من سجن الغد إلي حصار الإخوان.
Submitted by kefaya on الخميس, 01/06/2006 - 10:25.
بقلم:
عمرو الشوبكي
جسم المقال:

من هم خصوم الحكومة؟
من سجن الغد إلي حصار الإخوان.

 

 


مدهشة حقا تصريحات رئيس الوزراء المصري التي أطلقها مؤخرا في ختام أعمال منتدي شرم الشيخ العالمي، حين أكد علي أن مصر دولة علمانية، وأنها ترفض مشروع الإخوان في إقامة دولة دينية، ودعا إلي التحقق من صفة المرشحين في الانتخابات التشريعية القادمة لمعرفة ما إذا كانوا يحملون فصائل «دم إخوانية» أم لا، مطالبا باستبعاد المستقلين من الذين لا يهرولون إلي الحزب الحاكم عقب إعلان النتائج، من الترشح في الانتخابات التشريعية.

وتعد هذه المرة من المرات النادرة منذ عقود التي يتحدث فيها أحد رؤساء الوزراء في أمر سياسي، ولأن الرجل اضطر أن يتكلم في السياسة بعد أن أصبح رئيس وزراء، فلم يتابع ما توافقت عليه النخبة السياسية المصرية (الغريب عنها) من تبني تعبير الدولة المدنية والدستور المدني عوضا عن لفظ علماني لما له من صدي سلبي في نفوس قطاعات واسعة من المصريين يبدو فيها أنه ضد الدين.

والمدهش أيضا أن جماعة الإخوان أعلنت بصورة واضحة أنها لا تطرح رؤية دينية ولا ترغب في بناء دولة دينية، إنما هي تقدم رؤية سياسية مدنية للإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي، وأيا كان الموقف من هذه الرؤية، فإن ضمانة التزام الإخوان بها لن تكون عبر إنشاء محاكم تفتيش، تبحث في النوايا والظنون، وتكشف علي مرشحي الشعب لمعرفة ما إذا كانوا أصيبوا "بداء الإخوان" أم لا، إنما عبر مؤسسات قوية تحرس الدستور والنظام الجمهوري، وتبدأ بوجود سلطة قضائية نزيهة ومستقلة، وجهات رقابية تعمل بشفافية واستقلال، وسلطة تشريعية تراقب بفاعلية أعمال (وانحرافات) السلطة التنفيذية.

ويبدو أن معضلة تلك الحملة التي يقوم بها النظام ضد الإخوان، تتعلق بوهم الدولة العلمانية التي يدافع عنها رئيس الوزراء، فالحقيقة أن هذه الدولة المدنية تكاد تكون غير موجودة في الواقع العملي ليس بسبب الإخوان، وإنما بسبب رجال الدين الرسميين الذين أطلقتهم الدولة علي عقول الشعب المصري، فحاصروا الفكر والإبداع برقابة أزهرية صارمة، وشغلوا الناس بعذاب القبر وبصوت المرأة العورة والغضب الإلهي علي دول شرق آسيا، والتنطع علي عقائد الآخرين (كمطالبة المسيحيين مثلا بأن يلتزموا بالرؤية الإسلامية عند كتابة فيلم عن السيد المسيح)، وظلت دولة نظيف العلمانية سعيدة بشيخ الأزهر الذي جري خلف الصحفيين في محاولة للاعتداء عليهم، أو بتصريحات المفتي التي تحرم النحت والتماثيل، وغيرها من الأفكار الدينية شديدة الانغلاق والتعصب التي ترددها المؤسسة الدينية الرسمية وحولت معها أجزاء مهمة من بقايا الدولة المدنية إلي دولة فتاوي ورجال دين ودراويش.

وإذا كان من المؤكد أن الإخوان لم يكونوا في أي مرحلة من مراحلهم تياراً مناصرا للفن والإبداع ولا يمكن إلا اعتباره تيارا محافظا، من المؤكد أنه أكثر استنارة من رجال الدين الرسميين، بل وحتي من الجمهور المستقبل للخطاب الديني الرسمي الذي هيمنت علي عقله ثقافة قدرية شديدة الركود كبديل عن ثقافة المبادرة والعمل.

وتبدو مشكلة الحكومة مع الإخوان في الشق السياسي للجماعة، أي في الجانب الإيجابي الذي نجح الإخوان في بنائه عبر رحلة طويلة من الصعاب والعرق نجحوا خلالها في بناء تنظيم سياسي محكم وحديث، خاض الانتخابات التشريعية الأخيرة واكتفي بالحصول علي ٨٨ مقعدا من مقاعد البرلمان.

ويبدو أن دور الإخوان من أجل تثبيت أركان النظام وتسهيل عملية ميلاد البديل الذي يعد منتهياً، فقد كان مطلوبا منهم أن يظهروا أمام الخارج باعتبارهم البديل الوحيد للنظام القائم، فيحصل الأخير علي بعض بركات الإدارة الأمريكية لتسمح له بمزيد من المناورة والتملص من عملية الإصلاح السياسي حتي يكتمل إعداد ملف التوريث في ظل مشهد سياسي لا يبدو منه أن هناك أي بديل للنظام القائم إلا الإخوان غير المرضي عنهم أمريكيا وغربيا.

وتبدو في الحقيقة حجة الحكومة في الدفاع عن الدولة "العلمانية " شديدة السطحية والسذاجة، فهذه الدولة المدنية غير موجودة علي الأرض بفضل سياسيات الحزب الوطني وحكوماته المتعاقبة، كما أن المشكلة الحقيقية بين الحكومة والإخوان هي في المجال السياسي وليس الديني، وترجع إلي أن الجماعة أثبتت أنها تمتلك تنظيما سياسيا أكثر كفاءة وقدرة علي الحركة والتعبئة السياسية ـ بما لا يقارن ـ من الحزب الحاكم، وبصورة مثلت الدافع الحقيقي وراء استبعاد الإخوان وحصارهم حتي تكتمل سلسلة حصار القوي والتيارات السياسية الفاعلة.

وإذا كانت مشكلة الحكومة مع الإخوان فعلا هي مشكلة بين الدنيا والدين أو بين الدولة المدنية والدولة الدينية، فلماذا لم تترك الحكومة حزبا أو تيارا سياسيا ليبراليا واحدا يتحرك بحرية ويؤثر في الساحة السياسية، ويساعدها في الحفاظ علي تلك "الدولة العلمانية"في مواجهة «خطر» الإخوان؟، فحزب الغد الذي دمرته الدولة لأن رئيسه أيمن نور تجرأ علي منافسة رئيس الجمهورية ومثل تهديدا واقعيا لمشروع التوريث، تم سجنه.
أما الأحزاب الأخري، فقد انقسمت إلي أحزاب تقليدية تمثل الوجه الآخر للنظام القائم ويقودها رؤساء أشبه برؤساء النظام الحاكم في الطريقة والفهم وعدم الديمقراطية، وأحزاب القرار الإداري التي تمثل الجانب الفكاهي من جوانب النظام السياسي القائم كأحزاب قراء الكف والمحافظين والمتكافلين وغيرها من الأحزاب المخجلة.

من المؤكد أن الحكومة المصرية لم تحارب في أي مرحلة من مراحلها من أجل بناء دولة مدنية حديثة وديمقراطية، إنما هي حاربت وستحارب من أجل بقائها في أماكنها، وبعد أن تخلصت من خطر أنشط الأحزاب المدنية الليبرالية (الغد )، وعطلت مشروعين جادين هما الوسط والكرامة، انتقلت الآن لضرب آخر التنظيمات السياسية وأكبرها وهو الإخوان، من أجل البقاء في الحكم، لا الحفاظ علي قيم الدولة المدنية، التي أهم مبادئها احترام النظام الجمهوري.
 
المصري اليوم

( categories: )