- No upcoming events available
هويدا طه
تشجيع الضغط الدولي ودعم مالي لورد الجناين وخبرات غير تقليدية:
كيف يساهم مصريو الخارج في إحداث فوضي خلاقة؟
علي عكس ما يتصور البعض.. فإن ما يوصف بأنه حالة (احتقان) في مصر هو حالة إيجابية حقا، تطلعت إليها مصر منذ زمن، ربما حتي دون أن يبدو علي سطح وعيها (إدراك صريح) أنها كانت في حاجة إلي مثل هكذا احتقان.. كي تحدث بها (فوضي خلاقة)! تنقلها من طريق التخلف الذي تسير عليه إلي طريق الدخول لعالم القرن الحادي والعشرين وما بعده.. بكل ما لهذا القرن وما عليه من معايير تنبذ بطبيعتها الوهم واللامعقول.. وتقر بالفعل الزمني في حياة البشر.. وبالفعل البشري في مسار الزمن.
الفوضي الخلاقة التي نحتاجها في مصر تتسم بطبيعة وشروط مختلفة ـ طبعا ـ عن تلك الفوضي التي تريد الولايات المتحدة بثها في كل أنحاء العالم! ربما أصبح ممكنا في اللحظة الحالية تلمس ملامح تلك الفوضي وشروطها وأيضا معوقات انطلاقها.. بعد نحو عامين من (إقلاع) الحراك السياسي في مصر.. علي يد مجموعة صغيرة من الناس وقفت في الشارع تقول لكل ملمح تدهور في مصر.. كفايه! وكان ذلك الإقلاع هو دورها التاريخي حقا.. أما بعده؟.. أما كيف يتوقف التدهور المحزن للإنسان والمجتمع والدولة المصرية؟.. فذلك ما لا يمكن لأي (مجموعة بعينها) أن تفعله بمفردها، فالحديث هنا عن (كيفية) حدوث (تغيير شامل) في مسار بل وطبيعة مصر ومصرييها.. نتحدث عن (زلزال) من نوع تسونامي.. سمته القدرة علي إحداث (فوضي) يؤمل بالطبع أن تكون.. خلاقة! لكنها لن تكون وليدة فعل واحد كما أنها لن تكتمل بين ليلة وضحاها.. إذ أن فوضي خلاقة تأخذ بيد مصر المحملة بأثقال آلاف السنين.. لا يمكن لمخاضها إلا أن يكون عسيرا.. ولا يمكن لبركانها إلا أن تكون له حمم!
في كتابه الموسوعي لوصف شخصية مصر قال عالم الجغرافيا المبدع جمال حمدان: أمام مصر خياران لا ثالث لهما.. الانحدار التاريخي أو الثورة التاريخية ، ودائما ما تواجه هذه الرؤية بنقد يائس.. يستلهم حقيقة تاريخية هي أن المصريين لم يصنعوا يوما ثورة كاملة .. رغم طول تاريخهم وشدة حاجتهم عبر مختلف عصوره إلي مثل هكذا ثورة، وبالتالي يسقط خيار الثورة إذن! فلا يبقي أمام المصريين إلا الانحدار.. هكذا بلا توقف! لكن تأملا عقلانيا لذلك اليأس قد يفيد، فهو ليس (قدرا مطلقا ومحتما) علي المصريين ألا يثوروا أبدا، لم يتمكنوا من الثورة قديما، ربما، لظروف متشابكة ومعقدة تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا، لكن من يقول ان مصريي اليوم يشبهون أجدادهم من ألف أو ألفين أو سبعة آلاف سنة؟! مصريو اليوم يحلمون بما لم يحلم به الأقدمون! يتطلعون إلي دولة عصرية يتمتع فيها المواطنون بسيادة القانون علي الجميع.. بدأ تكوين جنين ذلك الحلم علي يد فلاحي مصر بعد خروجهم في بعثات تعليمية إلي فرنسا (الثائرة حديثا وقتها) في عهد دولة محمد علي! واستمر الجنين ينمو عبر أكثر من قرنين.. إلي الآن.. إلي اللحظة الحالية التي تتفجر فيها الينابيع صباح كل يوم جديد في مصر، ليس آخرها بالطبع فيض القضاة وأساتذة الجامعات والصحافيين وغيرهم ممن يخرجون الآن.. يخرجون ليس فقط علي النظام.. وإنما تشير الأوضاع في مصر إلي (بدايات خروج علي الطبيعة المصرية).. التي وصفها جمال حمدان في تفكيكه للحالة المصرية في التاريخ بقوله: كانت وما زالت معضلة مصر الحقيقية أنها لا تنهار أبدا ولا تنهض أبدا.. وكأنها ملعونة بلعنة الوسطية ! وبالتالي فإن مصريي اليوم وفي مواجهة ظروف عصرهم بدأوا يتلمسون كيف يصنع شعب ثورته التاريخية! يتلمسون ـ بدهشة شابة ـ بدايات طريق..الفوضي المصرية الخلاقة!
ربما يمكن تلمس ظروف تلك الفوضي الخلاقة قبل التعرض لأدوار صناعها..
1 ـ اعتاد المصريون عبر تاريخهم القديم استقبال الآخرين ـ طوعا أو كرها ـ وغالبا ما انتهي المطاف بهؤلاء الآخرين إما إلي الرحيل أو الذوبان، لم يكترث المصري كثيرا للعالم الذي يحيط بمصر! وبالتالي لم يكن لديه (حافز المقارنة) مع الآخر، اختلف الأمر الآن بحكم التطور في وسائل الاتصال بين الأفراد والشعوب.. وبحكم تغير اتجاه المصري من مستقبل دائم للآخرين إلي (مهاجر) إلي أراضي ودول ومجتمعات الآخرين.. وتجاربهم أيضا! فأصبح حافز المقارنة مع الأمم الأخري من أهم (الدوافع المكبوتة).. التي تشبه تأهب أمواج بعيدة لاقتحام الشاطئ علي متن تسونامي سياسي/اجتماعي.. من شأنه أن ينسف تلك (العزلة المصرية) التاريخية!
2 ـ وهذا العالم الخارجي تشير إحصاءات مصرية وغير مصرية إلي أن حوالي ستة ملايين مصري هاجروا إليه مؤقتا أو دائما (وإن كانت تلك الإحصاءات هي تقريبية ومتضاربة.. لكنها تدور حول رقمي أربعة إلي ستة ملايين يتدرجون من العامل إلي العالم) وهؤلاء لن يمكنهم ـ أو يمكن لغيرهم ـ تجاهل نتيجة تفاعلهم مع قوي العالم وإبداعاته وإمكانياته.. وقواهم المتفجرة بعيدا عن مصر وإبداعاتهم وإمكانياتهم أيضا!
3 ـ السمة الجديدة للعالم الخارجي أنه أصبح يتكون من تيارين رئيسيين.. أولهما نظم رسمية لدول لها مصالح متناقضة، وثانيهما مجتمعات مدنية ـ أو تشكيلات شعبية ـ تقوي مع الوقت وتتضح معالم تأثيرها عالميا.. من خلال شبكة منظمات شعبية تتكاتف عبر خريطة العالم.. في عولمة شعبية تواجه في مجملها (عولمة رأس المال والشركات العابرة للقارات)، وهذه المنظمات الشعبية تراكم يوما بعد يوم خبرة في طرق التصدي لكليهما.. رأس المال المعولم والديكتاتوريات المحلية، (أنظر مثلا كيف خرجت في لندن وباريس وأثينا ونيويورك وشيكاغو وبيروت والرباط وسيول.. علي هذا التباعد الجغرافي والثقافي.. مظاهرات شعبية تساند القضاة المصريين في معركتهم مع نظام بلدهم الديكتاتوري، هذا مثال واحد لما سوف تبدو عليه ملامح هذا القرن عندما يوغل في التقدم سنة وراء سنة).
4 ـ لن يمكن للشعب المصري اليوم أن ينعزل عن التأثر بأي من هذين التيارين العالميين.. مصالح نظم الدول العظمي منها والكبري والصغري.. وتشكيلات العولمة الشعبية، لذلك عندما تحلل مثلا كيف يتم تداول مصطلح (التغيير) بين أفراد النخب المصرية ـ بل وحتي الشارع المصري بكل درجاته ـ تجد تيارا موجودا يري أن التغيير في مصر لن يحدث إلا بمساعدة قوة الولايات المتحدة العظمي وغير ذلك ما هو إلا حرث في الهواء! وتجد تيارا يعول أساسا علي حافز الجوع (الذي بات يشبه رصاصة قريبة من قلب المواطن المصري).. كي يدفع ذلك المواطن إلي الخروج من سلبيته المغرقة في القدم، وتجد تيارا يتحمس لمفهوم وليد للعولمة الشعبية وهو قوي المجتمع المدني، وتجد تيارا يتطلع إلي اعتصار كل ما يمكن من تلك الاتجاهات مجتمعة، لكنك تجد شكلا من أشكال الإجماع علي أن مصريي اليوم ليسوا بأقل من هذا وذاك في العالم.. الذين كسروا طوقهم التاريخي الخاص.. فما الذي يمنع المصريين من كسر طوق لعنة الوسطية؟!
5 ـ تدرك قوي العالم (الولايات المتحدة كقوة عظمي وأوروبا كقوة تالية لها والقوي المتحفزة في آسيا) أن مصر وصلت إلي درجة لا بد عندها من (تغيير ما).. وهذا الإدراك ليس نتيجة اهتمام بالمصريين لذاتهم.. وإنما نتيجة اهتمام بما يمثله تغيير جذري تاريخي في الشرق الأوسط ـ وفي القلب منه مصر ـ من إعادة لرسم خريطة المصالح في العالم.. هذه ليست شوفينية مصرية علي الإطلاق ـ بحكم أنني مصرية ـ ! وإنما هي محصلة عشرات التقارير الإستراتيجية التي أمكن قراءتها.. والتي تدور عجلة كتابتها هذه الأيام في أعرق وأقوي مراكز البحوث والدراسات وأكثرها تأثيرا في العالم، هذا الاهتمام الدولي ينعكس بالطبع علي المصريين في أمرين: (تطوير أو كبح جماح) دهشتهم التي تعبر عن نفسها في اللحظة التاريخية الحالية.. تلك الدهشة التي يتجلي ألقها عندما تعرف أن معظم الشباب الذي يبدع في الشارع الآن هو تحت الثلاثين من العمر.. هذا إذن ما سماه الشعر العامي المصري في أدبيات تمرده.. تفتح ورد الجناين!
6 ـ لكن ورد الجناين هذا يقاوم نظاما حاكما بوليسيا عنيفا شرسا فاسدا متعفنا.. ورد الجناين هذا تدهشه نشوة التمرد.. لكن تدهسه أيضا ـ وبلا رحمة ـ قبضة هذا النظام العفن.. ليكون السؤال الذي يقبض قلب المراقب لجنين تلك الثورة التاريخية التي تتشكل في أفق مصر حتي وإن كان أفقا بعيدا: إلي متي يقوي ورد الجناين المتفتح في مصر هذا.. علي الصمود؟!.
7 ـ إذا كانت (المؤسسات الناضجة) في مصر تدعم هذا الورد المتفتح وتتقدم صفوفه الجامحة.. مثل مؤسسة القضاء ومؤسسة الجامعة ومؤسسات الصحافة وقوي القانون وغيرها.. تدعمهم وتحاول أن تحمي انطلاقهم الجريء بكل ما لها من قوة أمام نظام شرس ـ نظام كلما اقترب من التهاوي كلما لجأ إلي العنف ضد الورد المتفتح والمؤسسات الناضجة كليهما ـ فإن تلك القوة المصرية الكامنة في مصريي الخارج لها دور مختلف.. آن له أن يمد يده الآن.. الآن وبلا تردد! المصريون في الخارج من العامل إلي العالم.. أربعة ملايين كانوا أو ستة أو نحوهما، مطالبون- الآن- أن يقوموا بما يحتمه عليهم توزيع الأدوار، وربما يمكن تلخيص أبرز ما يستطيعون تقديمه في اللحظة الحالية في ثلاثة أنشطة ملحة:
أولا: طالما أن بالعالم تيارا موازيا لقوي نظم الدول هو (قوي العولمة الشعبية).. فإن المصريين بالخارج ـ خصوصا الناشطين منهم ـ يمكنهم التنسيق مع تلك القوي والمنظمات الشعبية (غير المشبوهة).. لتشكيل جبهة ضغط خارجي علي نظام ديكتاتوري فاسد.. رأي العالم دلائل فساده بما لا يحتاج إلي كثير جهد في توضيحه.. وهذا أمر أثبت التاريخ قوته! ففي تاريخ مصر الحديث استطاع مصطفي كامل إثارة العالم ضد الانكليز (وإن في ظروف مختلفة ومع قوي مختلفة) بخطابه الشهير.. الذي فضح به ممارسات الاحتلال الإنكليزي العنيفة ضد فلاحي مصر بعد حادثة قرية دنشواي الشهيرة.. والتي راح يلقيها في المحافل الدولية آنذاك، الشعب المصري ليس معزولا عن عالمه الخارجي.. وفي ذلك العالم قوي يمكن توظيفها في رسم طريق.. ظل جمال حمدان يحلم به علي صفحات موسوعته الشهيرة عن شخصية مصر وهو يلعن سمة الوسطية في ذلك البلد المغرق في القدم.. طريق الثورة التاريخية، يمكن لمصريي الخارج الناشطين ـ في أوروبا خاصة ـ أن ينسقوا مع جهات عولمية شعبية أو شبه شعبية لمقاطعة رموز النظام المصري.. أو لإعلان سلسلة احتجاجات علي (ديكتاتور النيل) كما تسميه قوي عالمية عديدة، صحيح أنهم بدأوا فعلا شيئا كهذا.. لكن المطلوب ما زال أكثر.. أكثر بكثير.
ثانيا: طالما أن مصريين بهذا العدد من العامل إلي العالم يعيشون خارج مصر.. فمن المؤكد أن لهم تجربة ثرية نتيجة تفاعلهم مع المجتمعات التي يعيشون فيها، وهي خبرات يمكن توظيفها في اللحظة الحالية لمساندة ورد الجناين في مصر، علي سبيل المثال هناك مجموعة من الشباب المصريين في الخارج (المذهل حقا في التجربة الفريدة التي تحدث في مصر الآن هو تلك الفئة العمرية تحت الأربعين.. التي يتسم بها معظم الناشطين المصريين داخل وخارج مصر)، هؤلاء الشباب بدأوا بتأسيس مراكز علمية لدراسة النضال اللاعنفي وتجاربه المختلفة في العالم، وبدأوا يشكلون (فرق تدريب) علي آليات المواجهة الشعبية والسلمية! ويطرحون (آليات العصيان المدني) في صورة خطوات محددة.. وراحت تبرز تشكيلاتهم تلك بشكل لافت في مواقع علي الانترنت بل وتمكنوا من عقد ورش عمل لناشطي حركة كفاية وغيرها، هذه خبرات غير تقليدية بالنسبة إلي مصر.. لكن المطلوب منها ما زال أكثر..
ثالثا: الصندوق المالي لدعم ضحايا العنف الحكومي.. هذا المطلب الذي لن نيأس من تكراره والإلحاح عليه! لا بد من تأسيس هذا الصندوق لدعم ورد الجناين في مصر، ربما ينطلق قريبا صندوق كهذا وخاصة علي يد هؤلاء المصريين العاملين بدول الخليج.. والذين تمكنوا بما يقدمه ورد الجناين في مصر من استعادة ذواتهم التائهة بسبب العمل في ظروف الدول الخليجية.. التي يفقد أغلب المصريين العاملين فيها إحساسهم بذاتهم لأسباب لا مجال لذكرها هنا، ليس أقل من تقديم مثل هكذا دعم.. فقط ينبغي أن يكون مثل هذا الصندوق (مصريا خالصا).. وله تكييفه القانوني المناسب لجهة داخل مصر تتولي صرفه علنيا في هذا المجال.. وجهة مصرية تتولاه قانونيا وأيضا بشكل علني خارج مصر.. دون أن تخيفنا كثيرا مقولة النظام المتهاوي عن (التمويل من الخارج وما شابه)!
نعم ليكن تمويلا من الخارج إذن! لكنه تمويل من مصريي الخارج يضمن شكلا من أشكال التكافل مع شباب مصر.. الذي يقوم حاليا بتحريرها في معركة طويلة شرسة مع عائلة مبارك أكثر المحتلين لمصر شراسة وفسادا، يقوم بإرساء أسس الفوضي الخلاقة لكن علي الطريقة المصرية.. أي.. فوضي تأخذ بيد مصر بعيدا عن (لعنة الوسطية).. حينها ستكون بالفعل فوضي خلاقة.. الانحدار التاريخي أو الثورة التاريخية؟!.. كيف يقبل الانحدار شعب عمره آلاف السنين؟ إذا كان الأستاذ الجليل جمال حمدان قد قال إن مصر أمامها طريقان: الانحدار أو الثورة.. فإن الاختيار يحدث الآن.. في جناين مصر.. وما علي المصريين داخل مصر وخارجها إلا أن.. يسقوا الورد!
ہ كاتبة من مصر
howayda5@hotmail.com
القدس العربي
- 792 reads
