- No upcoming events available
مهى جرجور
الممارسات العنفية الاجتماعية:
المرأة في مواجهة الاستلاب الفكري.
تتمحور وجوه العنف الاجتماعي الذي تخضع له المرأة في المجتمع الشرقي الذكوري في سيادة القوانين التي لا تراعي خصوصية المرأة، وطبيعة حياتها، وتقوم على تفضيل الرجل عليها، انطلاقاً من نظرية تفوقه العضلي وتفوقه المعرفي، وفي غيرها من النظم المتوارثة التي تحجم حرية المرأة، وتبعدها عن موقع القرار، وتعرضها للاستلاب العاطفي والفكري، وتختزلها في وعاء جنسي وأداة إنجاب تؤمن ذرية الرجل، وفي تلك الضغوطات الجنسية التي تخضع لها، سواء أكان من جهة قمع مشاعرها أم من جهة التعرض للتحرش الجنسي أو الاغتصاب.
وأكثر هذه الوجوه تأثيراً سلبياً في حياتها هو الاستلاب الفكري الذي يطال قدرة المرأة على التفكير، وتحمل مسؤولياتها الخاصة والعامة، ويشمل التشكيك في قدرتها على المشاركة في العملين الاجتماعي والسياسي، ويجعلها غير قادرة على تحديد أولوياتها، وتالياً، الإفصاح بصراحة وحرية عن عواطفها أو عن كل ما تفكر فيه.
ويمارس الرجل عنفه على المرأة إمعاناً في الاستلاب على المستويين العاطفي والفكري، ولا سيما داخل إطار الزواج بأشكاله المختلفة، سواء أكان مبكراً أم عن اختيار غير واع، أي من غير تجربة أو معرفة بأمور الحياة، بحكم مجموعة من المفاهيم التي تطالب المرأة والأم بالتضحية من أجل زوجها وعائلتها، وأن تتخلى طوعاً عن معتقدها لتتبنى آخر في الزواج المختلط (أي بين شخصين من طائفتين مختلفتين)، والالتزام بما يفرضه عليها لكي تتطبع وتتماشى مع الوضع الجديد، سواء أكان من جهة تغيير جزء غير قليل من عاداتها وطرق تفكيرها، أم من جهة الابتعاد عن عائلتها، وتحملها سخطهم، وغبن الأيام. من هذه الخلفية، يجعل الرجل من المرأة سبباً لكل علّة تصيبه، على اعتبار أنها مسؤولة عن شرف العائلة، كما كانت سابقاً مسؤولة عن خروجه من الجنة، لذا لا تسلم المرأة من عمليات نقده المستمر لسلوكها. وهنا، لا يخفى ما في نقد سلوك الآخر من إرادة سلطوية، أمام إحساس المنتقَد بالذنب، وأثره السلبي في استقرار الأخير.
وتقمع السلطة الذكورية رغبة المرأة، فيضمن بذلك الرجل إمكانية امتلاكها، ويبقيها في إطار الحاجة والطلب، مستمداً مسوغات استخدام العنف النفسي والجسدي ضدها، من الخلفيتين الثقافية الاجتماعية والدينية، متذرعاً وبالحق الشرعي تارة، بالضجر وبالغبن تارة أخرى. ويدعوها لكي تلبي له أوامره، ما عدا في حالة التمرد. وهنا تطالعنا جدلية الوفاء والخيانة، وحرية الإفصاح عن المشاعر الحقيقية الثابتة أو المتغيرة، أضف الى الامتلاك والضّجر الناتج منه، ودورهما معاً في تحديد قيمة الممتلك.
ويتحول سعي المرأة الدائم الى إرضاء الآخر، من غير اعتراف حقيقي بقيمة عملها أو الجهد الذي تقوم به، يتحول الى مشكلة عصيّة الحل، الى حاجز يصعب تجاوزه، يتحول تدريجياً الى إحساس بالغبن ينتج الضغينة، ويتحيّن فرصة قد تكون مناسبة أو غير مناسبة للانفجار، ما يبعدها أكثر فأكثر عن الأمان الذي ترغب فيه.
وعليه، يضع المجتمع العربي المرأة في موقع الأكثر ضعفاً، ويجعلها مشتتة بين النظرة التي تضفي عليها أرفع معاني الطهارة، وتلك التي تجعلها مصدر الشرور كلّها. لذا تراها تحاول التغلّب على هذه النظرة، وإثبات مساواتها للرجل في مختلف الميادين، فتحول مطالبتها هذه الى عنف تسلطي تدميري، يكون رداً انتقامياً على ما تلقاه من غبن قديم، وتسعى الى ملاحقة غرضها هذا في كثير من المواقف المسلكية، من مثيلات الغيرة، والتبخيس، والمطالبة برفع برقع اللامساواة عنها، ولا سيما الجنسي، فتستهدف بموقفها هذا الرجل في ضعفه، لكي تبرهن له أنه يبقى دوماً رهينة ما تقدمه له أو ترفض تقديمه له، متحدية بذلك تباهيه في ميادين الحياة عامة.
وتعتمد المرأة هذه الأساليب لكي تذل رجلها، ممارسة عليه عنفاً نفسياً، وانتقاماً لحقوق سلبت منها، وليس استرجاعاً لها، لذا، نادراً ما تعرف الاكتفاء، ولا الرضا. من هنا، نرى أن العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي، غالباً ما تقوم على التوتر، وعلى حب يصير كراهية، علاقة تتحكم فيها مجموعة من السلوكات التي تظهر في أبسط حالاتها على شكل نبرة انفعالية وإهانات عشوائية.
وعلى الرغم من أن فئة كبيرة اليوم من النساء قادرة على إثبات ذاتها، وقادرة على التفرد في القرار، وتحمل مسؤولياتها، غير أنها نادراً ما تستطيع قهر العنف الممارس عليها بطريقة عملية أو بوسائل إيجابية، لأنها لا تختار ميدانياً عملياً لتحقيق إرادتها إلاّ من خلال تحطيم صورة الرجل المكرّسة اجتماعياً، ما يرسّخ لديها الإحساس بالغبن وعدم الرضا، ويبعد عنها الاستقرار العاطفي.
وفي هذا الإطار، يبقى كل من التنازل والتفاهم واعتبار حاجات الآخر المنطلق الأول ليتمكن المرء من السيطرة على نزعته التدميرية، ويتمكن من تحويل سلوكه العنفي الى سلوك لا عنفي، تفهمي، يمتص الغضب، ويحول الطاقات السلبية الى أخرى إيجابية منتجة. لذا لا بد من تنبّه المرأة الى هذه الناحية، فعليها أن تعمل بنفسها على تغيير هذه الأفكار من خلال إثبات ذاتها بالعلم والعمل، والسعي الى تطوير إمكاناتها الفكرية، وتنمية قدرتها على استيعاب ما يدور من حولها، بعيداً من الأفكار المعلبة والجاهزة.
المستقبل
- 436 reads
