- No upcoming events available
عيدة المطلق
عطاف، العتبة، القنطار:
إعتذاريـة لمانديـــــــلات العـــرب.
أيام تمضي وأخرى تجيء.. فهذا يوم المرأة، وذاك يوم الأم، وآخر يوم الطفل.. وإلى آخر الأيام. وأعمارنا تمضي معها.
مسميات وقضايا تتقاطع وتتلاقى ولكن ما يجمع بينها أنها أيام للاحتفاليات المبهرة التي يخطف بريقها الأبصار والبصائر. ولا ننسى أن ما يجمعها أيضاً أنها أيام تستمطر فيها التقارير من المنظمات المحلية والدولية حول حالات هذه القضايا في العالم؛ فهذا تقرير حالة حقوق الإنسان، وذاك تقرير حالة المرأة، وثالث حالة الطفل، ورابع وخامس وإلى ما هنالك من حالات.
تقارير تمت عولمتها في أغلبية التفاصيل: فهي معولمة من حيث الصياغة والمصطلحات، معولمة في محاورها ومحتوياتها ومعاييرها. وكل هذه التقارير خاصة تلك التي تصدر عن حكوماتنا لو قورنت بنظيراتها في أرقى الديمقراطيات لتفوقت عليها. وكلها مطابقة للمواصفات، ومعدة للتصدير الخارجي، لا يعكر رونقها فقر ولا بطالة، ولا فساد ولا ظلم، ولا احتلال ولا أسر.
قبل أيام قليلة مر بنا يوم الأسير الفلسطيني، لم يستوقفنا لحظة واحدة ولم تصدمنا احتفالية هنا او هناك ولا تقرير مزوق من هذه الجهة أو تلك، ومضى تقرير نادي الأسير الفلسطيني في هذا اليوم صرخة في البرية ربما توقف عنده نفر قليل.. لا ندري حجمه التأثيري في الضمائر. تقارير نادي الأسير الفلسطيني شهادات حية عن مانديلات عرب في سجون الاحتلال “الإسرائيلي” لم يعرف عنهم العالم المسكون بمزاعم الحرية وحقوق الإنسان شيئاً مهماً، بل هناك نسيان أو تناس لقضيتهم وجحود لتضحياتهم.
نعم هناك في سجون الاحتلال “الإسرائيلي” أسماء كبيرة لقضية كبيرة. هناك أسرى تجاوزوا مانديلا إفريقيا في أمد أسرهم، فهذا (سعيد وجيه العتبة) عميد الأسرى الفلسطينيين المعتقل منذ 29/7/1977 في (سجن عسقلان)، وذلك سمير سامي القنطار، عميد الأسرى اللبنانيين، المعتقل منذ 22/4/1979. في (سجن هداريم)، وآخرون.. تجاوزتهم كافة الاتفاقيات والمعاهدات التي أبرمت في ذات إذعان عربي، فغابت قضيتهم حتى عن اهتمامات المنشغلين بقضايا الإنسان والحرية في هذا العالم.
نساء وأطفال، منهم من تم اعتقالهم ذات مداهمة ليلية، ومنهم من ولدوا أسرى، ومنهم من تربوا وكبروا أسرى. هناك في دولة القرار العالمي من يملأ الدنيا صراخاً حين المس بأي صنيعة من صنائعهم، ولكنهم يصمتون صمت القبور عن محنة الآلاف من الأسرى والأسيرات، والمشردين والمشردات، والمعذبين والمعذبات على امتداد الخرائط العربية، والمقدار نفسه من الاهمال تصمت عنهم التقارير المبهرة.
تقارير حال المرأة وزعيق المنادين بحقوقها وحريتها لا تذكر شيئاً عن محنة نساء شابات يضعن أطفالهن في الأسر لم يسمعوا أبداً بسمر صبيح، وميرفت طه، ومنال غانم. ولم يسمعوا كذلك بأسيرات معيلات لأطفالهن (عطاف عليان المعتقلة منذ تاريخ 22/12/،2005 وجدد لها الاعتقال الاداري مدة ستة أشهر أخرى قبل حوالي أسبوعين ومعها طفلتها البالغة من العمر سنة وثلاثة أشهر)، وأخريات قاصرات، وآخرون تم أسرهم قبل أن يولدوا (براء ووائل ونور)، وأسيرات يغتصبن ثم نملأ الدنيا صراخاً استنكاراً لجرائم الشرف.
عائلات يؤسر منها الأم والأب (ففي 29/9/2005 تم أسر سمر صبيح وزوجها رسمي صبيح، وفي 30 /4/2006 ولد لهما براء داخل السجن). أسرى يتعرضون لمختلف صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، ولظروف اعتقالية تنتهك أبسط حدود الكرامة الإنسانية. فالصعق الكهربائي على المناطق الحساسة من الجسم بات سبيل المحققين لانتزاع الاعترافات (الأسير سمير خليل، بحسب محامي جمعية أنصار السجين في نابلس، فايز الزربا) حتى إن سلطات الاحتلال حولت الأسرى إلى حقل تجارب لشركات الأدوية.
وفوق هذا وذاك هناك تصعيد كبير في العدوانية الصهيونية بحق الأسرى، وقد تسبب التعذيب الشديد في أحدث تجلياته باستشهاد سليمان دراجي (الذي استشهد بتاريخ 26/4/2006 في سجن “هشارون” “الإسرائيلي”).
“إسرائيل” الدولة الوحيدة في العالم التي أجازت التعذيب وشرعته على أعلى مستويات قضائية، وهي ماضية في غيها إلى يوم الدين، والعالم لا حسيب ولا رقيب. فسلطة الاحتلال أعلنت عن نيتها في التعذيب منذ بداية احتلالها، وتعتبر كافة ممارساتها بحق الفلسطينيين من أسرى في سجونها الصغيرة، وأسرى في سجنها الكبير الممتد على مساحة فلسطين ممارسات مشروعة.
فماذا نحن فاعلون؟
قضايانا وهمومنا مغيبة تماماً كما هم أسرانا مغيبون عن الذاكرة والاهتمام. منظماتنا الأهلية تاهت في لعبة الأمم ولعبة الأجندات، فنسيت نفسها وغادرت مهمتها وقضيتها، واستغرقت في قضايا تم تصنيعها خصيصاً لأمة العرب. استغرقتنا قضاياهم المصنعة في مركز القرار الدولي أفراداً وتنظيمات أهلية فضيّعنا أهدافنا وتاهت بوصلتنا في متاهة الكلمات المتقاطعة والمصطلحات والأجندات الهجينة. استغرقونا بشكليات الديمقراطية حتى لا ننشغل بجوهرها القائم على الحرية والعدالة والاستقلال والسيادة. استغرقونا بالعنف ضد المرأة، فانشغلنا في البكائيات المدبجة بالنسوية الهجينة، فغاب عن وعينا عنف الاحتلال ضد أوطاننا وشعوبنا. استغرقونا بجرائم الشرف التي لا تكاد ترى بالعين المجردة فضيّعنا عن قصد وسابق ترصد جرائمهم التي هشمت شرف الأمة، كينونة وصيرورة، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
استهلكونا في قضايا الجندر فأنستنا قضايا الجوع والفقر والاحتلال التي لا جندر لها في وطن تسطحت تضاريسه وتصحرت تربته وبيئته وانتهكت إنسانيته. فإلى متى هذا البيات، وإلى أن نستفيق، هل يقبل مانديلاتنا.. صانعو الحضور الحقيقي منا الاعتذار.
الخليج
- 956 reads
