التغيير قادم من البوابة المصرية.
Submitted by kefaya on الخميس, 08/06/2006 - 02:43.
بقلم:
السيد ولد اباه
جسم المقال:

رغم أن تركيبة السلطة لم تتغير، وتوازنات النظام السياسي تبدو ثابتة:
التغيير قادم من البوابة المصرية.


 


ثمة مصادرة معروفة مفادها أن الساحة المصرية هي فضاء اختبار أوضاع العالم العربي ومقياس تقويم حاله، بحيث أن ما يجري فيها راهنا سيحدث في بقية البلدان العربية لاحقا.

ويسوق القائلون بهذه المصادرة بعض الأدلة الدالة عليها، من بينها أن المد القومي العربي انطلق من القاهرة أيام التجربة الناصرية، في حين خرجت كل التيارات الإسلامية من عباءة حركة الأخوان المسلمين المصرية.

وفي الشأن الثقافي، شكلت مصر دوما المرجعية الفكرية للعالم العربي، ومنها انطلقت حركية تجديد الموسيقى العربية مع محمد عبد الوهاب وأم كلثوم..

إذا أخذنا بهذه المصادرة، التي لنا عليها استدراكات ليس هذا مجال الخوض فيها، أمكننا القول إن دينامكية التغيير السياسي في العالم العربي قد انطلقت بالفعل من الساحة المصرية، وليس من الحطام العراقي الذي قدمته الإدارة الأمريكية مدخلا ونموذجا للتغيير في المنطقة.

صحيح أن تركيبة السلطة لم تتغير، وتوازنات النظام السياسي تبدو ثابتة، كما أن قوى التغيير لا تظهر كثيفة قوية، إلا أن الوقوف الدقيق عند بعض الاتجاهات العميقة والبنيوية في الوضع المصري، يمكننا من ضبط لحظة التحول النوعي، التي تتخذ مسارات ومسالك متعددة.

ولعل الاتجاه الأبرز في هذا المشهد هو تحول الحوار السياسي المصري من موضوع أزمة خلافة الرئيس مبارك إلى موضوع «الجمهورية المصرية الثانية»، التي أصبحت مطلبا دستوريا وسياسيا ملحا، يتعلق بشكل النموذج السياسي نفسه.

وقد قامت الإصلاحات الدستورية المحدودة التي أقرت في السنة الماضية في سياق حملة التجديد للرئيس مبارك، جانبا من هذا الحوار، في حين عبرت نتائج الانتخابات التشريعية المنظمة في نهاية السنة المنصرمة عن تراجع وانتكاسة الحزب الوطني الحاكم الذي فقد بعض مواقعه الهامة لصالح الأخوان المسلمين والمستقلين، إلا أن المؤشر البارز على مشهد التحول هو انتفاضة المجتمع المدني في دوائر متعددة، طلبا للتغيير عبر آليات تعبوية ونضالية جديدة غريبة على الساحة المصرية، أحدثت واقعا جديدا وفرضت معادلة داخلية غير مسبوقة، يتوقع أن يكون لها أثر حاسم في مستقبل الوضع السياسي المصري.

ومن الواضح، أن الأمر هنا يتعلق بتحول جوهري في استراتيجية العمل السياسي من حيث خطابه وميكانيزماته العملية؛ فمن المعروف أن الساحة المصرية شهدت في الماضي نمطين متمايزين من أنماط التغيير، كان أولهما الثورة الشعبية المتمحورة حول رموز سياسية وحزبية ذات إشعاع جماهيري واسع، كما هو حال الثورة العرابية في نهاية القرن التاسع عشر، وثانيهما الحركة العسكرية المتمحورة حول مفاهيم التغيير الثوري الإيديولوجي والاجتماعي، كما هو حال الحركة الناصرية، التي لا تزال تشكل مقوم شرعية النظام السياسي المصري، على الرغم من المسافة الواسعة بين النموذج الأصلي وامتداداته الحالية.

أما حركة التغيير الراهنة، فقد سلكت أسلوبا جديدا في العمل السياسي، يرتكز على التعبئة الإعلامية، واستغلال شبكات العمل الأهلي لإيصال الصوت الاحتجاجي.

ففضلا عن حركة «كفايه» التي تتشكل من روافد ثقافية وسياسية متنوعة تتمحور حول بعض المجموعات اليسارية النشطة، امتد النشاط الاحتجاجي إلى نقابات القضاة والمحامين والصحفيين وتنظيمات الطلاب، واتخذ بعدا سياسيا متزايدا. ولا شك أن لهذا التطور صلة جلية بأزمة التنظيم الحزبي في مصر، التي لم تخل منها الأحزاب الوطنية العريقة، بدءا بالوفد الذي تحول الى جثة هامدة، وانتهاء بالحزب الناصري المتصدع الضعيف، وحتى حركة الأخوان المحظورة التي لئن حصلت على نتائج باهرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا أنها عجزت عن تجديد خطابها الفكري والسياسي، ولم تعد قادرة على استقطاب الأجيال الجديدة الذي حاول بعض رموزها إنشاء منبر حزبي لم يحصل على الاعتراف القانوني (مجموعة الوسط).

إذا كان من الصحيح أن لظاهرة انهيار الأحزاب المصرية التقليدية أسبابا محلية ذاتية، إلا أن للظاهرة أبعادها البنيوية الشاملة التى تتجاوز خصوصيات الحالة المصرية؛ فالأحزاب من حيث هي دوائر للعمل السياسي لم تعد قادرة لأسباب شتى على استيعاب المطالب الاحتجاجية والتعبير عنها. وبالتالي لم تعد مؤهلة لقيادة عملية التغيير التي وصلت لأفق مسدود. ونلمس هذه الحقيقة حتى في المجتمعات الديمقراطية العريقة، وقد أرجعها البعض الى انحسار المعين المضاعف الذي كانت تمتاح منه التنظيمات السياسية طاقتها التعبوية، وهو الصراع الطبقي ـ الإيديولوجي الذي ارتبط بتاريخ الدولة الوطنية الحديثة من حيث إدارتها للتوازنات الاندماجية ـ الصدامية التي تحكم علاقة هذه الدولة بالمجتمع.

وهكذا أصبح الإطار الأبرز والأنجع للعمل السياسي هو النشاط الإعلامي في بعديه الجماهيري الواسع والأهلي النخبوي، في حين لم تعد تحركه الأنساق الإيديولوجية المنسجمة، بل يتمحور حول مجموعة قيم جامعة تتجاوز التناقضات والخصومات العقدية الضيقة.

ولقد ارتفع هذا الصوت عاليا في مصر، وغدا يشكل قوة ضغط ملموسة في الشارع، كما له تأثير خارجي جلي، فهل سيفضى إلى تغيير نوعي في الحالة السياسية؟

الشرق الأوسط

( categories: )