في مصر، وأجد نفسي تميل للذين بقوا في مصر، إنني أؤيد موقف أمل دنقل وأعتبره الموقف الصحيح وليس موقف أحمد عبدالمعطي حجازي الذي سافر، وأيضاً ليس موقف صلاح عبدالصبور، هذا الثالوث العبقري يمثل أهم شعراء مصر في الستينيات والسبعينيات له ثلاثة مواقف، هي مواقف «مصر» بالضبط.. الموقف الأول امتحان لأي مثقف أمام سلطة تعتقد أنها غاشمة قامعة مستبدة، إزاء هذه السلطة رأي صلاح عبدالصبور أن يتعاون معها باعتبار أنها سلطة وليست مصر، وأن مصر باقية، أما أحمد عبدالمعطي حجازي فـ«هج».. قرر الابتعاد عن الواقع المؤلم المقرف المزعج، أما أمل دنقل فقد جلس في بلده وقاوم وأعلنها «لا تصالح»، وهذا هو الخيار الصحيح السليم العفي، وربما كان هذا هو سر إصابته بالسرطان، كما أن موقف «أمل» هو موقف الفنان الحقيقي، وهو نفس موقف محمد حسنين هيكل الذي اختلف مع السادات وبقي في مصر وغيرهما، ثم لقد تم منع «الدستور» وملاحقتي في تسع صحف، فكيف سأجد البيئة المناسبة لي مع الأمراء والشيوخ، لا أتصور أني أخرج من مؤسسة حكم قامعة إلي الشيوخ والأمراء.

< في ضوء ما حدث معك من قمع ومنع، كيف تفسر هذه المساحة من الحرية المتاحة لك الآن؟
- أولاً: لا أحد يترك لي شيئاً، فالحرية في وطن - مثلما يقول المفكر العظيم جمال حمدان - تنتزع ولا تمنح، الآن لا توجد حرية في الحياة الصحفية في مصر، ولكن الذي يحدث مع الصحفيين الإصلاحيين أو الذين يدعون لإصلاح سياسي في مصر ومواجهة استبداد النظام، أن النظام لم يتركهم تماماً، إنه يتركهم إلي حين، فالصحفي في مصر مهدد بالسجن في أي لحظة، ولذلك لا توجد حرية.

ثانياً: الأمر تحول وكأن علينا ثأراً أنا وزملائي، نحن نكتب ونعارض، ولكن مثل الذي عليه ثأر، فهو يأكل ويشرب ويجلس علي المقهي ويعاشر زوجته ويري أطفاله، ولكنه طوال الوقت لديه إحساس بأنه من الممكن أن يقتل في أي لحظة.
يخاف الصحفي الحر في مصر من الثأر، من تلفيق قضية له، من التشهير به من منعه، الحرية الموجودة الآن حرية انتزعت نتيجة عوامل كثيرة جداً، ثم إنني أمارس حريتي باعتبارها حقاً لي، ولا يوجد أحد منحني هذا الحق، لا يوجد أحد «يتبغدد علي» الغريب أنك تجدهم يقولون «شوف بيكتب إزاي.. شوف بيكتب إيه وسايبينه».

< نعم الذين ينتقدونك يرددون أنهم «سايبينك» دون منع أو محاصرة كما كنت في السابق؟
- الأصل في الصحافة هو «الحرية» وليس «المنح»، حرية الصحافة ليست منحة عيد العمال، في أساسها خاصة، وسر تميزها وترعرعها ونجاحها أنها كانت خاصة في البداية، ثم جاءت بلوة التأميم سنة ١٩٦٠ فحولت الصحف إلي مؤسسات حكومية عبارة عن لسان الحاكم وتقديس الرئيس وتنزيهه، فهو الذي لا يخطئ.

< تعتقد أن التأميم له رواسب مستمرة إلي الآن؟
- بالطبع، اقرأ الصحف القومية تجدها عبارة عن نشرات لقارئ واحد، كل هم رؤساء الصحف المصرية القومية إرضاء هذا القارئ، يركبون الطائرة مع الرئيس ويعودون ليكتبوا أن الرئيس راضٍ عن الصحافة، ولا أعرف ما علاقة رضاء الرئيس بالصحافة؟ هم يردون الجميل لمن عينهم، رئيس تحرير الصحف القومية ولاؤه ليس للحقيقة ولا للجمهور، وإذا قرأت أي افتتاحية منذ ثلاثين عاماً إلي الآن لأي جريدة حكومية، ستجدها تقول: إن الرئيس لا يخطئ، وإنه المنزه عن أي سهو، وإنه لا يصدر أي قرار غير صائب في حياته، بل كل قراراته عظيمة، ولا توجد في أي مكان في العالم صحف تملكها الحكومة سوي في اليمن وسوريا وليبيا، فهل صحافة هذه الدول هي القدوة الصحفية لنا، الصحافة في الدول الغربية بل والأسيوية ودول أوروبا الشرقية لا تمتلكها الحكومة، «ألبرافدا» جريدة الحزب الشيوعي أصبحت جريدة خاصة لها مساهمون، الصحف في أمريكا اللاتينية حركت ثورة ديمقراطية عظيمة، في كل بلاد أمريكا اللاتينية صحف خاصة، فكيف تحتكر الحكومة الوضع الصحفي في مصر إلي هذا الحد، إن وجود الصحافة القومية في مصر تشويه حقيقي للحرية في مصر، وهي جزء من التشويه السياسي.

< هل بإمكان النظام أن يمنع «الدستور» و«العربي» و«صوت الأمة» من الصدور أو أي صحف معارضة؟
- لو الرئيس مبارك أراد إغلاق «الدستور» أو «العربي» أو «صوت الأمة» سوف يغلقها بعد نصف ساعة من قراره، ولا تفرق معه أمريكا ولا غيرها، ثم إن أمريكا لن تدافع كثيراً عن حرية الصحافة، وفي تصوري أن السفير الأمريكي في مصر الآن أقرب ما يكون إلي موظف في مؤسسة الخارجية المصرية، وأعتقد أن الإدارة الأمريكية إدارة تتحدث عن الديمقراطية ولا تسعي إليها، ولا يوجد ضغط حقيقي علي الحكومة المصرية، ويقيني أن الحكومة المصرية تدفع ثمناً سياسياً مقابل ألا يضغط الأمريكان عليها لأجل الديمقراطية، نحن في بلد يحكمه حاكم فرد، أحد، لا يرده أحد، ولا يناقشه أحد، ولا يمنعه أحد من إغلاق «الدستور»، ولو أغلقت سوف تجد كل افتتاحيات الصحف القومية تحيي هذا القرار العظيم، وسوف تجد برامج التليفزيون تصفق لهذا القرار الحكيم الذي أنقذ مصر من جريدة «الدستور» ومن هذه الصحيفة، وربما ينتهي الأمر إلي منظمات مثل مراسلون بلا حدود، وهيومان رايتس ووتش، لكن الذي يمكن أن يرد علي إغلاق «الدستور» هو تراكم الغضب عند الشارع، ثم لا يعنيني أن «الدستور» أغلقت أم فتحت، إنني أؤدي واجبي ورسالتي فقط، يأتي حسني، يأتي جمال، هذا لا يعنيني في شيء، إنني أكتب رأيي بصرف النظر عن النتائج وعن التغيير، ليس دوري القيام بالتغيير، دوري هو أن أكون للحق ولحقوق الإنسان والديمقراطية، الصحفي مهمته أن يكتب، الناشط السياسي مهمته أن ينشط سياسياً، الحزب مهمته الوصول إلي الحكم، أنا ضد التوريث، لكن لو حدث ووصل جمال للحكم فكلمتي واحدة، وهي أني أعارض الفساد واستبداد الحكم، نحن مسؤولون عن الزرع ولسنا مسؤولين عن الحصاد، مسؤولون عن التنوير وليس عن التغيير.

< ما الدور الذي لعبته الصحف الخاصة في حراك الشارع المصري؟
- لولا «المصري اليوم» و«الدستور» و«صوت الأمة» لا أعتقد أن قضية القضاة كانت ستأخذ هذا البعد المهم في الشارع المصري، لقد أفردت الصحف الخاصة صفحات لمشروع وكفاح القضاة في مصر من أجل استقلال القضاء، ومن أجل قانونهم، وسوف تجد أن في قلب الحركة المحيطة بالقضاة كان هناك ٦٠٠ من حركة كفاية و٦٠٠ من الإخوان، وصنعت الحركة الهائلة المدوية التي حدثت في الشارع المصري الصحف الخاصة، وكانوا بمثابة شريان الدم لكل الجسد المصري بالنسبة للقضاة، لقد حولوا القضاة إلي حلم ومثال وقدوة ونموذج.
علي الناحية الأخري تجد أن جميع الصحف القومية كانت تسب وتلعن القضاة في حركتهم، وتتهمهم بكل الاتهامات المقزعة التي دعت لأن يصفها المستشار زكريا عبدالعزيز بالصحف السوداء، كان التليفزيون ليل نهار ينتقد القضاة وحركتهم، ورغم ذلك لا التليفزيون ولا الصحف الحكومية أثرت في شيء.

< هل تري أنها المسألة مسألة تأثير بالنسبة للقارئ العادي؟
- نعم، فمن الذي يؤثر الآن في الناس؟ هل هي الصحف القومية الكذوبة التي يعرف القارئ أنها «كلام جرايد» و«عمره ما صدقها» أم الصحف الخاصة؟ الدليل علي صحة كلامي شيئان، هما الانتخابات البرلمانية وأزمة القضاة، في الانتخابات البرلمانية لعنت صحف الحكومة «سنسفيل» الإخوان، وهاجمتهم بكل ما أوتيت من قوة، وانتهي الأمر إلي أن كسب الإخوان ٨٨ مقعداً، وكان يمكن حسب كلام أحمد نظيف في حواره مع النيوزويك الأمريكية منذ شهرين، أن يزيدوا ٤٠ مقعداً، وهذه هي حصيلة الصحف القومية والتليفزيون، كما أن الهجوم علي القضاة من قبل الصحف القومية أوجد محبة عارمة في نفوس المصريين تجاه القضاة، وأدي لخروج القضاة من هذه المعركة مرفوعي الرؤوس.
هؤلاء هم الخاسرون لأنهم لا ينظرون إلي الشارع، وغير مهتمين بالجماهير، وغير مهتمين بالقراء، وصحفهم محدودة التأثير، وتوزيعها لا يكاد يصل إلي توزيع مجلة حائط، وللعلم فإن هذا لا يعنيهم، فكل ما يعنيهم القارئ الوحيد حسني مبارك وابنه!!

< قارئ لا يقرأ حسب قول جمال مبارك مؤخراً؟
- الغريب أنهما قالا لهم: نحن لا نقرأ حتي الصحف، جمال قال إنه يقرأ ملخصا لها إذا كان لديه وقت فراغ، وإذا لم يجد لا يقرأها، يقرأ ما يقول له: أنت جميل.. أنت عظيم.. أنت رائع، فأي مراقب موضوعي يشهد التحولات والتغييرات في مصر سوف يكتشف من هو المؤثر الحقيقي الذي يلعب دوراً في التغيير، من الذي يقود الشارع إلي تغيير حقيقي، من هو الذي يدير سياسة التضليل بفشل سقيم.
تجد حملات ضد الإخوان و«إشي بالجزمة، وإشي بالقبقاب، وإشي طظ في مصر» وهي حملات رخيصة لن يصدقها الناس، ولا أريد أن أذكر أرقام توزيع الصحف الثلاث التي تبنت موضوع «طظ» هذا، لأن هذا شيء مخجل، وأقول لهم، «دعهم في طغيانهم يعمهون».

< بدأت جريدة «العربي» الهجوم علي رئيس الجمهورية، ثم انتقلت الدفة إلي «الدستور»، كيف تري الفرق بين تناول «العربي» وتناول «الدستور»؟
- أعترض علي كلمة «هجوم».. نحن نمارس حقنا في نقد رئيس الجمهورية، وهذا حق مشروع ومكفول، ونقد سياساته وقراراته واجب علي أي صحفي شريف ومحترم، نحن لا ننتقد شخصاً (ولست مشغولاً بانتقاد شخصه)، فما يشغلني هو حقي في انتقاده، فكل صحفي في العالم من حقه أن يناقش رئيسه كما في الولايات المتحدة، حيث صدرت كتب عن غباء جورج بوش، ولم يخرج بوش ليسب الصحفيين أو يقول «أنا سايبهم»، ثم إن ما يحدث جريمة في حق رئيس الجمهورية نفسه، إذ يجب أن يكون الرئيس مسؤولا أمام الشعب ومحل محاكمة أدبية وسياسية وصحفية.. وهذا أمر نمارسه فلا أحد ينزعج، فنحن ننتقد سياسات وقرارات ومواقف. الصحف القومية تمتدح ونحن من حقنا أن ننتقد.

< الهجوم الذي يتعرض له هيكل من «صحيفة ما» كان بسبب حوارك معه في «الدستور» ولم ترد رغم أن «الدستور» طرف في القضية؟
- الأستاذ هيكل أكبر من أن يرد أحد علي كلام عنه لا أري فيه رداً.. وجود هيكل.. آراء هيكل.. كتب هيكل.. حضور هيكل.. اختيار هيكل من أهم المعلقين السياسيين في العالم حسب «الفايننشيال تايمز» يكفي كرد، ثم أنا سائق سيارة، وهناك من مشي بسيارته بجواري في الشارع وسبني، هل أسبه أم أمضي في طريقي دونما اهتمام؟! إنني غير مهتم علي الإطلاق بردود أفعال من هذا النوع، ثم إن أي شخص ناجح ومؤثر وفعال في الصحافة المصرية لابد أن يشتموه ، ثم دعني أقول لك: أتمني أن يكون في الصحافة المصرية الآن من الذين يدافعون عن النظام وممن عينتهم الحكومة، أحد منهم بمكانة موسي صبري - الذي أختلف معه تماماً - ولكن لا يوجد أحد مثله الآن علي الإطلاق في أي صحيفة قومية، لأن موسي صبري كان صحفياً ومحترفاً.

< هل يشاهد هؤلاء الصحفيون الذين باعوا أنفسهم وكتبوا التقارير الأمنية في زملائهم انتهاك واغتصاب الأعراض في الشارع المصري؟
- أعتقد أنهم يرون هذه المناظر ويقولون: «يستاهلوا»، وأتصور بعد فترة من الارتباط بمصالح الدولة وتحول الصحفي إلي موظف لدي الدولة، وارتباط الصحفيين المصريين - خصوصاً في مواقع المسؤولية - بأجهزة أمن الدولة أحياناً، أن تختلط روح الصحفي مع روح الضابط، ويصبح الذي يحدثك ليس الصحفي فلان الفلاني، بل المقدم أو العقيد فلان الفلاني، لدرجة أنني أتمني - والله - أن يكتب افتتاحية الصحف الحكومية ضباط وعمداء أمن الدولة، لأنهم سيكتبونها أفضل بكثير من أن يكتبها صحفيون، لأن ضباط أمن الدولة سيكونون أرفق بالأمة وبالشعب من الصحفيين الذين يريدون أن يكونوا ضباطاً، لأنه عندما يتحول الضابط إلي صحفي سيكون أرق من تحول الصحفي إلي ضابط يكتب ليرضي رئيس الجهاز، وينتظر الاتصال التليفوني الذي يقول له: حلو قوي، برافو.. عرفتهم مقامهم.

< هل هذا هو حال الصحافة المصرية الآن؟
- رغم كل هذا، الصحف المصرية في تطور بسبب ظهور الصحافة الخاصة المؤثرة المستوعبة للعديد من الموهوبين في الصحافة المصرية، وصارت هناك مدارس صحفية، وهناك الصحافة القومية ذات الأرقام المنهارة في توزيعها وذات مستوي الكفاءة المهنية المتراجع جداً، والتطور سيحدث أكثر من خلال المدونات في الإنترنت وفي الصحافة الخاصة.

< قلت ما قلت عن الرئيس حسني مبارك ولم يتغير شيء؟
- لا دخل لي في التغيير، لا أحد يقول لي وماذا بعد.. لست وزيراً ولا ناشطاً سياسيا ولا لدي مشروعاً سياسياً، إنني كاتب أكتب ما أراه مثل «الشيخ» في خطبة الجمعة و«القس» يوم الأحد، كل منهما يخطب ويعظ الناس، فإذا لم يستجيبوا فماذا يفعل؟

< ألم تتعب؟
< ألم تمل من نظام صدأت أذناه فلم يعد يسمع؟
- أعتبر عدم سماعه استفزازاً لي لكي أكون أكثر فناً وخيالاً وإبداعاً، وأن أبحث عن جوهر الأشياء.. هذا يحفزني أكثر للتعمق والبحث عن حلول مهنية لنقد هذا النظام.

< قرأت عن رؤساء وزراء في العالم يستقيلون بسبب مقالة صحفية؟
- ولماذا في العالم؟ في مصر قبل ثورة ١٩٥٢، قال العقاد: «لن يجف قلمي هذا قبل أن تسقط الحكومة» وسقطت، وحين تقرأ افتتاحيات الصحف تجدها تنتقد سعد زغلول باشا، وارجع إلي «المصري» و«روزاليوسف» القديمتين.
- ليس من طموحاتي المهنية إجراء حديث مع الرئيس مبارك.

< لخص لي جمال مبارك في كلمة؟
- ابن الرئيس.

< في كتاباتك تقبل تدخل أمريكا للقيام بالإصلاح في مصر وتدلل علي كلامك بأن الرسول صلي الله عليه وسلم استعان بعبدالله بن أريقط كدليل له في طريقه من مكة إلي المدينة أثناء الهجرة النبوية؟
- لم أقل «تدخلاً» لأن مفهوم التدخل مفهوم مجنون إلي حد ما، ولكني قلت القبول بالضغط الخارجي، لم أطلب الضغط ولكن لو جاء فأهلاً به.
ولو أن هناك ضغطاً خارجياً علي هذا النظام من أجل إجراء إصلاحات حقيقية في الشارع المصري أقبل به تماماً، لكن لا فيه ضغط ولا «نيلة»، النظام والغرب متحالفان معاً، والنظام المصري يقدم خدمات للغرب وللأمريكان، ومن الجنون أن تستغني أمريكا عن خدمات واحد من النظم العربية.


< كيف تقارن بين الديمقراطية في مصر والديمقراطية في أمريكا؟
- لا توجد ديمقراطية مصرية ولست مشغولاً بالديمقراطية الأمريكية، الديمقراطية وسيلة وليست غاية، الديمقراطية هي التي تعني انتخاباً حراً دون تزييف، وحق المساءلة والمحاسبة للحكام، وعدم وجود أكثر من مدتين في الرئاسة، وأن حزب الأغلبية هو الذي يحكم، وأن أستطيع سحب الثقة من الوزارة ومن الحكومة.. هذه هي آليات الديمقراطية، وهذا غير موجود في مصر، إذن لا ديمقراطية في مصر.


< هل تستطيع أمريكا تغيير النظام في مصر؟
- السؤال هل تريد أمريكا تغيير النظام في مصر؟! شخصياً لا أريد تغيير النظام في مصر، أريد النظام المصري، نظاماً مدنياً تعددياً، لا أريده نظام خلافة أو جماهيرية، أريده نظاما ديمقراطياً. لا أعرف أمريكا تريد تغيير حسني مبارك أم لا، اسأل أمريكا، لكنني شخصياً أريد تغيير حسني مبارك.

< في النهاية قبل أن أتركك، ألا تخاف علي نفسك، وعلي زوجتك، وعلي أولادك؟
- ليست بطولة مني، ولكني أقول المؤمن لا يخاف، وأنا مؤمن بقدرة الله، لو أراد الله لي أن أُسحل فسوف أُسحل، ولو أراد أن أقع بسبب طوبة في الأرض وأموت فسوف يحدث، لقد سلمت نفسي لمشيئة الله، والله يعلم ما أريد.

 المصري اليوم

( categories: )