- No upcoming events available
وائل عبدالفتاح
من أين يبدأ وأين ينتهي موسم الهجرة من الفن؟
حكاية حجاب حنان ترك.
"كان الدرس شديد قوي النهار ده".
عادت زوجة الموظف الكبير في البنك وحكت للعائلة عن احتفال حجاب حنان ترك.. والموظف حكى للنجم الجديد العائد من العمرة.
كانت الشيخة في قمة قسوتها.. تعرف حالة زبونتها النجمة.. وتلتقط ارتفاع درجة التمزق.. ضغطت الشيخة على طريقتها.. اختارت قائمة طويلة من آيات الهداية في القران.. وركزت على فكرة السمع والطاعة "ان سمعتم فاطيعوا" لحسم موقفها المتذبذب.. وفجأة شكلت المحجبات دائرة حول حنان ترك التي ترتدى سلوبيت جينز وبجوارها حلا شيحة.. وتبرعت صاحبة البيت بطرحة الاسدال (الايشارب الخاص بالصلاة) وشاركت جميع الحاضرات في طقس ربط الطرحة.. وانطلقت الزغاريد.. ولمعت دموع الفرح.. واندمج الجميع في الغناء: ".. طلع البدر علينا".
ـ 1 ـ
نفس المشهد تكرر منذ سنوات مع مديحة كامل.
كانت في عز نجوميتها.. لكن نفسيتها ممزقة بين طرفين يشدها كل طرف الى ناحية بقوة عنيفة.
ابنتها دخلت عليها غاضبة.. وصرخت في وجهها..: "انا شفتك عريانة النهارده.. على افيشات الفيلم الجديد.. ومعرفتش ارجع البيت وأوري وشي لجوزي..".
ابنة مديحة كامل محجبة.. حسب طلب الزوج... وخلطة النوفوريتش المهووسة بالتاتش الاسلامي.. والفيلم الذي غضبت منه هو "المزاج" تقاسمت بطولته مع فيفي عبدو.. ولعبت فيه دور مسجونة تتعرض لتحرش جنسى من محترفات النوم مع النساء.
مديحة كامل اهتزت.. وظلت الكلمات الغاضبة ترن في اذنيها ونفسها المضطربة اساسا من زحف خلايا مرض خطير على جسدها.. اضافة الى وفاة امها.
لحظات ضعف متتالية.. كانت هي مدخل "تنظيم" المحجبات للنجمة الشهيرة بادوار اغراء.
و"تنظيم".. ليس مجرد وصف خيالي او تعبير صحفي عن الاداء شبه المنظم لتحجيب نجمة مشهورة.. صرخت مغنية معتزلة (لم تغير اسمها الفني بعد الحجاب.. ) في الشيخ الشعراوي من اجل تحفيزه للضغط على مديحة كامل: "..هذه سيتحجب خلفها الالاف من النساء.. فلا تتركها الا والطرحة على راسها".
كانت مديحة كامل قد لجأت الى الشيخ الشعراوي لحسم التمزق الذي تصحو فيه على رغبة في الحجاب.. وقبل الظهر تشعر انها لن تستطيع وتتصل بصديقات طلبا لقوة تقاوم بها الدائرة المفروضة عليها من المحجبات.. دائرة عاطفية ونفسية تسحبها ببطء الى داخلها.
استقبل الشعراوي مديحة كامل في قصره بالمنصورية وعندما لمحها من بعيد سأل: "..هي دي نازك السلحدار..؟" (وكان يقصد دورالنجمة صفية العمري في "ليالي الحلمية").
ابتسمت مديحة وخرج الكلام مرتبكا: "..لا انا بتاعة الصعود الى الهاوية..".
الصديقة التي قادت مديحة كامل الى الشيخ لم تكن محجبة لكنها لم تكن وحدها.. كانت هناك المغنية (يطلقون عليها امين التنظيم.. من قبيل الطرفة)... وشيخة اخرى من جيش الاخوات.
الصديقة غير المحجبة هي التي حكت.. ووصلت الى السؤال المباشر: لو تحجبت.. هل تفعل ذلك فورا ام تنتظر انهاء الفيلم الذي ارتبطت به؟!
سأل الشيخ بطريقته المميزة في الضغط على الحروف: هل هناك شرط جزائي؟
قالت مديحة: نعم.
كبير..؟! (سأل الشيخ)
وعندما عرف ان الشرط الجزائي كبيراً.. واصل الاسئلة: "المنتج بيته ها يتخرب؟".
"طبعاً.." اجابة سمعها قبل ان يبدي رأيه: "كملي الفيلم".
هنا صرخت المغنية: "لكن المنتج مسيحي كافر.. وهي ستظهر في الفيلم عارية".
اوضحت مديحة كامل: "ليست عارية يا مولانا.. لكن بدون حجاب".
لكن صراخ المغنية أصاب الشيخ بالقلق.. وعاد الى الاسئلة: "هو الشرط الجزائي كام؟".
ـ 2 ـ
لم تعد مديحة كامل الى بيتها.. لكنها خطفت.. الى بيت من بيوت الشيخات.. واقيم لها حفل "طلع البدر علينا".. وسط دموع وصرخات.. وتهليل وتكبير كأن "التنظيم" فتح مكة او عكا.
هكذا ايضا خرجت حنان ترك بطرحة الاسدال وكلمت زوجها خالد خطاب.. وقررت ان تحكي لاطفالها.. لكنها اكتشفت انهما ذهبا الى النوم... وقبل ان تنتهي من يومها المشحون.. اتفقت مع حلا شيحا على جولة تسوق لشراء ملابسها من المحلات الخاصة بملابس المحجبات.
الحفلة تتم في لحظة تردد كبيرة.. وهي اقرب الى حفلات الهوس الجماعي.. يمكن النظر اليها على انها طريقة علاج جماعي للمشكلات النفسية.. طريقة نحتاجها جميعا في لحظة الازمات الروحية.. لكنها تتحوّل هنا الى حدث. او الى انتصار في غزوة ضد مجتمع الجاهلية.
هذا هو الخطر الذي يحول الحجاب الى رسالة ملغومة او صورة مفخخة تقسم المجتمع الى محجبات وسافرات.. مؤمنون وكفار.. توابون وخطايا... اهل جنة واهل نار.. ملائكة وشياطين.
هذه القسمة ترفع درجة الاحتقان. وتدفع الى تصادم قادم. وتصنع ارضية لحكم متطرفين يحولون الحياة في مصر الى سجن كبير.
ـ 3 ـ
اعتقدت حنان ترك ان القرآن هو الذي كان سبب نجاتها من ازمة قضية الاداب.
القضية ظهر انها ملفقة وضمن لعبة سياسية لتخفيف الضغط على وزير الداخلية وقتها محمد حسن الالفي.
الوزير كان يبحث عن قضية تفجر "فرقعة" اعلامية تسحب من رصيد حملة صحيفة "الشعب" الموجهة ضده.. ولم يكن هناك اسهل من استخدام النجمات.. واللعب على السمعة والكلام السهل عن تجارة الجسد.
امتهان سياسي سهل لنجمة عبرت بوابة النجومية وعمرها 16 سنة.
قبل تلفيق القضية بخمس سنوات.. وبالتحديد في 1991 كانت الصبية حنان حسن محمد المولودة سنة 1975 والطالبة في معهد البالية.. تلعب على المسرح دورا في مسرحية "ماكبث".. والتقطتها عين المخرج خيري بشارة المدربة على التقاط المواهب وسط اكوام الراغبين في الصعود على منصة مسرح.. الفرصة الاولى كانت فيلماً كبيراً "رغبة متوحشة" مع نجمة الايرادات الاولى وقتها نادية الجندي والنجم محمود حميدة.. والنجمة سهير المرشدي.. لعبت حنان ترك دور الشخصية الرابعة في الفيلم.. مراهقة تفتقد الاب.. ومشاعر الذكورة الحامية.. وتجدها في الزائر الذي عاش مع الاب ايامه الاخيرة في السجن.
لعبة نفسية قدمتها حنان ترك بشكل لفت النظر الى موهبتها المتوحشة... موهبة شبهتها الصحافة بسعاد حسني.. وعلقت عليها الامال في جيل مضغوط بعمليات الارهاب وحملات تحريم الفن.. جيل استقبل وعيه الدنيا ونجمات السينما والغناء يخترن مصير رابعة العدوية.
لم تكتف شمس البارودي وهناء ثروت.. وشهيرة باعتزال الفن واختيار الحجاب كموديل ازياء يناسب الافكار الجديدة.. لكن كل منهن ارادت ان يكون حجابها رسالة الى مجتمع يعيش في الحرام.
كل منهن كانت موعودة بدور "الداعية" او "الشيخة" تتحول الى علامة في الدين بمجرد ان ترتدي قطعة قماش على راسها.. وتغسل تاريخها الشخصي فور تغطيتها للراس.. هذه صفقة مضمونة نفسيا.. لانها تعوض النجومية الضائعة بقوة نفوذ على النساء الاخريات.. خاصة ان التعليمات التالية تحول المحجبة من مجرد انسانة عادية الى حاملة رسالة.. لان عليها اولا ان تقنع زوجها ثم اولادها بتغيير شكل الحياة.. اذا كان الزوج من محبي المشروبات الكحولية يحرض تنظيم المحجبات.. المحجبة الجديدة على ان تلقي بزجاجات الخمر في التواليت.. وتعطي رقم تليفون الزوج الى واحد من ازواج عضوات التنظيم ليرتب الضغط عليه بشكل اخر للذهاب الى المسجد.. والابتعاد عن الحياة العادية.. واختيار اماكن وجلسات اخرى.
هنا تشعر المحجبة الجديدة بتحول في شخصيتها.. وفي موقعها من البيت.
تصبح قائدة.
ويفرح الرجل الشرقي برغبة زوجته في اعلان الحشمة او تصميمها على اظهار الحرص على العفة.. يمنحه هذا نوعا من الاطمئنان.. وواجهة يفخر بها وتمسح خطاياه الاخرى.
وهناك اكثر من قصة مشهورة عن رجال بارعين في سيرة الفساد.. ولهم صولات وجولات في الجنس على التليفون.. لكنهم مطمئنون لان زوجاتهم محجبات والمحادثة تنتهي بالعبارة الشهيرة: لا اله الا الله.
وترد العشيقة على الطرف الاخر: محمد رسول الله.
ـ 4 ـ
تصورت المخرجة ان نجاحها في الفيلم الاول سيعني ان علاقتها بالنجوم الجدد ستصبح اسهل.
لكن على العكس كانت التجربة الثانية تزداد صعوبة.. بل انها فوجئت بعجائب من ممثلي الجيل الجديد.. واحد منهم معروف بعشق المقالب وحفظ النكت الساخنة.. مشهور بالروشنة.. وخفة الروح.. النجم رفض الدور بسبب مشهد يحتوي على قبلة.
تعجبت المخرجة... فقال لها: "انا لا يمكن ان اصدم الجمهور.. لامانع عندي من اي شيء في الواقع.. قبلات او علاقات مفتوحة.. لكن على الشاشة لا.. ابدا".
هذه طبعا لم تكن اخر صدمة.
المخرجة اكتشفت حالة نفاق الجمهور.. والمجتمع مع نجم اكبر سنا انتقد الجرأة النسبية لفيلم "سهر الليالي" الذي شارك فيه.. وردت هي عليه: "لكن الجمهور الذي لعن المشاهد التي لايمكن ان تعتبر جريئة الا في سينما هذه الايام.. نفس الجمهور ومن واقع الايرادات دخل الفيلم اكثر من مرة.. الم تلاحظ ذلك والا يعبر هذا السلوك عن شيزوفرينيا يلعن فيها الجمهور.. مايحب ان يراه.. في وصلة نفاق مع اخلاق مزيفة..".
لم يرد النجم.. الذي انتهز اول فرصة واستعرض فيها معلومات دينية سطحية امام المخرجة وفي حوار مع نجمة من جيل اصغر.. ولم يجد هذا متناقضا مع غرامه بالتحرش بأي انثى في البلاتوه وخارجه حتى لو كانت قطة عابرة.
ـ 5 ـ
حنان ترك نفسها كادت توقف فيلمها الاخير "قص ولزق" عندما عادت من الحج وهي في حالة اخرى.
رفضت استكمال تصوير مشهد بفستان الزفاف.. قالت انه عارٍ اكثر مما تحتمل.. قالوا لها انها صورت نصف المشاهد بنفس الفستان ولا يمكن تغييره الان.. فردت: "اذن اضع عليه ايشارب".. وفعلا صورت المشهد بالطريقة التي ارادتها.
وكان هذا اعلانا عن وصول حالة التمزق الى الدرجة القصوى.
قبل التصوير ابلغت المخرجة هالة خليل انها ستعتزل.
ثم رجعت عن القرار بعد نقاش صغير مع هالة.
حتى هذه اللحظة لم يكن المعروف من تدين حنان ترك سوى الكلام بالقرآن.. وتخصيص حجرة في بيتها للصلاة والتهجد.. لكنها في حوار مع المذيعة رجاء ابراهيم نشرته في مجلة "سينما" (تصدر باللغة العربية في باريس) فجرت القنبلة.
سالتها رجاء عن الدور الذي تحب ان تلعبه؟
قالت حنان ترك: "داخلي شغف حقيقي ان اقدم نفسي، شخصيتي الحقيقية على الشاشة لانها شخصية شديدة التعقيد والتركيب بدات من العدم المعرفي الى اللخبطة ثم مرحلة الاصرار على المعرفة ومازالت تحاول ،احلم بتقديم نفسي بدون تجميل لاننا دائما نجمل من انفسنا لذلك احلم بتقديم شخصية حنان الحقيقية.
رجاء: هل ارهقتك النجومية خلال السنوات الماضية؟
حنان: ارهقتني جدا جدا لانني طوال الوقت تحت امر اناس كثيرين منهم الاعلام والصحافة ،وغالبا ما اسأل نفسي اين انا فيكون الرد من داخلي انه اختيارك فأتساءل ومن يعيشون معي ما ذنبهم اقصد زوجي واولادي يوسف وادم فانا فرضت عليهم.
رجاء: ولكن زوجك اختارك وانت ممثلة فهو مدرك طبيعة هذا العمل!
حنان: اعرف ولكني غالبا ما اكون متهالكة وممزقة بين واجبي ومسؤولياتي كام وعملي وولائي للفن والحل عندي في نظام يساعدني على عمل التوازن بين عملي وحياتي الخاصة واتصور ان هذا يحتاج بعض الجرأة لأنني انسانة طماعة في الفن وفي الحياة اريد كل شيء مضبوطا وكما يقولون عشرة على عشرة.
رجاء: كل هذه الضغوط يمكن ان تصل بك الى قرار الاعتزال التي نوهت اليه اكثر من مرة عبر تصريحات صحفية؟
حنان: انا مؤ منة تماما ان الحجاب فرض وهو الشىء الوحيد اللي ممكن يجعلني اضع حدودا فاصلة في اشياء كثيرة في حياتي ولكني حتى الان لم اخذ قرار بارتداء الحجاب لان ايماني مازال ناقصا.
ـ 6 ـ
كانت هذه هي المرة الاولى التي تربط فيها حنان ترك بين الحجاب والاعتزال.
تتحول من فنانة قلقة تبحث عن حل للفراغ الروحي الى انسان عادي يشعر بازمة مع نفسه.. يشعر بالذنب.
لماذا..؟!
تقول حنان ان شعورها بالذنب يرجع الى فكرة التمثيل.
لكن كل المقربين منها يعرفون تماما ان هذا ليس السبب الوحيد.. وان هناك اسبابا في حياتها العائلية تجعلها تصل الى هذا الشعور.
لكنها تركز على التمثيل.. وتعتبره مصدر الدنس في حياتها.. هذا الشعور وصل الى حالة الهوس.. لدرجة انها في فيلم شهير لها كانت كلما قال المخرج STOP مدت يدها الى حقيبتها واخرجت المصحف وقرأت ايات من القران.
وهي في حوارها مع رجاء ابراهيم تضع عائلتها ايضا في قائمة اسباباً غضبها من التمثيل.. وربما هذا يأتي بعد قصص يمكن ان تقال في السر حول اختياراتها في الزواج.. لكن العامل الحاسم في تعلقها بعائلتها هي موقف زوجها خالد خطاب وعائلته منها وقت القضية الملفقة.. وهو موقف يتسم بالنبل والبطولة في مجتمع يعاني الشيزوفرينيا ويبحث عن ضحايا اخلاقيين.
خالد خطاب وعائلته.. لم يتخلوا عن حنان وهذا اعطاها الامان الاجتماعي الذي اهتز بصدمة القضية.. (بالاضافة طبعا الى الامان المالي).
والحقيقة ان العالم انهار امام حنان ترك وهي في عز اندفاعها.. وتركت القضية جرحا غائرا وهزة نفسية ربما هي مفتاح موقفها من العالم ومن التمثيل بوجه خاص.
صحيح ان الوسط الفني والصحافة خاصة مجلة "روزاليوسف" في عهد عادل حمودة.. وقفت بجوارها ودخلت معارك مع الحكومة بسبب القضية. الا ان ماحدث كانت نقطة فاصلة بين حنان المغرمة بالحياة المنطلقة المرحة والجريئة.. وبين حنان الاخرى التي تبدو احيانا عمرها 70 سنة... وتخاف من كل شىء وتريد ان تقنع الناس بصورة غير التي رسمتها الفضيحة المجانية.
صدمة اوقفت الاندفاع المجنون باتجاه الحياة.. وحولته الى رغبة متطرفة في التوحد مع ذات اكبر.. والاحساس بالفراغ الكبير.. وبانه لا غطاء لها في العالم سوى خالد زوجها وعائلته.. هم السند الذي يمكن ان تتعرى بدونه... كما حدث عندما قررت الحكومة تعريتها لتغطي على فضائح وزير لتتركها في مهب رياح الاخلاق المريضة مصابة بحالة خوف مطلق من الحياة.
ـ 7 ـ
لم ألتقِ حنان ترك سوى مرتين الاولى بعد فيلم "دنيا" وكنت اكلمها بتحفظ.. رغم انني رايت ان الفيلم هو اكتشاف لطاقة مهدرة عند حنان ترك. طاقة تستهلكها السينما السهلة... والافلام المصنوعة على طريقة الوجبات السريعة.
الشخصية القلقة. المتوحشة. النائمة داخل حنان ترك. خرجت في "دنيا".
الاسئلة تخصها ايضا.
ومشاعر التائهة. المسافرة بين نماذج في الانوثة. الحائرة بين برودة المشاعر وسخونة الوعي.
بين "الطبيخ البارد" وحتى لو وضع على النار.
وبين انفجار السؤال الوجودي الشهير: من انا؟!
حنان لعبت في هذه المساحة بطريقة لا تكفيها الكلمات. بل عبر لغة العيون.. والتوتر في ترك الجسد على حريته او استخدام اشارات رمزية للتعبير تسرق لحظة الذروة قبل ان تتم.
كتبت هذا الراي وربما قلته لها في الندوة التي استضفنا فيها فريق الفيلم لمواجهة انكشارية غوغائية اتهمته بالاساءة الى سمعة مصر.
كنت متحفظا لان حنان تعيش احيانا في دور الواعظة.. تترك الفنانة وتستجيب لفتنة ان تتحدث كلاما تتصور انه نهائي ومطلق.
لكنها في يوم الندوة وفي المرة التالية في برنامج الدكتورة هالة سرحان على قناة "روتانا" كانت في برج لطفها وخفتها.. علقت الدكتورة هالة على النقد العنيف لعواجيز السلطة.. وقالت: "ربنا يجعل كلامنا خفيف عليهم".. ففوجئت بحنان وضحة طفولية تلمع في عينيها.. تقول: "..انا ماليش دعوة.. انا واحدة بتاعة فن وبس.." وقبل ان تكمل الجملة كانت تهز جسدها في حركة راقصة لطيفة.. ويومها رايت وجهها المضيء.. وروحها الخفيفة.. المختفية في وعاء سميك.. جامد.. تضع فيه نفسها متصورة انها قادرة على الاختفاء.
لماذا تريد الاختفاء؟
ولماذا تعتذر عن مالم تفعله..؟!
ولماذا استسلمت للدائرة التي صنعها تنظيم المحجبات..؟!
لماذا لم تفعل مثل شادية التي لم تلعن فنها ولم تترك رسالة ادانة قبل ان تختفي في برج عزلتها؟!
ولماذا لم تفعل مثل تحية كاريوكا؟
ـ 8 ـ
عندما سألها إدوارد سعيد: "كم مرة تزوجت يا تحية؟".
كان التحول في مظهرها صاعقا(يحكي إدوارد): "فرغت لتوها من الصلاة حين تهيأت للإجابة عن السؤال فوقفت منتصبة وكوعها مائل نحوي باستفزاز والذراع الأخرى ترسم إيماءة مجازية في الفضاء وقالت: "مرأة عديدة" ثم اقترن صوتها بالصفاقة المعهودة عند نساء الليل وبدا أن عينيها ونبرة صوتها تضيف التالي.. "ثم ماذا؟ لقد عرفت الكثير من الرجال".
بعد قليل أجابت تحية بحدة على سؤال آخر عمن أحبته بين هؤلاء ومن الذي تأثرت به أكثر من سواه: "لا أحد على الإطلاق.. كانوا مجموعة رثة من الأوغاد".
الحدة التي لاحظها إدوارد سعيد كانت السمة الغالبة على تحية كاريوكا في سنواتها الأخيرة وخاصة عندما يكون الحديث عن تقييم حياتها.. في أحاديثها التليفزيونية كانت كمن يقدم اعترافات عارية من الزيف تحولت الى فضائح أحياناً أو الى أضواء كاشفة لشخصيات وأحداث كانت كاريوكا في مركزها أو على مقربة منها، ومن أبطالها.
تحية كاريوكا لم تكن مجرد امرأة عجوز انسحبت عنها أضواء الشهرة فأصيبت برد فعل عصبي.. لكنها أقرب الى الأبطال التراجيديين الذين يقضون حياتهم يتلمسون الطريق الى اكتشاف حقائق وخفايا..
هي من نوع حساس من شخصيات قلقة تبحث عن شيء غامض وبعيد.. هؤلاء ينهون حياتهم وهم متعلقون بحقائق مطلقة، أي أنهم يسيرون الشوط الى نهايته: الموت أو الذوبان في القيمة المجردة هكذا أرادت تحية كاريوكا أن تنهي حياتها بجوار المسجد النبوي في المدينة المنورة.
هل هذا نوع من التوبة كما يسمون اعتزال الفن هذه الأيام؟
لا نعتقد أن مثل تحية كاريوكا يمكن أن تتملص من سيرتها مع الرقص فهي "كانت شعاراً لكل ما هو غير خاضع للإدارة والضبط والانضواء في ثقافتها" كما وصفها إدوارد سعيد و هو يراها أسطورة من أساطير شبابه في أربعينات القاهرة.. كانت سحراً كاملاً لمراهق ابن رجل طموح قادم من فلسطين ليشق طريق الثروة والصعود الاجتماعي في القاهرة "التي كانت وقتها مدينة "كوزموبوليتانية".. أي متعددة الثقافات.. مدينة هي مركز الحركة في الثقافة والسياسة والإقتصاد والفن.. ومكان العبور بين العالم القديم الذي انهار مع الحرب العالمية الأولى والجديد الذي دفعته الحرب العالمية الثانية الى مرحلة النضج. في هذا المناخ كانت تحية ثورة في الرقص الشرقي بل أنها كانت على وشك دخول بوابة المجد في هوليوود لكن قيام حرب فلسطين أعادها على الفور كانت مزيجا من (العالمة) و(الراقصة) بالمفهوم الحديث الذي وضعت أساسه فنانة قادمة من بلاد الشام هي "بديعة مصابني" افتتحت صالة ونقلت الرقص من مهنة إجتماعية أساسا.. مكانها شارع خاص.. الى حالة فنية أقرب الى الاستعراض ومن المؤسسة القديمة في حي العوالم الى مؤسسة حديثة تدير علاقتها مع صناعات أقوى في المسرح.. والسينما أصبحت العالمة نجمة بمفهوم جديد.
والعالمة أساسا تعني الراقصة التي وصلت الى رتبة القيادة تتحرك حولها جوقة من العازفين غالبا من الرجال.. وفريق من الراقصات المساعدات.. الى جانب رجال مخنثين يلعبون دور الصبي أو النائب.. العالمة هنا لها سلطة الرجال.. وفتنة النساء..
كائن مختلف تماماقادم من عالم الواقع الى عالم الفانتازيا الإجتماعية تدخل البيوت في إحتفالات الفرح.. والزواج السبوع والطهور والختان.. تدخل المكان في وضع إستثنائي وتخرج منه ليعود الى ما كان عليه.
في شارع محمد علي كانت السطوة للعوالم: هن سلطة الشارع والشارع هو مكانهن الأقرب الى بيت كبير واسع مفتوح على بيوت صغيرة.. هذا العالم يندثر الآن ولا تبقى إلا صور للعوالم المعتزلات ورائحة مازالت عالقة بمكان حكمته النساء الى جانب صوره العالقة في الذاكرة من روايات نجيب محفوظ وأفلام كثيرة أشهرها "خلي بالك من زوزو" الذي لعبت فيه دور البطولة كل من تحية كاريوكا وسعاد حسني والمثير هنا أن الفيلم نفسه يمثل صراعاً بين القديم والجديد في مهنة الرقص وموقعه في المجتمع و"زوزو" الفتاة الجديدة تصارع أصل "العوالم" وترفض مصير بنت الليل في الملاهي والمجتمع ينظر للرقص نظرة جديدة تفك الإرتباط بينه وبين بيزنس الغواية.. هذه النظرة تهتز فقط في لحظات صعود المجتمع.. زوزو هي اللحظة التي لمعت فيها كاريوكا في الأربعينات.. والتي تلتها لحظة أخرى فتحت المجال لسعاد حسني وبعد ذلك لكي تلمع فريدة فهمي الراقصة التي تحمل شهادة جامعية في الرقص. ترقص تحية في مساحة صغيرة. لا تحتاج الى ملعب كبير. ولا تعتمد على الإفراط في الحركات بل على قلتها. ترقص كأنها تحفر في موقعها. غوايتها تتحرك بغموض مع حركاتها الأفقية. سر الغواية يتجه الى الداخل ويختلف عما تلجأ إليه راقصات أخريات من الألعاب البهلوانية أو التلوي على الأرض كالحية أو الإنخراط في استربتيز من نوع ماولكن ليست تحية كاريوكا لأن سحرها وتألقها يوحيان بشيء كلاسيكي... ورحلتها هي البحث عن حرية تزاوجت فيها الطاقة الحسية الهادرة بوعي فطري تختار فيه طريقها وصفات مقاتلة ظلت حتى رمقها الأخير تحارب من أجل إستعادة حقها من زوجها الغادر.. وهي في رحلتها تكسر دائما الصور التقليدية والمتوقعة.
يعتبر الكثيرون أن تحية كاريوكا هي الرمز المقابل لما تمثله أم كلثوم في نفس العصر وكلا الرمزين التقيا لأول مرة في عرس الملك فاروق عام ثم في حفل آخر كان بمناسبة حصول النادي الأهلي على بطولة الدوري العام في كرة القدم وهما المرتان الوحيدتان تقريبا التي وافقت فيها أم كلثوم على الغناء أمام راقصة.
هكذا كانت تحية بموهبة شرسة تصل الى أقصى جنون بالحياة وبالذوبان الكامل في المتع التي لا تحب استئناس الغرائز.
ومن تطرف الى تطرف قضت في السجن اياما بسبب عضويتها في رابطة السلام إحدى مجموعات اليسار في مصر.. وكانت كاريوكا على علاقة بالحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المعروفة باسم "حدتو" من خلال انضمامها الى مكتب الكتاب والفنانين ونجحت في اقناع زوجها في ذلك الوقت الضابط مصطفى كمال صدقي بالانضمام الى الجبهة الوطنية الديمقراطية التي كونتها "حدتو" وسافرت ضمن وفد اليسار المصري الى مهرجان الشباب الديمقراطي الذي عقد برومانيا وعند عودتها كان الاعتقال الذي أرجعته في أحاديثها الأخيرة الى كلمة قالتها في جلسة خاصة ووصلت الى عبد الناصر كانت تصف فيها الضباط الأحرار بشكل لاذع وتقول: "ذهب فاروق وجاء فواريق".
وفي نهاية حياتها إعتكفت تحية كاريوكا في المساجد وأصبح لقبها المحبوب هو "الحاجة" واكتفت بورع العجائز الذين يرتقون فجوات العمر الأخيرة بنسيج من حكمة النهاية والإكتفاء الذي يبدو أقرب الى رومانتيكية العشاق الذين يبكون على التجارب الخائبة في نفس الوقت الذين يبكون فيه على خفوت القدرة على خوض نفس التجارب بخيباتها. المدهش أن نجوم ونجمات السينما الآن يعتذرون عن أدوارهم قبل أن يمثلوها.
ـ 9 ـ
يسألون النجمة الشابة: "لماذا رفضت الأدوار التى عرضت عليك؟!" تجيب بابتسامة ثقة: "اذا شاهدتم الافلام ستعرفون فورا" هي تصورت طبعا أن رأيها عمومي. وثقافتها محل إجماع. وبالأحرى هي واثقة من أنها في أعلى درجات التوافق مع نظرة ترى السينما "منزل المحرمات" نظرة لا تستوعب المسافة بين الواقع والخيال التي تلعب فيها السينما.
استمر المذيع في السؤال.. فجاءت الإجابة مع ضحكة أكثر ثقة.. "كانت فيها مشاهد لا أستطيع أن أؤديها.. لا أستطيع أن يراها أبي أو أخي".
"تقصدين القبلات؟"
قالت بتحد: "أيوه طبعاً"
فاستمر المذيع: "لكنها قبلات سينمائية".
فأبدت اندهاشا كبيرا "مش أنا اللي باتباس؟".
أتصور أن هناك جمهورا كبيرا كان يصفق لها بحماسة ويعتبرها نموذجا للنجمة "المؤدبة".
هذه هي نجمة "السينما النظيفة" أكثر المصطلحات رواجاً هذه الأيام وترتبط به مصطلحات مثل.. "سينما تشاهدها كل العائلة" و"أفلام لا يخجل منها الآباء ولا الأبناء" وهي أقرب في تصوري الى شعارات تجارية تغازل الاتجاهات المحافظة في الشرائح الجديدة للطبقة الوسطى.. خاصة العائدة من دول الخليج والمتعودة رَقابة الثقافة البدوية وهؤلاء هم جمهور دور العرض الحديثة جمهور يحب سينما خالية من الحواس.. سينما بلهاء تلعب على مشاعر ساذجة ومليئة بتلميحات جنسية على طريقة جلسات الرجال في المجتمعات البدوية.. لكنهاتنفي الجسد والمشاعر خارجها.. وكأنها ترى في المشاهد الجريئة على الشاشة.. نوعا من العري المبتذل. رغم انها مشاهد عادية في الحياة. لكن المسألة أكبر على ما يبدو فالضجة التي دفعت ممثلة شابة مثل منة شلبي الى مصاف نجمات الإغراء في فيلم "الساحر" لأنها رضت بالقبلات على الشاشة في إطار لعبها لدور فتاة مراهقة تعيش في عالم من الرغبات المكبوتة.. هي كتلة من نار سائلة وموقعها في الفيلم كاشف لمصائر أبطال الحكاية الأرمل الذي اعتزل مهنة السحر بعد موت زوجته.. ويعيش مرعوبا من أن تختطف الذئاب البشرية إبنته صاحبة الجسم الفائر والمطلقة التي مهنتها تزيين النساء هي حفافة بالمعنى الشعبي الذي يصف عملية التزيين بحسية مباشرة وهي تخفي جسدها الضئيل في الملابس السوداء واللسان اللاذع.. كلاهما صنعته البهجة لكن الساحر محاط بالخوف والحفافة مصدومة من الغدر وقلة الحيلة هذه المفارقة تصنع كوميديا وقد تصنع ميلودراما وحين كانت المراهقة الفائرة تهرب من رقابة الأب المرعوب وتفشي أسرار جسدها للمرة الأولى بالقرب منه الجمهور وحده الذي يرى ويضحك.. حيلة قديمة.. لكنها ممتعة تسخر من فكرة المراقبة.
كيف يمكن حذف القبلات من الفيلم؟
هكذا تلهث الصحف وراء سؤال واحد لمنة شلبي.. كيف وافقت على القبلات؟ماهو شعورك وقتها؟ هل أنت نجمة أغراء؟
والممثلة المتمتعة بموهبة قوية تجد نفسها مختصرة في مساحة صغيرة ومختزلة في صورة من الصعب الهروب منها.. وكأن المجتمع يصنع صوره ويعيد تصديرها الى السينما في مسار حركة مرعب. ويمكن لشخص ما عابر أن يكلف نفسه ثمن شراء علبة بوية سوداء ليلقيها على أفيشات فيلم تظهر فيه بعض أجزاء من جسد ممثلة، كأنه يغطيها حتى لا تجرح الحياء الذي يعيش في ظله.
ـ 10 ـ
حتى هند صبري تعرضت للحظات ضعف في مواجهة الضغط العام.
جو خانق تصبح فيه المحجبة مميزة اجتماعيا. والحجاب هو دليل خضوعها لشروط المجتمع. وابتعادها عن ارتكاب الحرام. الحجاب رخصة اولية لممارسة الحياة في ظل هوس نفسي بالمحرمات. المحجبة خارج الشبهات حتى يثبت العكس وعلى العكس المرأة بلا غطاء هي اولا خارج فكرة الاحتشام وثانيا عليها ان تثبت انها خارج دائرة الشبهات. تظل المتمردة على الحجاب خارج الصف قلقة حتى تعود وتنتمي تماما الى الاتجاه العام. لا تفكر أي واحدة منهن في الشرعية الدينية. ولا تعتبر نفسها مختارة بل هي تؤدي فريضة. هكذا سمعت. وهكذا ارتاحت ان احدا ما. غامضاً. اتخذ قرارا بدلا منها بتغطية راسها.
هند صبري التي تربت في مناخ مفتوح.. اكثر حرية في تونس.. تربية ليبرالية تتعامل فيه المرأة بحريتها.. ولا تحبس في افكار مهووسة بالتغطية.. علاقتها بجسدها كانت مريحة خاصة في افلامها الاولى (صمت القصور مثلا).. هي تعرف جيدا الفرق بين الحرية والابتذال.. بين ان تكون حرا.. وان تعتبر الجسد سلعة بالتعري او بالتغطية.
لكنها تحت الضغط اصبحت ترفض مشاهد.. وتتردد في قبول القبلات.. ودخلت في حالة مختلفة تحت ضغط المزاج العام.
هذا المزاج يؤمن بالاخلاق في مستوى سطحي وشكلي.
يربطها بمدى النفاق.. لا بمدى الاتساق.
نجمة محجبة في عالم التليفزيون.. ارادت مؤخرا خلع الحجاب.. فنصحتها صديقتها: اوعي تعملي كده.. اعملي كل حاجة..
وعلى مستوى اخر.. فإن مخرجاً تربى في هذا المناخ غيّر نهاية اول فيلم روائي له لانه شعر بالخوف من الجمهور ومن نفسه.
الفيلم عن قصة رجل مستريح ماليا.. تزوج من امرأة كانت تنتطر عريسا على الكتالوج الجاهز... وبعد سنوات.. قابل امرأة اخرى.. تشعر بحريتها.. وتحترم مشاعرها.. نامت مع الرجل لانها احبته.. وهنا تردد في الزواج منها على حسب العادات الشرقية السخيفة.. لكنه حسب السيناريو قرر حسم ارتباكه في النهاية والزواج من الحبيبة الحرة.
المخرج غير النهاية وابقاه على تردده لانه لا يرد ان يتزوج بطله من "مومس" كما قال لكاتب السيناريو (مستخدما اللفظ الشعبي لاقدم مهنة في التاريخ).
سأله السيناريست.. من هي المومس في نظرك.. الزوجة التي نامت معه لانه جاهز فقط.. رغم انها لا تحبه.. ام التي اختارته واحبته.. ومنحته جسدها وروحها..؟!
من وجهة نظر السيناريو: المومس هي التي تحصل على مقابل لليلة المتعة.. والزوجة التي باعت جسدها مقابل ورقة زواج. بينما الاخرى اختارت الحب والحرية.
المدهش ان المنتج اعترض على تغييرات المخرج.
والمخرج يبحث الان عن حل وسط.
ـ 11 ـ
ربما لا تعرف حنان ترك حتى الان انها احسن ممثلة في اسيا.
ربما ايضا لا يهمها.
فهي مثل كثير من المحجبات تتغير الحياة بالنسبة لهن في اللحظة التي تغطي راسها.
كأنها علامة انتقال من عالم الى عالم. ومن نجمة.. الى صاحبة رسالة.
حلا شيحة.. في حوارها مع منى الشاذلي على قناة دريم.. كانت في مزاج الملائكة ترتدي ابيض وتغطي شعرها بحجاب وردي (حنان في اول ظهورها كانت ترتدي نفس الالوان).. وقالت انها بعد الحجاب بدأت رسالتها في الفن.. لابد ان تكون قدوة وتعطي للناس ما يفيدهم في الحياة.
حنان فازت بالجائزة في مهرجان سنغافورة السينمائي وعن فيلمها "دنيا" الذي واجهت فيه مع المخرجة جوسلين صعب جمهورا محافظا يستفزه مشاهد جريئة كانت السينما المصرية تقدمها بشكل عادي (قدم الفيلم احداها وكانت بطلته هدى سلطان).
لكنها الان في ظل سيطرة الشيزوفرينيا الاخلاقية التي تلعن المشاهد الجريئة في الافلام العادية..
هذه الشيزوفرينيا تفجر طاقة عدائية تجاه الفن.. والنساء.
ينظر اصحابها الى الافلام او الروايات على طريقة محاكم التفتيش.
حنان ترك شعرت بالتحدي لهذا الجمهور.
لم تقبل ان تنافقه.
وربما اعجبها انها تحمل رسالة موجهة لنساء محرومات من رحلات البحث عن الحواس الضائعة وسط قيود التقاليد والقوالب الجاهزة.
هذه رسالة عبرت عنها حنان في الفيلم بشحنات كثيرة منها الرقص والغناء.. والتمثيل الحر.
هذه رسالة مختلفة عن التي تقصدها حلا شيحة.
رسالة حلا تشبه خطب المدرسين المملة في طوابير المدرسة.
ورسالة الفن والسينما ليست مواعظ وعلامات ارشادية لكنها خبرات وافكار ومشاعر لا يقدر عليها اشخاص عادية.. يقدر عليها فنانون يتمتعون بموهبة.
وهذا هو الفرق بين فنان يقود المجتمع في رحلات اكتشاف.. ويفتح طاقات الخيال الى عالم مختلف.. وبين انسان عادي يتحرك في حدود المتاح والمعروف والعلب سابقة التجهيز.
من هنا يمكن ان نرى مناطق مجهولة في الحب والحياة والسياسة مع سعاد حسني وفاتن حمامة وعبد الحليم وشادية وفايزة ووردة واحمد عدوية ونجيب محفوظ وبهاء طاهر وصنع الله ابراهيم وابراهيم اصلان وفتحي غانم.. وصلاح جاهين وفؤاد حداد.
لكن ماذا يمكن ان نعرف مع تنظيم الشيخات..؟
ـ 12 ـ
وانا احاول فهم حكاية حنان ترك سمعت كثيرا اسماء الشيخة هناء ثروت.. وياسمين الخيام.. والراقصة اميرة.
الاولى هي الاقوى. مقنعة. وغارقة في كتب الفقه لديها اجابة عن سؤال في المسائل الفقهية (ينافسها في الموقع شهيرة وكاميليا العربي).
الاخيرة هي الالطف.. كانت جميلة وهي في عالم الرقص.. خفيفة الدم.. وهي الان منسقة العلاقات.. ماهرة في الترويج والبيع والشراء.. وضعت الحجاب بعد ظهور اعراض مرض جلدي.. لكنها لم تفتقد روحها المرحة.
هؤلاء هن دبنامو التنظيم.. او الشلة حسب التعبير الدقيق.
من البداية وفي المراحل الاولى من اصطياد النجمات المرتبكات كانت الدروس هي تجمع لنساء على حفلات طعام ودردشة حول امور فقهية مدهشة لنساء طبقة كونت ثروتها من اقتصاد غامض يقوم على قواعد فهلوة وشطارة.
من اليوم الاول التعليمات كانت تتغير ويكون الالحاح حول مناداة الجميع بلقب واحد هو الاخت.
الاخوات.. (قالت لهم صديقة مقربة سيتلامس مع الاخوان المسلمين).
رفضت المتحمسات للحديث بلغة غير التي يتحدث بها الناس في مصر.. مشيرة الى فرح بهذه الاخوة الجديدة.
ـ 13 ـ
القضية كما قلت ليست حجاب حنان ترك.
فهي حرة في اختيارها الشخصي.
وربما لابد ان تمر بالتجربة لانها عاشت الفترة الاخيرة وهي تعتقد ان الحجاب سيحل صراعاتها الداخلية وشعورها بالذنب.
ستجرب.. ربما تنجح او تضطر الى مواجهة مشاكلها الحقيقية.
..القضية اذن في الرسالة وراء حجاب حنان ترك.
حجاب حنان.. هو انتصار للشيخات بعد بعض الهزائم الصغيرة (هناء ثروت قاطعت منى عبد الغني لانها مازالت تعمل.. وطردتها من مجموعات الدروس الخاصة بالنجمات).
وفي زفة الانتصار اعلان ادانة للمجتمع الذي يختار عدم الحجاب سواء كان هؤلاء مسيحيين.. او مسلمين لم يقتنعوا بعد بضرورة الحجاب.
لن ندخل في جدل حول فرض الحجاب او في نشأته.. وان تحويله الى فرض هو ابن سنوات التطرف.
انه موديل في الملابس.. يتحرر مع شيوعه ويتحول الى مجرد علامة دخول في المجتمع.
وكل امرأة حرة في اختيارها.
لكن الاختيار في حالة حنان ترك ووفق مقدماته والتوقيت الذي سبق موسم افلام ومسلسلات تلعب البطولة فيها محجبات.
فان هذا يعني اولا تسويقاً لاعمال فنية ومحطات فضائية قامت على تدعيم فكرة موديل المرأة المحجبة باعتبارها وحدها دليلاً على الشرف والسمعة الحسنة.
وثانيا فانه ادانة لغير المحجبات.
وثالثا هو تفكيك من اسفل لكل القيم والافكار الحديثة عن المرأة والعائلة والحياة.
ـ 15 ـ
حنان ترك لم تترك عالم الفن.. لكنها تريد البحث عن حجة للاستمرار به فتتحدث عن الرسالة والقيمة الكبرى التي يجب ان تكون في اعمالها.
وهي تفعل ذلك في توقيت تبحث فيه المحجبات عن متنفس بعيدا عن سطوة الاخوات والشيخات.
تعود سهير رمزي معلنة التوبة عن اعمالها قبل الحجاب واعدة باعمال اقوى من سانجام بالحجاب.. وهي لم تقدم شيئا له قيمة كبيرة قبل.. وليس من المنتظر تقديم شيء كبير بعد.. سوى الموديلات المضحكة للملابس.
وتعود المحجبات عبر برامج وافلام ومسلسلات.. كأنها حملة عكسية لاتريد الانسحاب من الفن.. تريد انسحاب الفن.
وتحول المجتمع الى صحراء.. يتسلمها فرسان الدولة الدينية ليدفعونا كما في كل التجارب المعاصرة والقديمة الى جحيم مكيف الهواء.
المستقبل
- 14000 reads
