- No upcoming events available
حسن نافعة
من الأفضل له ولتاريخه أن يقود التحول الديمقراطي بنفسه بدلا من أن يصبح عقبة في طريقها:
حكومة محايدة لفترة انتقالية: لماذا؟
طرحنا في مقال الأسبوع الماضي، والذي اخترنا له عنوان «تغيير قواعد اللعبة يسبق النزول إلي أرض الملعب»، رؤيتنا لطبيعة المعضلات التي تواجه النظام السياسي المصري في المرحلة الراهنة.
انتهينا فيه إلي أن الحل الأمثل للخروج من المأزق الحالي يكمن في قيام حكومة وحدة وطنية لفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات تعد البلاد لتحول ديمقراطي بالطرق السلمية علي نحو يتيح الفرصة لكل اللاعبين للاستعداد للدوري السياسي والمشاركة فيه في ظل قواعد مقبولة ومتفق عليها. وقد وعدنا القارئ بأن نخصص مقال هذا الأسبوع لشرح رؤيتنا حول فكرة "حكومة الوحدة الوطنية" بتفصيل أكبر لم يتسع له مقال الأسبوع الماضي.
وربما يحتاج مصطلح "حكومة وحدة وطنية" إلي بعض التوضيح في البداية. فنحن نقصد بهذا المصطلح، وببساطة شديدة، حكومة ممثلة لجميع القوي المؤثرة علي الساحة السياسية. ومن الطبيعي أن يثور تساؤل أساسي حول المعايير التي يمكن الاستناد إليها في هذه الحالة لضمان مصداقية التمثيل. ففي البلاد الديمقراطية، والتي تديرها مؤسسات شرعية تستند إلي إرادة شعبية معبر عنها من خلال انتخابات حرة نزيهة، يسهل تشكيل حكومة وحدة وطنية كلما ظهرت الحاجة نظرا لأن جميع القوي المؤثرة علي الساحة السياسية في البلاد الديمقراطية تتمتع بالشرعية وتمارس نشاطها بحرية،
ويعكس عدد المقاعد التي تشغلها في المجالس المنتخبة أوزانها الحقيقية علي الساحة السياسية. أما النظم السياسية غير الديمقراطية، ومن بينها النظام السياسي المصري بتركيبته الراهنة، فتتميز بغياب المؤسسات التي تستند في تشكيلها إلي انتخابات حرة ونزيهة حقا، وبوجود قيود عديدة مفروضة علي ممارسة العمل السياسي علي نحو يدفع القوي والتيارات السياسية الرئيسية إلي الغياب الإرادي أو التغييب القسري عن الساحة السياسية. وفي سياق كهذا يجب، عندما نتحدث عن "حكومة وحدة وطنية" في بلد كمصر، أن يفهم أن المقصود هنا حكومة تحظي بثقة الشعب وممثلة للنخب والتيارات السياسية المصرية المؤثرة علي الساحة، بصرف النظر عما إذا كانت هذه النخب والتيارات ممثلة داخل المجالس «المنتخبة» أم لا.
ولأنه لا يوجد معيار مؤسسي موضوعي يمكن الاستناد إليه لضمان مصداقية التمثيل فمن الأسلم في هذه الحالة تشكيل «حكومة الوحدة الوطنية» من تكنوقراط أو من سياسيين مستقلين مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة الفنية معا أو من الاثنين معا، وهو أمر ليس صعبا أو مستحيلا بالنسبة للحالة المصرية كما قد يتصور البعض. فمصر تزخر بالعديد من الشخصيات المستقلة المحترمة التي يمكن أن تشارك، إن حسنت النوايا، في حكومة تحظي بتأييد شعبي يمكن أن يقترب من حدود الإجماع الوطني.
الحكومة التي نطالب بتشكيلها يجب أن تكون إذن حكومة محايدة تقف علي مسافة واحدة من جميع القوي السياسية، وهي حكومة انتقالية بطبيعتها لأنها لا تستمد شرعيتها من إرادة الناخبين وإنما من توافق عام علي آلية تستهدف إخراج البلاد من النفق المظلم الذي دخلت فيه.
أما الفترة الانتقالية المقترحة فلا يجب أن تزيد علي ثلاث سنوات بأي حال من الأحوال تزود الحكومة خلالها بجميع السلطات والصلاحيات التي تمكنها من إعداد البلاد لعملية تحول ديمقراطي علي أسس سليمة وقابلة للدوام. وربما يتساءل البعض هنا: ولماذا لا يكون الاحتكام للشعب مباشرة ليختار ممثليه أولا من خلال انتخابات حرة ثم تشكل من هؤلاء حكومة يمكن حينئذ أن تحظي بالشرعية والتفويض اللازمين لتمكينها من اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لإعادة ترتيب البيت من الداخل بما يتفق وإرادة الناخبين؟. وفي تقديري أن الفترة الانتقالية ضرورية للأسباب التالية:
١- لتمكين جميع القوي الاجتماعية والتيارات الفكرية والسياسية المعزولة أو المهمشة أو المحجوبة عن الشرعية من تشكيل أحزابها ومباشرة نشاطها والاتصال بجماهيرها، في جو من الحرية الكاملة وعلي أساس من تكافؤ كامل في الفرص، لفترة زمنية معقولة قبل الذهاب إلي انتخابات نزيهة وغير مزيفة. وهذا شرط لازم وضروري كي تعبر أي انتخابات قادمة عن إرادة الناخبين حقا، أي بعد أن يكون قد أتيح للناخب الفرصة الكاملة للتعرف علي خريطة ومواقف القوي السياسية والاجتماعية بعيدا عن التأثيرات المصطنعة بجميع أشكالها. بعبارة اخري يمكن القول إن المرحلة الانتقالية ضرورية لتصحيح المناخ الحالي لممارسة العمل السياسي والذي تتحكم فيه حالة الطوارئ، من ناحية، وقانون فاسد للأحزاب، من ناحية أخري.
٢- لمنح القوي السياسية، و قديمها وحديثها، الوقت الكافي للدخول في حوار صحي مع بعضها البعض بعيدا عن الضغوط النفسية والعصبية التي تتسم بها الحياة السياسية في المرحلة الراهنة، وعلي أساس من المساواة في الحقوق والواجبات، بهدف العمل علي التوصل إلي وفاق وطني حول القواعد التي ستحكم إدارة اللعبة السياسية في المستقبل، والذي يتعين أن يقنن من خلال مشروع لدستور جديد يستفتي عليه الشعب.
٣- لإحياء الأمل في النفوس من جديد بأن من الممكن تحقيق عملية تحول ديمقراطي تسمح بانتقال آمن وتداول حقيقي للسلطة بعيدا عن جو الاحتقان والتوتر الذي يميز الحياة السياسية في المرحلة الحالية، وهو ما من شأنه إقناع الأغلبية التي لا تزال صامتة حتي الآن، بالنزول إلي الساحة والمشاركة علي الأقل من خلال صناديق الاستفتاء والاقتراع.
ويتضح مما تقدم أن الهدف الحقيقي والوحيد للحكومة الانتقالية المقترحة هو التأسيس، ولكن بوسائل سلمية، لنظام سياسي جديد يقوم علي شرعية جديدة.
ولا يخفي علي ذكاء القارئ أن هذه الفكرة ليست قابلة للتطبيق إلا إذا توافر لها شرطان لا ثالث لهما. الشرط الأول: أن يقتنع رئيس الدولة بأن النظام السياسي المصري الذي أرست قواعده ثورة يوليو لعام ١٩٥٢ قد استنفد أغراضه وتجاوزه الواقع وأن هناك حاجة لإقامة نظام سياسي علي أسس جديدة، وبتوافق عام وليس بإملاء من أي قوي داخلية أو خارجية.
كما يتعين علي الرئيس مبارك أن يقتنع بأن أي محاولة للاحتفاظ ببنية النظام الراهن، والتي يخيل للبعض أنه يسهل في ظلها تمرير عملية نقل السلطة إلي جمال، لن يكون مصيرها الفشل التام فقط ولكنها قد تؤدي إلي حريق سياسي أكبر وأعنف من كل ما شهدته مصر حتي الآن، وبالتالي فمن الأفضل له ولتاريخه أن يقود عملية التحول الديمقراطي بنفسه ويساعد عليها بدلا من أن يصبح عقبة في طريقها.
الشرط الثاني: أن تواصل فصائل المجتمع المدني ليس فقط تنظيم وتوحيد صفوفها من أجل إحداث التحول الديمقراطي بطريقة سلمية، ولكن أيضا تكثيف حواراتها الرامية للاتفاق علي قواعد إدارة اللعبة السياسية في المرحلة القادمة.
وفي هذا السياق فعلي كل الفصائل أن تدرك أن سياسة العزل والاستبعاد التي يرفع البعض لواءها في مواجهة البعض الآخر تعطل التحول الديمقراطي وتصب في مصلحة تأبيد الوضع القائم بكل ما يمثله من تحالف بين الفساد والاستبداد.
وتقتضي أمانة الكلمة أن أقول، وبكل الأسف، انني لا أري في الأفق، حتي هذه اللحظة علي الأقل، أي بوادر مشجعة توحي بأن هذين الشرطين باتا قاب قوسين أو أدني من التحقق علي أرض الواقع. علي العكس، تشير معظم الدلائل إلي أن مصر، ومن ورائها المنطقة كلها، تتجه نحو كارثة تبدو وشيكة. فالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة، مثل تأجيل الانتخابات المحلية وتمديد العمل بقانون الطوارئ لفترة سنتين، لا توحي مطلقا بأن الرئيس مبارك بات أكثر اقتناعا بضرورة الإسراع بوتيرة التحول الديمقراطي بالطرق السلمية لوقف الاندفاع نحو حافة الهاوية.
بل توحي هذه الإجراءات، علي العكس، بأننا بصدد ردة حقيقية قياسا علي الوعود التي كان الرئيس مبارك قد قطعها علي نفسه إبان حملة الانتخابات الرئاسية. علي صعيد آخر، لا توجد دلائل تشير إلي أن المجتمع المدني في مصر، بما في ذلك أحزابه السياسية، قد تخلص من أمراضه ونزعاته القديمة التي تميل نحو التخوين والتشكيك، وأنه علي وشك فتح صفحة جديدة ترتفع بالنفوس والضمائر إلي مستوي التحديات. فالواقع أن ما يجري علي هذه الساحة أيضا لا يبعث علي الاطمئنان.
مع ذلك لا يوجد في الوقت نفسه ما يبرر الاستسلام لليأس. فتحت الرماد المتراكم علي سطح حياة سياسية مصرية مليئة بالمتناقضات أكاد ألمح وهج نار تنطلق من جيل جديد لا يؤمن كثيرا بالقوالب القديمة ولا يرتاح أو يركن إليها.
هذا الجيل الذي لم يشهد كيف ولماذا حدثت هزيمة يونيو القاسية، ولم يعرف كيف ولماذا تجمدت محاولات الصمود عند إنجاز أكتوبر الذي تم إجهاضه، يبدو أنه قرر أن ينزل بنفسه إلي الساحة وأن يتمرد علي كل ما هو قائم بعد أن تخلص من حيرته بين شعارات يسمعها ولا يصدقها. لذلك فقد لا نري في حياتنا حكومة وحدة وطنية، لكن التغيير قادم لا محالة وليس بوسع أحد منعه.
المصري اليوم
- 1085 reads
