اللهم لا افتراض!
Submitted by kefaya on السبت, 03/06/2006 - 13:31.
بقلم:
بلال فضل
جسم المقال:

حكمة رئيسنا التي يقف العالم كله منصتا إليها:
اللهم لا افتراض!
تعالوا نفترض مجرد افتراض أن سائحا أجنبيا زار مصر هذه الأيام دون أن تكون لديه فكرة مسبقة عن واقعها السياسي طيلة الربع قرن الماضي.

وأتيح له الاطلاع علي صحفها القومية ومشاهدة إعلامها الرسمي من إذاعة وتليفزيون، ثم نسأل أنفسنا عن الصورة التي سيكونها هذا السائح عن واقع مصر.


بالتأكيد سيظن هذا السائح أن الرئيس مبارك بدأ حكم مصر منذ عدة أشهر وأنه ورث عن سلفه ميراثا مثقلا بالظلم والهموم والسلبيات والفساد، يعني بدليل ماقاله الدكتور أحمد نظيف رئيس وزرائنا لمجدي الجلاد رئيس تحريرنا عن أن تفسير كل مايحدث في مصر الآن هو أن مصر تشهد حرية سياسية لم تكن متوفرة قبل ذلك، بالطبع سينبهر السائح بأن مصر الحمد لله باتت تشهد مثل هذه الحرية لكنه سيسأل عن اسم الحاكم الذي كان يحكم مصر منذ عامين والذي لم يتح للشعب المصري تلك الحرية التي يتباهي بها الدكتور نظيف هذه الأيام، تفتكروا كيف سنجيب هذا السائح، ملعون أبو السائح كيف سنجيب أنفسنا عندما تسألنا عن ماكنا نسمعه كل يوم علي مدي الربع قرن الماضي بأننا نعيش أزهي عصور الحريات؟، ثم هاهو الأمر ينكشف بناء علي تصريح رسمي من رئيس وزراء مصر ويتضح أن ماكنا نسمعه لم يكن سوي كذب صراح، فالحرية السياسية الحقيقية اللي هي أزهزه واحدة بين الحريات لسه يادوبك مبتدية طبقا لتصريح الدكتور نظيف، من نحاسب إذن علي العمر الذي ضاع في الأوهام والتصريحات؟، ومن سيدفع لنا فرق الحرية الذي كنا نظن أننا نتمتع به كل هذا العمر الذي عدي؟.

هل من حقنا أن نسأل مجرد سؤال عن الخطة التي سنلعب بها هذه المرة والتي تبشرنا الصحف القومية بأنها ستجلب لنا الخير والرخاء والهناء، خاصة أننا نلعب بنفس الكابتن، فأين كان العيب إذن في الخطط السابقة.

بالطبع لا أطمع أن أجد إجابة علي هذه الاسئلة لا أنا ولا السائح الذي أعتقد أنه لو ألح كثيرا في سؤاله عن اسم الحاكم الذي سبق الرئيس مبارك في الحكم فستتاح له الفرصة في أن يذوق بعضا من رحيق عصر الحرية الزاهية اللي يادوبك لسه بادي.

 أما إذا لم يكن غتيتا وقرر ألا يدقق كثيرا في أسئلته وواصل قراءة صحفنا القومية فإنه سيحسدنا لامحالة علي هذا الخير الذي انهمر فجأة علينا من كل حدب وصوب، مصانع لاحصر لها ولاعد وملايين الأمتار من الأراضي يعلن عن استثمارها من قبل مستثمرين جدد ومشاريع خدمية ستنهال زي الرز علي أم رأس ورأس أم كل مواطن مصري، ولاشك أن هذا السائح سيربط بين كل هذا الخير الوفير وبين مجئ حاكم جديد إلي مصر، وسيعتقد أن الحاكم الذي كان يحكمنا في السنوات الماضية كان سبب تأخر التنمية في بلادنا وتعثر خطط الاستثمار وثقب عجلة التنمية، ولاشك أنه سيتوجه لنا ولرئيسنا الجديد بأصدق التهاني وأحر الأماني.

لو قرأ هذا السائح صحفنا الحكومية وشاهد برامجنا الحوارية لأدرك أنه ثمة عقبة كئود تقف في طريق تقدمنا وازدهارنا، اسمها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، ولاعتقد من فرط مايقرأه عن هذه الجماعة أنه لاصلاح لنا إلا بالخلاص منها قيادات وأعضاء وفكرا ومنهجا، ولربما اقترح علينا الرجل أن نعمد إلي التخلص من جميع من ينتسب إليها في محرقة جماعية أو نلقيهم من جديد في غياهب السجون لكي نتخفف من أثقالنا ونستمتع بثمار إصلاحات رئيسنا الجديد الذي لو خلي الإخوان بينه وبين الشعب لصار الراكب يسير من طنطا إلي ديروط لايخاف إلا الله والذئب علي غنمه.

لو قرأ هذا السائح صحفنا الحكومية لأدرك أنه تعيش بين ظهرانينا جماعة لايتجاوز عددهم المائتي نفر تحجرت قلوبهم وماتت ضمائرهم يخرجون إلي الشوارع بهدف تعطيل المرور وإرباك حركة السير والاستثمار ويتسببون بهتافاتهم البذيئة في انهيار البورصة وتدهور التعليم وتلوث المياه وانتشار السرطان والفشل الكلوي، بل ويصل بهم الفجور إلي درجة أنهم يضربون عصي قوات الأمن بأجسامهم وأقدام قوات الأمن ببطونهم ويقحمون أجسام نسائهم في أيدي رجال الأمن، ثم يبلغ بهم الفجور أيما مبلغ فيتعرون في أقسام البوليس ويوصلون أطرافهم بالكهرباء ومؤخراتهم بالأوراق والعصي ثم يأخذون في الصراخ مستجيرين بمنظمات حقوق الإنسان ومستنجدين بالصحافة الأجنبية دون أن يراعوا أننا مجتمع شرقي لايصح فيه أن يقرأ الأطفال تفاصيل الانتهاكات والتحرشات عيانا بيانا لأن في ذلك خدشا مبينا لحياء المجتمع الذي بات حياؤه يوجعه من كثرة ماارتكبه هؤلاء المعرقلون لمسيرة التنمية التي تسير مثل وابور عبد الوهاب دون أن يعرف أحد هي رايحة علي فين.

لو قرأ هذا السائح صحفنا الحكومية لشك في قوانا العقلية لأننا نمتلك ثروة قومية ممثلة في نجل الرئيس لو ذهب إلي دولة متحضرة لخطفته منا خطفا ولأسلمته قيادها طائعة مختارة لكي يفئ عليها بأفكاره العبقرية التي يمكن أن تغير وجه مصر بدون عمليات جراحية وباستخدام المنظار، لكننا لانتركه يعمل في صمت كما يوصينا والده ـ طبقا لما صرح به السيد إبراهيم سعدة في مقال أخير له ـ فأخذنا نغلوش عليه حتي فقد تركيزه ولم يعد قادرا علي أن يعمل لرفعة البلاد وسيادتها، ولاشك أن ذلك السائح سيصرخ فينا كالأسد الهصور بألا نجني علي أنفسنا فنحرمها من خير ذلك الشاب المكافح الذي قلما يجود الزمان بمثله.

لو قرأ هذا السائح صحفنا القومية وشاهد نشرات أخبارنا من الواحدة ظهرا وحتي الواحدة صباحا لحسدنا علي حكمة رئيسنا التي يقف العالم كله منصتا إليها، وعلي نهر الخير الذي يتدفق في بلادنا ولانهر الذكريات، وعلي التفافنا بكل حب حول مسؤولينا وحكامنا دون أن نسلم آذاننا للمغرضين من أهل المعارضة الذين أسلموا قيادهم للشيطان، ولطلب فورا أن يحصل علي الجنسية المصرية لكي يشاركنا في هذا النعيم الوفير، لكن المشكلة أنه وهو متوجه ليطلب الحصول عليها سيضطر للمشي في مناكب بلادنا وسيشاهد شعبها المرهق من عناء التنمية وسيستمع إلي شكواه من التهابات الإصلاح التدريجي وعندها لن يسأل ذلك السائح سوي سؤال واحد لسائق التاكسي الذي يركبه «تاخد كام وتوديني المطار».

  المصري اليوم

( categories: )