الخائـن الأكـبر للديمقراطيـة‏.‏
Submitted by kefaya on الأربعاء, 07/06/2006 - 01:20.
بقلم:
صلاح الدين حافظ
جسم المقال:

أمريكا قايضت أمراً بأمر‏,‏ وتواطأت:
الخائـن الأكـبر للديمقراطيـة‏.‏

 


 تحت عنوان خيانة الديمقراطية‏,‏ قلنا في مقال الأسبوع الماضي‏,‏ إن هناك ثلاثة أطراف شاركت في هذه الخيانة‏,‏ وتعرضنا لاثنين هما أولا‏:‏ نظم الحكم القائمة‏,‏ وثانيا‏:‏ الأحزاب السياسية والقوي الليبرالية التقليدية‏.‏

اليوم نتحدث عن الخائن الأكبر‏,‏ ونعني الولايات المتحدة الأمريكية‏,‏ التي تمارس الانتهازية السياسية في عالم اليوم‏,‏ بأوسع الزوايا‏,‏ فما يهمها هو مصالحها الحيوية‏,‏ وإن تحدثت عن التقدم والديمقراطية والقيم الليبرالية‏,‏ فهي تتحدث عن بضاعة للتصدير إلي دول أخري‏,‏ تساعدها أحيانا‏,‏ وتستغلها أحيانا أخري‏,‏ وتمن عليها في كل الحالات وصولا للهيمنة‏.‏

ولعلنا نذكر أن السياسة الأمريكية‏,‏ قد أصيبت بلوثة رهيبة‏,‏ منذ وقوع الهجمات الدموية علي نيويورك وواشنطن في سبتمبر‏2001.‏

فأعلن الرئيس بوش الابن شن الحرب الأمريكية الشاملة علي العدو لتحقيق ثلاثة أهداف أولية‏,‏ هي القضاء علي منظمات الإرهاب الإسلامي والعربي وتدمير مصادره‏,‏ وإجهاض محاولات الدول المارقة‏,‏ وأولاها العراق‏,‏ الحصول علي أسلحة الدمار الشامل‏,‏ وأخيرا زرع الديمقراطية ونشرها في الدول العربية والإسلامية‏,‏ التي تخلفت وانغلقت إلي الحد الذي صارت بؤرا للمتطرفين والإرهابيين‏..‏

وقبل أسبوعين‏,‏ وبمناسبة دخول الحرب الأمريكية‏,‏ والأوروبية‏,‏ عامها الخامس في أفغانستان‏,‏ وعامها الرابع في العراق‏,‏ اعترف الرئيس بوش‏,‏ وتابعه بلير رئيس وزراء بريطانيا‏,‏ لأول مرة في لحظة اعتراف شجاع نادر‏,‏ بأن الحرب كانت خاطئة‏!!‏ وهو اعتراف علي أهميته‏,‏ فإنه جاء متأخرا لا يفيد‏,‏ لأن الحرب‏,‏ التي طالما وصفوها بأنها حرب الخير ضد الشر‏,‏ والحرب الشريفة النظيفة‏,‏ كانت قد دمرت وأحرقت وقتلت ومارست أقسي درجات العنف والمذابح الجماعية والتعذيب الوحشي‏,‏ بما سيسجله التاريخ في أسود وأسوأ صفحاته‏.. ‏ فماذا يفيد الاعتراف أو الندم بعد وقوع الجريمة‏!!‏

في الأسبوع الماضي‏,‏ وخلال الاحتفال باليوم الوطني الأمريكي لضحايا الحرب‏,‏ قال الرئيس بوش ذاته‏:‏ إن أمتنا ترتدي الحداد علي رجالنا ونسائنا في الجيش الأمريكي الذين خسرناهم‏,‏ ثم أغرورقت عيناه بالدموع‏!!‏

تري هل كانت دموع الندم والحزن‏,‏ أم هي دموع التماسيح‏,‏ وفي كل الحالات فإن الرئيس الأمريكي‏,‏ قد وصل الآن إلي نقطة الاعتراف بأن حربه الطويلة في جبال أفغانستان وسهول العراق‏,‏ كانت فاشلة وجرت لأسباب ثبت بالدلائل العملية‏,‏ كذبها‏,‏ فلا هي حرب قضت علي طالبان والملا عمر وأسامة بن لادن والظواهري‏,‏ المتهمين الأساسيين في أفغانستان‏,‏ ولا هي حرب أقرت السلم والتعايش في العراق‏,‏ بعد إسقاط النظام البعثي السابق‏,‏ بل هي فجرت براكين المقاومة العنيفة في البلدين‏,‏ ومعها فجرت شلالات الدماء والدمار والخراب‏..‏

ولم يبق من أهداف الحرب الأمريكية في جعبة الرئيس‏,‏ سوي الهدف الثالث‏,‏ وهو هدف نشر الديمقراطية‏,‏ في الدول العربية والإسلامية‏,‏ حيث لايزال الرئيس يدعي أنه يحارب دفاعا عن الديمقراطية‏,‏ مثلما يدعي معاونوه أن أفغانستان والعراق قد تحولتا إلي ديمقراطيات حقيقية‏,‏ يغار منها الجيران العرب ويحسدها كل المسلمين‏!!‏

غير أن الاختبار العملي لهذا الادعاء‏,‏ يثبت علي الفور كذبه‏,‏ فلا الإرهاب والعنف‏,‏ انتهي‏,‏ ولا الديمقراطية قامت في البلدين‏,‏ والدلائل كثيرة لا تحصي‏,‏ ابتداء من نظامي الحكم القائمين كرزاي كابول وبغداد‏,‏ وانتهاء بشلالات الدماء وحرائق الخراب‏,‏ فضلا عن النزاعات الطائفية والصراعات القبلية هنا وهناك‏,‏ الأمر الذي ينفي من الأساس الادعاءات التي تروجها الإدارة الأمريكية‏,‏ ويرددها من خلفها المتأمركون العرب وكتائبهم النشيطة‏!‏

فكيف إذن قامت الديمقراطية‏,‏ أو تقوم‏,‏ في بلد تحت الاحتلال الأجنبي‏,‏ تمزقه الصراعات الداخلية وتدميه المعارك‏,‏ وتصدر قراراته السيادية‏,‏ من واشنطن البعيدة آلاف الأميال‏,‏ بينما يقتل الأخ أخاه‏,‏ ويتبادلان تدمير البيوت وحرق العائلات وتفجير المساجد‏,‏ في حين رموز الحكم الذين أتي بهم المحتل الأمريكي‏,‏ يمارسون الديمقراطية المزعومة حتي الآن‏,‏ من قصور معزولة داخل ثكنات عسكرية أمريكية وسط كابول‏,‏ وفي المنطقة الخضراء ببغداد‏!‏

وفي ظل التورط الأمريكي الهائل في الحرب الضروس‏,‏ ضد الأشباح‏,‏ ورغبة في الخروج الآمن بقدر الإمكان‏,‏ من المستنقع الدامي‏,‏ مارست السياسة الأمريكية هوايتها الانتهازية الشهيرة دون حرج‏...‏ ففي مقابل تهدئة الأوضاع وتهيئة الظروف للخروج المشرف وكسب ود الدول العربية والإسلامية‏,‏ والضغط عليها لتقديم غطاء محلي وإقليمي للخروج‏,‏ تواطأت واشنطن بدرجة من الدرجات مع نظم الحكم القائمة‏,‏ التي وصفتها دائما بالاستبداد والفساد‏,‏ وخففت من ضغوطها المباشرة وغير المباشرة‏,‏ عليها لإجراء إصلاحات ديمقراطية‏,‏ وهي الآن إن ضغطت فهو الضغط الهين اللين ذرا للرماد في العيون‏!!‏

وبدلا من أن تقنع أمريكا نظمنا الحاكمة بأهمية السير في المسار الديمقراطي الإصلاحي السلمي‏,‏ تمكنت نظمنا من استغلال التورط الأمريكي في المستنقع الدامي‏,‏ فأقنعت واشنطن‏,‏ كما يبدو بوجهة نظرها هي‏,‏ وخلاصتها أن مجتمعاتنا ليست ناضجة وجاهزة لتقبل الديمقراطية وممارستها‏,‏ الآن‏,‏ وهي تحتاج لتمهيد الأرض لفترة طويلة مقبلة‏,‏ فاتركونا نحكم بما نري ونطبق الإصلاح بطريقتنا‏..!‏

وأظن أن أمريكا‏,‏ أجلت‏,‏ وربما تراجعت‏,‏ عن حكاية فرض الاصلاح الديمقراطي فرضا‏,‏ علي بلادنا‏,‏ بصرف النظر عن الهجوم الإعلامي اليومي أو النقد العلني في الكونجرس‏,‏ لحكوماتنا‏,‏ ذلك أن فشل الحرب في أفغانستان والعراق‏,‏ والفضائح والمذابح التي وقعت وذاعت‏,‏ والانفاق المالي الهائل علي حرب خاسرة‏,‏ قد أحدثت ردود فعل حادة داخل المجتمع الأمريكي ومؤسساته‏,‏ فضلا عن أن أبرز صقور اليمين من المحافظين الجدد‏,‏ أصحاب نظريات شن الحرب‏,‏ وفرض الديمقراطية بقوة الضغط الأمريكي‏,‏ قد غادروا المراكز الحساسة في البيت الأبيض‏,‏ أو فقدوا التأثير المباشر علي صنع السياسة الخارجية وتوجيهها‏,‏ أمثال بول وولفوفيتز‏,‏ وريتشارد بيرل‏,‏ ومايكل روبين‏,‏ وديفيد فروم‏,‏ وغيرهم‏,‏ ولم يبق عمليا من أبرز الصقور سوي نائب الرئيس ديك تشيني يتصدر المسرح الآن علي الأقل‏..‏

وأظن أيضا أن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحته واشنطن‏,‏ وتبنته قمة الثماني الصناعية وحلف الأطلنطي‏,‏ والمبني علي أساس مبادرة وزير الخارجية الأمريكية السابق كولين باول‏,‏ والتي طرحها في ديسمبر من عام‏2002‏ تحت عنوان المشاركة الأمريكية مع الشرق الأوسط‏,‏ وفي صلبها فرض ونشر القيم الديمقراطية وتغيير النظم الحاكمة المستبدة الفاسدة في البلاد العربية‏,‏ وتطوير البرامج والمناهج التعليمية والإعلامية والثقافية‏,‏ هو مشروع ومبادرة‏,‏ قد دخلا الآن سراديب التخزين المؤقت والتأجيل المرحل‏,‏ ربما انتظارا لفرصة أخري‏,‏ وهو ما أحزن كتائب المتأمركين العرب‏,‏ وأحبط المراهنين علي الضغط الأمريكي باسم الإصلاح الديمقراطي‏..‏

ومن سوء التقدير وفساد التفكير‏,‏ أن هؤلاء توهموا أن المبادرة أو المشروع الأمريكي بتغيير النظم وفرض الديمقراطية الآن وفورا‏,‏ وتحويل حكوماتنا ومجتمعاتنا إلي جنة حديثة‏,‏ هو مشروع استراتيجي لا تراجع عنه ولا تسويف فيه‏,‏ وتخيلوا أن أماكنهم القيادية ومواقعهم السلطوية في العهد الجديد‏,‏ محجوزة بحكم تأمركهم المعلن‏...‏ ونسوا أو تناسوا أن السياسة فن الممكن‏,‏ وأن جوهرها المصالح قبل المباديء‏,‏ وأن السياسة الأمريكية تحديدا هي أستاذة كرسي البراجماتية الحديثة‏.‏

غير أن الواقع الذي نراه واضحا في هذه القضية المتشعبة والمعقدة‏,‏ قضية الدور الأمريكي في خيانة الديمقراطية‏,‏ هو أن الولايات المتحدة‏,‏ قد قايضت وبادلت أمرا بأمر‏,‏ وتواطأت وتراجعت وأجلت‏,‏ ربما إلي مراحل أكثر ملاءمة‏,‏ حكاية الضغط المكثف علي نظمنا وحكوماتنا لإجراء إصلاح ديمقراطي فوري‏...‏ ورضيت بديلا عن ذلك‏,‏ بإجراءات شكلية واصلاحات تجميلية‏,‏ نعرف ويعرفون أنها تبتعد بالحلم الديمقراطي بعيدا‏,‏ وتباعد بيننا وبينه‏,‏ وتبقي علي تحالف الفساد والاستبداد متمكنا قابضا بفضل بطش الأمن‏,‏ علي مقاليد الأمور‏..‏

وفي الحالتين‏,‏ الضغط الذي مارسته أولا‏,‏ ثم التراجع والتواطؤ ثانيا‏,‏ فإن السياسة الأمريكية الحمقاء والبراجماتية المتسرعة‏,‏ قد خانت ديمقراطيتنا نحن وأجهضت حلمنا الوطني وبعثرت جهود القوي الوطنية‏,‏ الساعية إلي إصلاح ديمقراطي وطني داخلي بأيدينا وليس بأيديهم‏,‏ الأمر الذي مكن الدوائر الحاكمة‏,‏ من الانقضاض بشراسة مفرطة‏,‏ علي الحراك السياسي والتحرك النقابي والمهني والعمالي‏,‏ وعلي النشاط المتزايد والمتصاعد لقوي التغيير الجديدة‏,‏ حتي كاد الاجهاض والاحباط يطول كل شيء‏.‏

وبدلا من أن تتركنا السياسة الأمريكية‏,‏ بكل تقلباتها‏,‏ في حالنا‏,‏ فإنها بعد أن خانت وتواطأت‏,‏ قد أصابت حسني النية من الذين رأوا في ضغوطها خيرا‏,‏ بالشبهة وصولا للاتهام بالعمالة والتبعية‏,‏ فما بالكم بمن التحق بركبها وشرب من مائها وقبض من مالها وروج لمبادئها‏!!‏

فإن كان ذلك كذلك‏,‏ فماذا نقول عن الاختراق الأمريكي الشائع والذائع‏,‏ لكل عصب حساس في هذا الوطن‏,‏ لماذا تراهن عليه واشنطن وتنفق ببذخ وتجند بعلانية‏,‏ وتجتهد لتصل إلي النخاع وتخترق العقل والضمير الوطني‏!!‏
نرجو أن نواصل الأسبوع المقبل بإذن الله‏.‏

‏**‏ خير الكلام‏:‏ قال عمرو ابن كلثوم‏:‏

إذا ما الملك سام الناس خسفا      أبينا أن نقر الذل فينا
 
 الاهرام

( categories: )