إنكشفت ورقة التوت.. يا بوش أين الديمقراطية؟
Submitted by kefaya on الأحد, 28/05/2006 - 04:53.
بقلم:
طارق سيف
جسم المقال:

لا ندري كيف يفسر ما يحدث الآن في الدول العربية:
إنكشفت ورقة التوت.. يا بوش أين الديمقراطية؟

 


انكشف المستور، واختفت ورقة التوت التي كانت تخفي حقيقة دعاوى بوش الصغير إلى الإصلاح السياسي وإقامة الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط كطريق وحيد للتوجه نحو التنمية الشاملة ومواجهة التطرف والغلو والعنف والقضاء على البيئة التي تفرز الإرهاب، بل من المدهش والغريب أن بوش نفسه أصبح السبب الرئيس وراء استمرار عملية الاستبداد وانتشار القمع في دول عربية عدة، إما نتيجة دعمه لحكوماتها وإما بغض طرفه عما يحدث فيها... لذلك تعالت صيحات المقهورين تسأل: أين الديمقراطية يا سيد بوش؟!

إن نظرة سريعة على بانوراما الأحداث السياسية التي جرت خلال الأيام السابقة في بعض الدول العربية، التي ترتبط بعلاقات وثيقة وعميقة مع إدارة بوش الصغير، تتيح لنا التوصل إلى إجابة واضحة وشافية للسؤال المطروح.

في مصر المحروسة التي ظلت السلطة القضائية فيها مضرباً للأمثال في الاستقلال والاحترام، وتجاوبت حكومتها مع نصائح ماما أميركا في الإصلاح السياسي، الأمر الذي دعا الآنسة كوندوليزا رايس إلى الإقرار بأن مصر تقود التحول الديمقراطي في المنطقة، جرى ضرب القضاة والتدخل في شؤونهم، وتم قمع المظاهرات والمسيرات السلمية المتعاطفة معهم وتقرر منعها وفق قانون الطوارئ.

إن مطالب قضاة مصر لم تتعد الحفاظ على استقلال السلطة القضائية واحترام حصانة القضاة عند تأدية مهامهم، فكانت النتيجة الضرب والإهانة، لأنهم تجاسروا وتعدوا حقوق السلطة التنفيذية المكتسبة بالتقادم والتي تمتلك وحدها حق منح أو منع ممارسة القضاة" لواجباتهم، كما تناسى القضاة عمداً أن رمز "العدالة المعصوبة العينين" يدل بوضوح كافٍ على أنها غض بصر القضاة عما تقوم به الحكومة، والتجاوز عن ضربها لهم لأن في مصلحتهم، لذلك فاللوم يقع على القضاة الذين فهموا استقلال القضاء خطأً.

وفي تونس "الخضراء" تم ضرب المحامين ومنعهم من الاعتصام والتدخل في شؤون عملهم، إلا أن السيد بوش الصغير لم يعلق على ذلك، لسبب بسيط هو أن المحامين قد تجاوزوا حدودهم بالاعتراض على قانون جديد يؤثر في استقلالية عمل المحاماة ويكرس استحواذ السلطة التنفيذية عليه، لأن الحكومة التونسية تعرف مصلحة المحامين أكثر منهم، وتتناقش في ذلك مع مسؤولي الإدارة الأميركية الذين يملكون من مصادر المعلومات وإمكانيات التنصت واختراق خصوصيات البشر ما يجعلهم يتفهمون تآمر المحامين في تونس وتجاوزهم لحدودهم، لذا فإن "الديمقراطية" يمارسها من يمتلك المعلومات والقوة ليقف بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أن يضر بمصالح السلطة التنفيذية، ومن ثم فواشنطن ترفض وتشجب وتدين اعتصام المحامين التونسيين في قصر العدالة وتنذرهم بسرعة فك الاعتصام بالتي هي أحسن، قبل أن تنشب ديمقراطية بوش "أنيابها وأظافرها" فيهم وتسحلهم مثلما حدث لقضاة مصر، وقد أعذر من أنذر!

دعوة بوش الصغير إلى الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، لم تقتصر على المغرب العربي وحده بل امتدت إلى منطقة الخليج، فقد جرى حل مجلس الأمة الكويتي على خلفية الأزمة السياسية بين النواب والحكومة حول مشروع القانون الانتخابي الجديد، حيث ضاق صدر الحكومة بنواب الشعب، وصدر مرسوم أميري بحل المجلس بعد بضعة أيام فقط من تجرؤ نواب إصلاحيين على المطالبة باستجواب رئيس الوزراء حول مشروع متنازع عليه!

تحت بصر وسمع بوش الصغير ورفاقه في الإدارة الأميركية أضحت السلطة التشريعية في الكويت في مهب الريح، بعد أن تخطت الخطوط الحمراء في تعاملها مع الحكومة وتجاسرت وطالبت بحقها الدستوري في الاستجواب، ولم يشفع لمجلس الأمة الكويتي دوره التشريعي والرقابي الذي أدى إلى التخلص من ثلاثة وزراء منذ انتخابه في يوليو 2003.

ثم كيف نفهم ديمقراطية بوش الصغير التي تدعو الشعوب إلى ممارسة حقها الطبيعي في اختيار من يمثلها عن طريق الانتخابات، بينما تعاقب الشعب الفلسطيني على ممارسة هذا الحق وانتخابه الحر لحركة "حماس"، فتحاصره اقتصادياً، وتمنع عنه المساعدات الخارجية، وتبيح لإسرائيل قتل واغتيال أبنائه، وتهدد بعقاب ومقاطعة أي دولة عربية أو أجنبية تحاول مد يد العون لرفع المعاناة عن هذا الشعب؟!

إن المشهد الراهن يندرج تحت إطار مصادرة الحكومات العربية هامش الديمقراطية الذي كانت تتمتع به بعض الدول العربية، وفقدان الأمل في أي إصلاح سياسي حقيقي، وتنامي الشعور بعدم جدية بوش الصغير في التوجه نحو التحول الديمقراطي لمنطقة الشرق الأوسط "الكبير" أو "الصغير"، بل ويشير إلى تراجع الديمقراطية في بعض الدول العربية التي كانت تعتبر من أعرق الديمقراطيات في المنطقة، ويؤكد في الوقت نفسه عدم قناعة الحكومات العربية بمسألة التحول الديمقراطي، إنها "لعنة بوشية مدقرطة" أصابت الأخضر واليابس!

فدعوة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، كما فهمتها الشعوب العربية، تعني في الأساس نمطاً سلوكياً وقناعة سياسية تدفع صاحبها إلى قبول تعددية الآراء، واحترام حق الآخرين في الاختيار والاختلاف والتعبير عن مواقفهم بطرق مشروعة، بغض النظر عن محتواها الفكري والسياسي، ومنع القهر والقمع السياسي بأشكاله وأنواعه، وعدم قبول الإجبار بصوره كلها، والحفاظ على السلطة التشريعية وحماية استقلالها، ودعم السلطة القضائية وتوفير الضمانات التي تكفل لها تطبيق القانون.

لقد فهمت الشعوب العربية أن تحقيق العدالة وإقامة دولة القانون والحكم الصالح يتجسد في بناء دولة المؤسسات، والمشاركة الشعبية الفاعلة في الإدارة والحكم... لأن الديمقراطية ليست عملية شكلية أو ديكوراً بل هي الضمانة الأساسية للتنمية الشاملة. ولكن الأحداث أكدت أن الحكومات العربية استطاعت ربط مصيرها بالمصالح الأميركية في المنطقة، وبوش الصغير غير مهتم سوى بالمصالح بعد أن تراجعت شعبيته داخل أميركا إلى أقل مستوى.

لقد ضاعت مصداقية بوش الصغير ورفاقه في كل ما يقولون أو يفعلون، وبدت دعوة الديمقراطية سرابية، بعد أن صدقوا مقولة الحكومات بإن المجتمعات العربية مستعصية على الديمقراطية، وأن البديل هو وصول الإسلاميين المتطرفين المناهضين لأميركا وسياساتها إلى سدة الحكم، كما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فمعظم الحكومات العربية وصلت إلى الحكم بطرق غير ديمقراطية لذا فهي لا تملك أن تمنحها لشعوبها.

لا ندري كيف يفسر بوش الصغير ورفاقه ما يحدث الآن في الدول العربية، بعد أن وجدت الشعوب العربية نفسها في التقاء فكري ووجداني مع دعوة الإدارة الأميركية للتوجه نحو الإصلاح السياسي، وأن الفرصة سانحة لتنفيذها، ولم تشك أبداً في حقيقة النوايا الأميركية، التي تخلت وتجاوزت عما يحدث في أول اختبار حقيقي لدعوتها.

لقد أصبح المجتمع العربي المعاصر يرزح تحت نظم حكم أصابتها البلادة السياسية وآثرت أن تتقاعس عن التغيير المأمول، بل وتقاوم فكرة الإصلاح ذاتها، ولا تملك سعة الصدر للرأي الآخر، فبات أمل الشعوب في الحفاظ على "الوضع السابق" أقصى أمانيهم.

إن الأحداث كلها تدل على أن لبوش الصغير ورفاقه مفهوماً خاصاً للإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي جرى الاتفاق عليه مع حكومات المنطقة، لأن الشعوب يمكن استبدالها، بينما الحكومات ثابتة ومستقرة إلى الأبد، لذلك يجب أن تهتف الحكومات من أعماقها... "بالروح بالدم نفديك يا بوش"... و"سلم لي على الديمقراطية"!!

الإتحاد

( categories: )