- No upcoming events available
عمار علي حسن
موسوعة العذاب وتجار الدين:
حريتي أن أوّسع زنزانتي!
هكذا قال الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش في إحدي قصائد ديوانه «هي أغنية»، وكأنه يلخص حال المواطن العربي، الذي يخطفه الحلم إلي حرية مجنحة، فيرده الواقع إلي رغبة فقط في توسيع الزنزانة، أو تحسين شروط الحياة داخل السجن الكبير.
ومع شعار «تدرجوا حتي تنضجوا فتنالوا حريتكم» المرفوع في وجه كل من يريد حرية حقيقية «الآن.. وهنا» يري المتشائمون بيننا أنه لم يعد أمام كل منا سوي أن يحمل زنزانته فوق ظهره، فتسير معه أينما حلّ، وليس له أن يتخفف أو يتخلص منها، بل عليه فقط أن يعوّد ظهره علي التحمل، أو يتودد إلي الزنزانة فلا تٌثقل من حمولتها فتعجزه عن السير تماما، وهكذا حتي يصل إلي "المحطة الأخيرة" من عمره المترع بالشقاء.
المشكلة أن الزنزانة متعددة الجدران، فلا يكفي أن نهدم أحدها أو نصنع به كوة كافية لتهريب أجسادنا منها حتي نجد أنفسنا أحرارا طليقين، بل علينا إما أن نمارس لعبة ترويض الوقت، أو أن نبحث عما نزيل به الزنزانة تماما، وعندها علينا أن نتحمل نتيجة المغامرة، فإما التحرر وإما الموت.
ويقول الخائفون والمترددون منا علينا قبل أن نقرر ما سنفعل وأن نقرأ موسوعة الباحث العراقي عبود الشالجي، التي وسمها بـ«موسوعة العذاب» ليسرد في ثمانية مجلدات كاملة طرق تعذيب السجناء والمتمردين علي السلاطين الجائرين في التراث العرب، ونضيف إليها ثمانية مجلدات أخري من صنع خيالنا، أو نتاج بحثنا أو تجربتنا، عن التعذيب عند العرب المعاصرين. وقد تنفعنا قراءة روايات عبدالرحمن منيف وصنع الله إبراهيم، ويمكن أن نختتم القراءات بروايتين خفيفتين «العسكري الأسود» ليوسف إدريس و«السرداب رقم ٢» للعراقي يوسف الصائغ.
ويسدي هؤلاء الخائفون النصح إلي من يتهم بعض الباحثين بالانزلاق نحو التحيز والانتقاء المتعمد الذي يحرف الحقائق، وإلي من يعتقد في أن كل ما بالروايات من صنع الخيال، أن يقرأ ما كتبه «الإخوان» عن تجربتهم في سجون عبدالناصر، وما كتبه الشيوعيون عن عذابهم المرير في سجون صدام.. وليتجول في السير الذاتية للمناضلين أو الرافضين العرب من المحيط إلي الخليج، سيجد أينما حل زنازين، كما تسمي في مصر، أو مهاجع كما يطلقون عليها في العراق والشام.
أما المتفائلون ممن لديهم العزم والجرأة علي تحدي كل هذا دفعة واحدة، فسيهدمون الجدار الأول في زنازيننا، فتنقص الحمولة الثقيلة الجاثمة فوق ظهورنا، ويكون بوسعنا أن نزيد من تلاحق خطواتنا إلي الحرية، خاصة إن كنا عازمين علي هدم الجدار الثاني.
والجدار الثاني صنعه تجار الدين، الذين استغلوا حاجة الناس الروحية وإيمانهم العميق برب السماوات والأرض، وراحوا يشّيدون حائطا عريضا بينهم وبين جلال النصوص ومقاصد الشرع، بتأويلات بشرية، ادعي أصحابها أنها صحيح الدين، وما هي إلا محض اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ.
وإذا ما تمكنا من هدم هذا الجدار عبر التفريق بين "الإلهي" و"البشري" والوصول مباشرة إلي النص المؤسس، حسب وصف أدونيس في كتابه المثير للجدل «الثابت والمتحول» ـ الذي أختلف مع كثير مما ورد فيه ـ فسيكون علينا أن نواجه الجدار الثالث المتمثل في ما توارثناه من عادات وتقاليد اجتماعية بالية، مثل تقدير مكانة الشخص بجذوره العائلية وليس بما حقق من إنجاز، واعتبار صاحب المنصب الرسمي، حتي لو كان لصا ومنافقا، أهم مكانة وأرفع وضعا ممن لم يحظ بالمناصب حتي لو كان عالما فذا أو مبدعا موهوبا، أو حتي مجرد مواطن بسيط لكن شريفا ونظيف اليد ومعطاء.
ولا يتسع المقام هنا لأحصي عشرات العادات التي يجب وأدها، وإن كنت أقول إن هناك من التقاليد ما يجب أن نعض عليها بالنواجذ، وكنت أعتقد في أن القديم لا يمكن أن يموت كله، كما يقول عالم الاجتماع الروسي بوريس كاجارليتسكي. وفي الوقت نفسه فهناك من العادات ما يشكل عقبة كبيرة أمام بلوغ سقف كاف من الحرية، حتي تخف حمولة الزنازين التي نحملها فوق ظهورنا.
فإذا تخطينا الجدار الثالث هدما أو عبورا كان علينا أن نواجه الجدار الأكثر ارتفاعا والأكبر سمكا، وهو ما في أنفسنا من قيود، تقفز رقيبا ذاتيا لحظة الكتابة، وتلعثما وقت المجاهرة بالحق والصدق، وقعودا إذا دعا الداعي إلي يوم الحرية الأكبر، ولا مبالاة في مواجهة ظاهرة «الفرز العكسي» في مؤسساتنا التي تثيب ضعاف الإمكانيات وتحط من قدر المتمكنين ، لا لشيء سوي لأنهم معتدون بأنفسهم، غيورون علي المصلحة العامة. كما يمتشق هذا الجدار الداخلي حين نضعف أمام ملذات الدنيا، فيتحول الإنسان لدينا إلي سلعة، والسلعة إلي قيمة عظمي، وننسي أن الله قد خلق الأشياء لخدمتنا، ولم يخلقنا لخدمتها.
وحين تسقط هذه الجدران الأربعة نكون قد وسعنا الزنازين، بالقدر الذي يجعل أعناقنا بوسعها أن تري حواف السجن الكبير، لنرفع من سقف شعارنا فيصبح: «حريتنا أن نهدم السجن ونجعل السجان يتسول الغفران».
المصري اليوم
- 1367 reads
