- No upcoming events available
فيليب بورينغ
خائفة من الأصولية الآتية من أمريكا لتهدد علمانية الدولة:
الصين والدين والقدرة على التصرف.
ربما كان الدين بالنسبة للصين ما يزال كما ورد في عبارة كارل ماركس الشهيرة: الدين أفيون الشعوب.
بيد أن أيديولوجيا المادية التاريخية لدى الصين تبدو قادرة على استخدام ذاك الأفيون لتقوية قبضة الحزب والدولة بالطرائق الملائمة، أكثر مما يستطيعه المسيحيون الأميركيون في محاولاتهم للتأثير على سياسات الحكومة بواشنطن. فقبل أسابيع أدارت جمهورية الصين مؤتمراً واسعاً لهذا الأفيون وأتباعه بتنظيم مؤتمر عالمي للبوذيين، حضره أكثر من ألف عالم بوذي من شتى أنحاء الكرة الأرضية. وهذا الشهر قامت الكنيسة الوطنية الصينية، التي يديرها الحزب الشيوعي بتعيين مطارنة لكاثوليك البلاد بدون إذن الفاتيكان وموافقته، مع الكثير من الدعاية والإعلان.
ويرجع ذلك الى أن الحزب الشيوعي الصيني وعى منذ زمن التأثير المتزايد للدين على الجمهور في مجتمع شاسع يتوجه نحو الرسملة والسوق والحاجات المادية والتنافس والصراع، وفي ظل نظام تجاوز منذ مدة مثاليات التسوية والعدالة الأيديولوجية. لقد قرأ القادة الشيوعيون ماركس طويلاً لكي يعرفوا أنه قال أيضاً: "إن الدين هو الروح لأوضاع لا روح فيها". لا يستطيع الحزب الآن أن يهجر الأهداف المادية والإنجازات الرأسمالية التي تتأسس عليها الآن دعواه في الشرعية. ولذلك يستطيع الحزب تجنب معاداة القوى الدينية، أو أنه يستطيع أن يوجهها في قنوات لا تضر التوجه العام.
وتبدو البوذية اليوم في الصين الأكثر جاذبية. وذلك لأنها موجودة في البلاد منذ حوالي الألفي عام. ثم إنها لا تملك تنظيمات مركزية، كما أنها قليلاً ما تتدخل في الشأن السياسي. ويقال إن عدد البوذيين الممارسين لا يتجاوز الـ100 مليون. لكنه يمكن أن يكون أكثر بكثير لاختلاط البوذية بالطاوية، وبالكثير من الألوهيات الشعبية. أما البوذيون من غير الصين، فهم موجودون بكثرة في شرق وجنوب شرق آسيا. وفي أمم ودول تحاول الصين أن تجتذبها اليها لامتصاص النفوذ الأميركي هناك. والمعروف أن البوذية من أصل هندي، لكنها في ما يقال، الأقرب الى التلاؤم مع الكونفوشيوسية، التي يحاول الحزب ان يعتبرها عموده الأخلاقي. ويقال الآن إن كلتا الديانتين تدعو الى الخير والتسامح والاعتدال. ثم إن التظاهر بالبشاشة تجاه بوذا وديانته يخدم غرض الصين في إضعاف نفوذ الدالاي لاما، الذي يقود بوذية التيبت الانفصالية.
أما المسيحية فهي أمر مختلف تماماً. فالحزب الشيوعي الصيني يفضل عليها البوذية، لأنها ديانة مركزية التنظيم، وتمثل اختراقاً غربياً للتقاليد الصينية. بيد أن المسيحيين تخلصوا الآن من شبهات الاستعمار القديمة وأعدادهم تزداد بدون توقف. وينتشر المسيحيون الآن في سائر أنحاء الصين، وما عاد مظهرهم غريباً لدى الصينيين. وليس من السهل احتواء الدين المسيحي أو كبح جماحه، لكن من الممكن التسامح معه إن لم يرتبط بجهة خارجية ـ أي الفاتيكان. وقد أخرت عملية تعيين المطارنة تطور العلاقات إيجاباً مع الفاتيكان، والتي كان منتظراً أن يحصل في عهد البابا بنديكت السادس عشر. وقد أشرت الخطوة الصينية الى أن الحكومة تفضل المضي في تنظيم الشأن الوطني الكاثوليكي على التسليم للفاتيكان بذلك مقابل تطوير العلاقات مع روما. وقد اشتد قلق الصين من إقدام الفاتيكان على رفع مطران هونغ كونغ الى رتبة الكاردينالية (جوزف زن)، بسبب موقفه المعروف والمتحمس للديموقراطية. وهكذا فقد تكون الإدارة الصينية مستعدة للسماح للكاثوليك بالحركة في البلاد، ما داموا يعترفون للدولة العلمانية بحق الفيتو.
إن الظهور بمظهر الهادئ والمتسامح تجاه كل الأديان، مهم جداً بالنسبة للصين، وبخاصة وهي تحاول التقرب من بلدان العالم الإسلامي. فعن طريق ذلك، تستطيع الصين الاحتفاظ بولاء مواطنيها المسلمين، وتعزل انفصاليي كسينيانغ من الترك، والذين لهم علاقة بالقاعدة. تستطيع الصين أن تقول لسلطات العالم الإسلامي إنها تنظر الى الإسلام نظرة إيجابية ولا تعتبره شراً، بخلاف ما ذهب اليه الغربيون وبخاصة بعد 11 أيلول وأحداثه. وهي تود من طريق ذلك أيضاً الإشارة الى أن على كل المتدينين من مسلمين وغير مسلمين أن لا يتدخلوا في الشأن السياسي. وأن يبقى للشأن الوطني الاعتبار الأعلى قبل الأيديولوجيات الأخرى الدينية والإثنية.
تفضل الحكومة الصينية الديانات التي تعمل علناً، ويستطيع الصينيون الرسميون مراقبة ممارسات أتباعها، على أمثال فالون غونغ، الذين تعتبرهم بكين مشبوهين، ولهم ارتباطات خارجية، ويملكون جاذبية طاغية على الجمهور الصيني، تبعاً للتوجه الروحي لتلك الفرقة. وتظهر الصين حنكة مشهودة في تحييد الجاذبية الدينية الداخلية، في الوقت الذي تستغل فيه الدين دعائياً وبخاصة في آسيا. ولا شك أن الحكومات الآسيوية خائفة من الأصولية الآتية من الولايات المتحدة، والتي تهدد الطابع العلماني للدولة.
المستقبل
- 436 reads
