- No upcoming events available
هويدا طه
تكفير محمود من الجزيرة عن (تحفظها) تجاه الشأن المصري:
المدونون وشباب آخرون: ورد الجناين بيفتح.
لا شيء يسعدني ـ وقد زدت عامين فوق الأربعين ـ قدر تأمل وجوه المتظاهرين في مصر هؤلاء الشباب.. كلما تأملت وجه متظاهر أو متظاهرة من المحتجين والهاتفين بسقوط نظام الذل في مصر.. كلما تأملت ملامح متظاهر أو متظاهرة من هؤلاء الذين تعتقلهم قوات الأمن.. وتسحلهم وتعذبهم وتغتصبهم في الشارع وفي أقسام الشرطة وفي المعتقلات.
وجدت شباباً أغلبهم تحت الثلاثين هكذا اذن هكذا يجب علينا نحن من تخطينا الأربعين أن نعتذر جهرا ودون مواربة.. عن غضبنا الذي كنا نسقطه بفوقية علي (الجيل الجديد التافه)، يبدو أن المشكلة لم تكن في هذا الجيل وانما كانت في ادراكنا نحن كما قال أحد المعلقين في برنامج (المدونون.. معارضة جديدة) الذي بثته الجزيرة.. وهو برنامج جاء تكفيراً محموداً من الجزيرة عن (تحفظها) الذي طال تجاه الشأن المصري.. ولم يكن البرنامج يتطرق فقط لظاهرة المدونين الشباب، بل من أعّداه هما أيضا شابان.. من نفس ذلك الجيل الذي نعتذر منه الآن عما لحق بنا من خلل الادراك.
بالطبع كان المتظاهرون فرحا باطلاق سراح المطرب الشاب المزور تامر حسني.. شباباً أيضاً، لكن ذلك شيئاً يبدو عادياً.. اذ بدا محدوداً أمام من يسحلون من الشباب كل يوم لاحتجاجهم علي القمع والاذلال والخنوع، وحتي هؤلاء الذين ساندوا مطربهم الشاب الوسيم لم يخرجوا عن المألوف بالنظر الي أعمارهم.. فكم أدهشنا (بل وأثار لدي الكثير منا الشعور بالاشمئزاز) ما شاهدناه من هوس الشباب في أوروبا وأمريكا أيام مساندتهم مايكل جاكسون في قضاياه المتعددة.. والتي لم تقتصر علي التحرش جنسيا بالأطفال. وبطبيعة الأمور لا يتعرض المهووسون بالمطربين لأذي الشرطة.. خاصة في مصر فشرطة مصر ترحب بكل شاب يتظاهر لمساندة مطرب أو للمطالبة بحقوق الأفغان أو التيموريين، لكنها لا تسامح ولا تغفر للشاب المصري أن يتظاهر لأجل حقوقه، لذلك لم يوضع شباب تامر حسني علي محك اختبار السحل والاغتصاب والضرب الوحشي حتي نتأكد من قدرتهم علي الاستمرار.. بينما الشباب الذي يحتج علي الاذلال يختبر كل يوم علي الطرقات.. فيزيد عناداً وعددا.
المدونون أصحاب المواقع المتمردة علي الانترنت الذين تعرّض لهم البرنامج بحرفية مهنية شابة.. جميعهم من الشباب.. جميعهم غاضبون من تردي مصر وانحطاطها في العقدين الأخيرين علي يد عائلة مبارك وحاشيتها الفاسدة من (لصوص الأعمال)، جميعهم كذلك نزلوا الي الشارع وجميعهم حالمون، والحلم مبدأ التغيير علي كل حال، لكن نحن أيضا كنا نحلم.. فلماذا هزمنا عندما نزلنا الي الشارع في الثمانينيات؟ آه.. كانت الأمور حينها مختلفة، ربما كان حلمنا خائفاً.. لم يكن جسورا، وكان أساتذتنا لا يتحمسون كثيرا لانطلاقنا.. ظلوا ـ رؤساءً كانوا لتلك الأحزاب الميتة أو كتاباً أو مفكرين ـ يعتبروننا (شوية عيال) هل غاروا من شبابنا حينها فدفنوه حيا؟ أم جبنّا نحن.. فانزوينا بين دفوف الكتب التي تحكي عن نضال الآخرين؟ حتي جاءت اللحظة التي رفعنا أعيننا عن كتبنا فجأة.. لنشاهد شباباً آخر من جيلٍ آخر يتمرد علينا وعلي أساتذتنا وعلي أساتذته؟
أتذكر د. رفعت السعيد حين وصف اقلاع حركة كفايه منذ عامين بأنها (لعب عيال) هناك جيل من بقايا الحرب العالمية الثانية (وبعضهم من الحرب الأولي) ما زال يظن أنه الأولي بالنضال وان من فراشهم في منازلهم.. حتي لو شاخ روحاً وجسداً وقلباً وفكراً وجسارة، هذا الجيل خذل شبابنا في الثمانينات ويريد أن يطل برأسه الشائخ الآن أيضا.. ليكسر جسارة الشباب المنطلق في أرجاء مصر يحررها.. فيما لم تفلح عشرينات وثلاثينات أعمارنا نحن في تحرير شبر منها حتي علي اذاعة بي بي سي التي لا نسمعها الا في السيارات.. كانت وفاء غالي تجري حواراً مع هاني عنان أحد منسقي حركة كفايه.. والذي يتراوح عمره بين أواخر الأربعين وأوائل الخمسين.. وأحد شباب السبعينات الذي كان يتجمع في الميادين احتجاجا علي بشائر الانهزام الساداتي.. قال لها انه وزملاءه في حركة كفايه مجرد منسقين.. بينما كل الابداعات التي تظهر علي طرقات القاهرة الآن هي لهؤلاء الشباب، ألهذا يعتقد معظمنا أن (المرة دي مختلفة)؟ المرة دي مختلفة لأن الينابيع تتفجر في مصر ويتفتح فيها ورد الجناين علي الطرقات.. رغم أنف كل العواجيز في الحكم وفي المعارضة علي حدٍ سواء، ألهذا نسعد بقصيدة نجم: رجعوا التلامذة يا عم حمزة.. رجعوا التلامذة ورد الجناين.. اسمع يا ميلص وشوف وعاين.. ملعون أبوك.. ابن كلب خاين ؟
لينا الفيشاوي أصغر رواد التغيير في مصر
لم يكن مجرد سبق تليفزيوني لبرنامج القاهرة اليوم استضافة الأبوين الرائعين لهند الحناوي.. بعد أن حصلت الابنة هند علي حكم قضائي نهائي.. بثبوت نسب طفلتها لينا للأب المتهرب من مسؤوليته الممثل أحمد الفيشاوي، بل كان أكثر من مجرد سبق تليفزيوني.. كان تعرية لجرح عميق عفن في جسد المجتمع المصري.. جرح اسمه (العادات والتقاليد البالية) آن له أن يكوي كي يتطهر منه مستقبل مصر لينا.. ذات العامين فقط من العمر.. قضت سنتي عمرها نضالا في المحاكم علي كتف أمها لتبصق علي ذاك الجرح العفن بعد حصولها علي هذا الحكم القضائي في طريقها النضالي.. بمساعدة أمها وجديها الرائعين.
كل يوم يتفجر في مصر ينبوع جديد نحو التغيير الشامل والعادل. لا يمكن أن تعود مصر كما كانت قبل عامين، قبل ولادة لينا.. ساكنة مستسلمة مسّلمة أمرها.. مصدقة أنها لم تعد الا كما من البشر يتزايد بلا قيمة مضافة، في مسيرة التغيير الشامل لا تنفض مصر الغبار عن نفسها سياسيا فقط.. بل اجتماعيا وقيميا ودينيا أيضا، نفض الغبار السياسي يجري الآن علي يد (ورد الجناين) المتفتح في شوارع مصر.. احتجاجا ورفضا لاحتلال عائلة فاسدة لحكم مصر.. وكرها للاذلال والقمع والخنوع، أما نفض الغبار الاجتماعي والقيمي والديني فهو معركة أطول وأصعب.. الا أنه يعبر عن نفسه في شكل تمرد يتنامي يوما بعد يوم.. علي الأفكار والقيم المتكلسة.. التي عطلت المجتمع المصري عن التحرر من أغلال التخلف لقرون طويلة، تمرد يكسر عبارة (العادات والتقاليد).. تلك العبارة البغيضة التي تحرم الفرد (ذكرا وأنثي) من انسانيته باسم المحافظة عليها، لماذا أصلا نحافظ عليها؟ وهي علي ما هي عليه من تكلس وتخلف وتناقض يحتاج الي تكسيره وتهشيمه.. وليس فقط الاحتجاج عليه؟
العادات والتقاليد المتناقضة والمتعفنة التي تجعل المرأة دائما (مخلوقا آثما ان لم يثبت العكس) وتجعل (العيب) ستارا يخفي عور التناقض القيمي الذكوري الذي تعيش مصر في نعشه المتهالك، تناقض يجعل المتعة من حق الرجل وحده وتبعاتها من نصيب عاتق المرأة وحدها.. هند الحناوي كانت شجاعة عندما تصدت ـ بمساندة أبوين يتمتعان بالوعي الكافي ـ لمقاومة ادانة (مجتمع العيب) هذا لها ولأبويها.. ولم تكسب هذه القضية وحدها.. بل كسبتها معها (مصر التي تريد أن تولد) في حين يريد أن يجهضها هرم التقاليد المتهالك، لكن مصر التي تريد أن تولد تنتظر أن نواجه كلنا أحجارا أخري في ذلك الهرم لنهدمها.. هناك ثقافة (السيدة الفاضلة) التي تبني نموذجا مسخا مشوها للمرأة التي يريد هذا المجتمع أن يصنفها فاضلة (حسنا.. لا تصنفوني فاضلة فضيلتكم لا تعجبني)، وهناك ثقافة (الستر) التي تهين المرأة وتعتبرها شيئا يجب أن يداري ويستر.. وليست كائنا من حقه أن يعيش ويخطئ ويجرب ويتمتع ويتنفس ويختار.. هناك ثقافة (تأنيث الخنوع) ومطالبة الأنثي دائما بحمل لوائه.. هناك الكثير من الأحجار التي يجب أن نتصدي لها.. ذكورا واناثا.. فليس تحرير المرأة معناه أن تفك المرأة أسرها وحدها.. بل أن يفك الرجل أيضا أسره من قيمه الأنانية المتخلفة. ربما ساهم القاضي الرائع الذي أصدر هذا الحكم في مهمة التكسير لتلك الثقافة الذكورية الجاهلة.. عندما ضّمن شعر نزار قباني في حيثيات حكمه: ليراتك الخمسون تضحكني.. لمن النقود.. لمن.. لتجهضني؟ لتخيط لي كفني؟ هذا اذن ثمني؟ ثمن الوفا يا بؤرة العفن؟ أنا لم أجئك لمالك النتن.. شكرا.. اني سأسقط ذلك الحملا.. أنا لا أريد له أباً نذلا .
المعركة اذن ليست (نساء ضد رجال) وانما معركة (ثقافة الحرية المسؤولة ضد ثقافة التأثيم المتخلف للأنثي لكونها أنثي).. جهر هند الحناوي بحقها ومسؤوليتها كان خروجا علي الخوف يستحق التقدير.. واعترافها بسذاجتها عندما ارتكبت من الأساس (خطأ اختيار) والد ابنتها كان اعترافا شجاعا تمرد علي نظم ثقافية خرقاء.. وبعد تمرد نزار قباني علي ثقافة تنصل الأنذال والذي ضمنه في حكمه القاضي الجميل.. فان للشاعر أحمد مطر هو الآخر مساهمته: خنت خوفي وارتجافي.. تعريت من الزيف.. وارتكبت الصدق كي أكتب شعرا.. واقترفت الشعر كي أكتب فجراً.. تمردت علي أنظمة خرفا.. وعلي ذلك.. أوقع اعترافي.
ريموت كنترول:
في برنامج الحقيقة الذي يقدمه الصحافي المتألق وائل الأبراشي علي قناة دريم.. كان الضيوف اثنان من رجال نظام مبارك أمام القاضي الجميل المستشار أشرف البارودي، كان القاضي مهذبا ومتحضرا في كلامه وحتي في هجومه الشديد علي ما يفعله الأمن بالشباب المتظاهرين.. بينما رجلا مبارك كانا يبدوان وكأنهما دخلا الي مائدة الحوار وليس بيدهما الا سلاح واحد مبّيت.. هو المقاطعة و(اللغوشة) علي القاضي دفاعا عن مبارك ونظامه وشرطته.. دفاع متحمس الي حد أنه (يلهيك واللي فيه يجيبه فيك) كمشاهد.. تضيق ذرعا بهذا (اللاحوار) رغم محاولات الأبراشي ادارته بطريقة تسمح لكل الأطراف بالكلام.. تجد نفسك لا يمكنك سماع جملة كاملة للقاضي المتحضر.. لا يمكنك استكمال تلقي فكرته.. لا يمكنك الا أن.. تبتعد عن التلفزيون.. لاعناً كل موظف لدي الباب العالي.. وضع أسياده علي رأسه.. قرنين.
كاتبة من مصر
howayda5@hotmail.com
القدس العربي
- 3276 reads
