- No upcoming events available
صلاح الدين حافظ
أمريكا قايضت أمراً بأمر, وتواطأت:
الخائـن الأكـبر للديمقراطيـة.
تحت عنوان خيانة الديمقراطية, قلنا في مقال الأسبوع الماضي, إن هناك ثلاثة أطراف شاركت في هذه الخيانة, وتعرضنا لاثنين هما أولا: نظم الحكم القائمة, وثانيا: الأحزاب السياسية والقوي الليبرالية التقليدية.
اليوم نتحدث عن الخائن الأكبر, ونعني الولايات المتحدة الأمريكية, التي تمارس الانتهازية السياسية في عالم اليوم, بأوسع الزوايا, فما يهمها هو مصالحها الحيوية, وإن تحدثت عن التقدم والديمقراطية والقيم الليبرالية, فهي تتحدث عن بضاعة للتصدير إلي دول أخري, تساعدها أحيانا, وتستغلها أحيانا أخري, وتمن عليها في كل الحالات وصولا للهيمنة.
ولعلنا نذكر أن السياسة الأمريكية, قد أصيبت بلوثة رهيبة, منذ وقوع الهجمات الدموية علي نيويورك وواشنطن في سبتمبر2001.
فأعلن الرئيس بوش الابن شن الحرب الأمريكية الشاملة علي العدو لتحقيق ثلاثة أهداف أولية, هي القضاء علي منظمات الإرهاب الإسلامي والعربي وتدمير مصادره, وإجهاض محاولات الدول المارقة, وأولاها العراق, الحصول علي أسلحة الدمار الشامل, وأخيرا زرع الديمقراطية ونشرها في الدول العربية والإسلامية, التي تخلفت وانغلقت إلي الحد الذي صارت بؤرا للمتطرفين والإرهابيين..
وقبل أسبوعين, وبمناسبة دخول الحرب الأمريكية, والأوروبية, عامها الخامس في أفغانستان, وعامها الرابع في العراق, اعترف الرئيس بوش, وتابعه بلير رئيس وزراء بريطانيا, لأول مرة في لحظة اعتراف شجاع نادر, بأن الحرب كانت خاطئة!! وهو اعتراف علي أهميته, فإنه جاء متأخرا لا يفيد, لأن الحرب, التي طالما وصفوها بأنها حرب الخير ضد الشر, والحرب الشريفة النظيفة, كانت قد دمرت وأحرقت وقتلت ومارست أقسي درجات العنف والمذابح الجماعية والتعذيب الوحشي, بما سيسجله التاريخ في أسود وأسوأ صفحاته.. فماذا يفيد الاعتراف أو الندم بعد وقوع الجريمة!!
في الأسبوع الماضي, وخلال الاحتفال باليوم الوطني الأمريكي لضحايا الحرب, قال الرئيس بوش ذاته: إن أمتنا ترتدي الحداد علي رجالنا ونسائنا في الجيش الأمريكي الذين خسرناهم, ثم أغرورقت عيناه بالدموع!!
تري هل كانت دموع الندم والحزن, أم هي دموع التماسيح, وفي كل الحالات فإن الرئيس الأمريكي, قد وصل الآن إلي نقطة الاعتراف بأن حربه الطويلة في جبال أفغانستان وسهول العراق, كانت فاشلة وجرت لأسباب ثبت بالدلائل العملية, كذبها, فلا هي حرب قضت علي طالبان والملا عمر وأسامة بن لادن والظواهري, المتهمين الأساسيين في أفغانستان, ولا هي حرب أقرت السلم والتعايش في العراق, بعد إسقاط النظام البعثي السابق, بل هي فجرت براكين المقاومة العنيفة في البلدين, ومعها فجرت شلالات الدماء والدمار والخراب..
ولم يبق من أهداف الحرب الأمريكية في جعبة الرئيس, سوي الهدف الثالث, وهو هدف نشر الديمقراطية, في الدول العربية والإسلامية, حيث لايزال الرئيس يدعي أنه يحارب دفاعا عن الديمقراطية, مثلما يدعي معاونوه أن أفغانستان والعراق قد تحولتا إلي ديمقراطيات حقيقية, يغار منها الجيران العرب ويحسدها كل المسلمين!!
غير أن الاختبار العملي لهذا الادعاء, يثبت علي الفور كذبه, فلا الإرهاب والعنف, انتهي, ولا الديمقراطية قامت في البلدين, والدلائل كثيرة لا تحصي, ابتداء من نظامي الحكم القائمين كرزاي كابول وبغداد, وانتهاء بشلالات الدماء وحرائق الخراب, فضلا عن النزاعات الطائفية والصراعات القبلية هنا وهناك, الأمر الذي ينفي من الأساس الادعاءات التي تروجها الإدارة الأمريكية, ويرددها من خلفها المتأمركون العرب وكتائبهم النشيطة!
فكيف إذن قامت الديمقراطية, أو تقوم, في بلد تحت الاحتلال الأجنبي, تمزقه الصراعات الداخلية وتدميه المعارك, وتصدر قراراته السيادية, من واشنطن البعيدة آلاف الأميال, بينما يقتل الأخ أخاه, ويتبادلان تدمير البيوت وحرق العائلات وتفجير المساجد, في حين رموز الحكم الذين أتي بهم المحتل الأمريكي, يمارسون الديمقراطية المزعومة حتي الآن, من قصور معزولة داخل ثكنات عسكرية أمريكية وسط كابول, وفي المنطقة الخضراء ببغداد!
وفي ظل التورط الأمريكي الهائل في الحرب الضروس, ضد الأشباح, ورغبة في الخروج الآمن بقدر الإمكان, من المستنقع الدامي, مارست السياسة الأمريكية هوايتها الانتهازية الشهيرة دون حرج... ففي مقابل تهدئة الأوضاع وتهيئة الظروف للخروج المشرف وكسب ود الدول العربية والإسلامية, والضغط عليها لتقديم غطاء محلي وإقليمي للخروج, تواطأت واشنطن بدرجة من الدرجات مع نظم الحكم القائمة, التي وصفتها دائما بالاستبداد والفساد, وخففت من ضغوطها المباشرة وغير المباشرة, عليها لإجراء إصلاحات ديمقراطية, وهي الآن إن ضغطت فهو الضغط الهين اللين ذرا للرماد في العيون!!
وبدلا من أن تقنع أمريكا نظمنا الحاكمة بأهمية السير في المسار الديمقراطي الإصلاحي السلمي, تمكنت نظمنا من استغلال التورط الأمريكي في المستنقع الدامي, فأقنعت واشنطن, كما يبدو بوجهة نظرها هي, وخلاصتها أن مجتمعاتنا ليست ناضجة وجاهزة لتقبل الديمقراطية وممارستها, الآن, وهي تحتاج لتمهيد الأرض لفترة طويلة مقبلة, فاتركونا نحكم بما نري ونطبق الإصلاح بطريقتنا..!
وأظن أن أمريكا, أجلت, وربما تراجعت, عن حكاية فرض الاصلاح الديمقراطي فرضا, علي بلادنا, بصرف النظر عن الهجوم الإعلامي اليومي أو النقد العلني في الكونجرس, لحكوماتنا, ذلك أن فشل الحرب في أفغانستان والعراق, والفضائح والمذابح التي وقعت وذاعت, والانفاق المالي الهائل علي حرب خاسرة, قد أحدثت ردود فعل حادة داخل المجتمع الأمريكي ومؤسساته, فضلا عن أن أبرز صقور اليمين من المحافظين الجدد, أصحاب نظريات شن الحرب, وفرض الديمقراطية بقوة الضغط الأمريكي, قد غادروا المراكز الحساسة في البيت الأبيض, أو فقدوا التأثير المباشر علي صنع السياسة الخارجية وتوجيهها, أمثال بول وولفوفيتز, وريتشارد بيرل, ومايكل روبين, وديفيد فروم, وغيرهم, ولم يبق عمليا من أبرز الصقور سوي نائب الرئيس ديك تشيني يتصدر المسرح الآن علي الأقل..
وأظن أيضا أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته واشنطن, وتبنته قمة الثماني الصناعية وحلف الأطلنطي, والمبني علي أساس مبادرة وزير الخارجية الأمريكية السابق كولين باول, والتي طرحها في ديسمبر من عام2002 تحت عنوان المشاركة الأمريكية مع الشرق الأوسط, وفي صلبها فرض ونشر القيم الديمقراطية وتغيير النظم الحاكمة المستبدة الفاسدة في البلاد العربية, وتطوير البرامج والمناهج التعليمية والإعلامية والثقافية, هو مشروع ومبادرة, قد دخلا الآن سراديب التخزين المؤقت والتأجيل المرحل, ربما انتظارا لفرصة أخري, وهو ما أحزن كتائب المتأمركين العرب, وأحبط المراهنين علي الضغط الأمريكي باسم الإصلاح الديمقراطي..
ومن سوء التقدير وفساد التفكير, أن هؤلاء توهموا أن المبادرة أو المشروع الأمريكي بتغيير النظم وفرض الديمقراطية الآن وفورا, وتحويل حكوماتنا ومجتمعاتنا إلي جنة حديثة, هو مشروع استراتيجي لا تراجع عنه ولا تسويف فيه, وتخيلوا أن أماكنهم القيادية ومواقعهم السلطوية في العهد الجديد, محجوزة بحكم تأمركهم المعلن... ونسوا أو تناسوا أن السياسة فن الممكن, وأن جوهرها المصالح قبل المباديء, وأن السياسة الأمريكية تحديدا هي أستاذة كرسي البراجماتية الحديثة.
غير أن الواقع الذي نراه واضحا في هذه القضية المتشعبة والمعقدة, قضية الدور الأمريكي في خيانة الديمقراطية, هو أن الولايات المتحدة, قد قايضت وبادلت أمرا بأمر, وتواطأت وتراجعت وأجلت, ربما إلي مراحل أكثر ملاءمة, حكاية الضغط المكثف علي نظمنا وحكوماتنا لإجراء إصلاح ديمقراطي فوري... ورضيت بديلا عن ذلك, بإجراءات شكلية واصلاحات تجميلية, نعرف ويعرفون أنها تبتعد بالحلم الديمقراطي بعيدا, وتباعد بيننا وبينه, وتبقي علي تحالف الفساد والاستبداد متمكنا قابضا بفضل بطش الأمن, علي مقاليد الأمور..
وفي الحالتين, الضغط الذي مارسته أولا, ثم التراجع والتواطؤ ثانيا, فإن السياسة الأمريكية الحمقاء والبراجماتية المتسرعة, قد خانت ديمقراطيتنا نحن وأجهضت حلمنا الوطني وبعثرت جهود القوي الوطنية, الساعية إلي إصلاح ديمقراطي وطني داخلي بأيدينا وليس بأيديهم, الأمر الذي مكن الدوائر الحاكمة, من الانقضاض بشراسة مفرطة, علي الحراك السياسي والتحرك النقابي والمهني والعمالي, وعلي النشاط المتزايد والمتصاعد لقوي التغيير الجديدة, حتي كاد الاجهاض والاحباط يطول كل شيء.
وبدلا من أن تتركنا السياسة الأمريكية, بكل تقلباتها, في حالنا, فإنها بعد أن خانت وتواطأت, قد أصابت حسني النية من الذين رأوا في ضغوطها خيرا, بالشبهة وصولا للاتهام بالعمالة والتبعية, فما بالكم بمن التحق بركبها وشرب من مائها وقبض من مالها وروج لمبادئها!!
فإن كان ذلك كذلك, فماذا نقول عن الاختراق الأمريكي الشائع والذائع, لكل عصب حساس في هذا الوطن, لماذا تراهن عليه واشنطن وتنفق ببذخ وتجند بعلانية, وتجتهد لتصل إلي النخاع وتخترق العقل والضمير الوطني!!
نرجو أن نواصل الأسبوع المقبل بإذن الله.
** خير الكلام: قال عمرو ابن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فينا
الاهرام
- 904 reads
