الخطر.. خلف ستار.
Submitted by kefaya on الأحد, 28/05/2006 - 03:27.
بقلم:
أسامة أنور عكاشة
جسم المقال:

الانفجار وشيك لأن ميكانيكا الصراع تبحث عن نقطة تفريغ:
الخطر.. خلف ستار.

 



مصر في خطر! هذه حقيقة نعرفها جميعا ولا نتجادل حولها ولا نختلف.. لكننا نركز فيما أري علي الخطر القادم من اتجاه يبدو للكثيرين منا هو المتبع أو هو الحدث الذي تفرضه دراما العرض السياسي علي خشبة المسرح أمامنا تحت النظر المباشر.. دون أن نتنبه إلي الخطر الأهم والأكثر خبثاً ودهاءً لأنه خطر مختبئ خلف ستار.. يستغل تعلق أنظار الجمهور وتركز اهتمام علي أحداث الحراك السياسي واحتقان فصائل النخبة والمطالبات الملحة بالديمقراطية والإصلاح السياسي والدستوري وتتابع تطورها علي المسرح المفتوح.. يستغل هذا لينفرد بالعمل في هدوء وبطريقة التسرب غير المباشر وتهيئة الظروف للقفزة المطلوبة وفي الوقت المناسب.

** أولاً: علي المسرح
العرض السياسي مستمر متصاعداً الي نقطة التأزم ويراوح حولها في دائرة لا تحقق الحسم وطرف الصراع كلاهما رابض في مكان لا يريم: النظام الحالي بكل مؤسساته وبالدعم اللوجيستي الدائم من المؤسسة العسكرية بعد أن انتهي من مناورة 2005 التي حقق فيها نجاحا حاسماً بحركة الالتفاف الاستراتيجية حول المادة 76 المعدلة التي دخلت تاريخ ما يمكن ان نسميه »علم اللوع السياسي« ثم عاد الي قاعدة انطلاقه متراجعاً عن كل ما خطاه من خطوات التمويه.. وراح يؤكد من جديد ثوابته التي لا يحيد عنها: لا للتغيير - لا للإصلاح السياسي والدستوري - لا لتداول السلطة - لا لإطلاق حرية تكوين الأحزاب - لا لإلغاء تأميم الصحف.. لاءات خمس تشكل أجندة النظام في أي مواجهة.. ويقابلها نضال الهيئات والفصائل السياسية والحركات الجماهيرية من أجل المطالبة بنفي اللاءات وتثبيت كلمة »نعم« بدلاً من كلمة »لا« فيما سبق!

ويقول فريق من المتفلسفين المتفيهقين المستظلين بمظلة النظام أن تلك المطالب ليست مطروحة شعبياً اي ان المصريين العاديين أبناء الطبقة الوسطي والشرائح الأدني لا ينشغلون بقضايا الحرية والديمقراطية والتغيير والاصلاح التي تبدو في أعينهم وكأنها عناوين »جرائد« تتحدث بما لا يعنيهم.. إنما هي مطالب نخبوية ينشغل بها »الأفنديات« ومثقفو الصالونات وأعضاء الأحزاب »المكتبية«.

»اصطلاح يشير إلي الأحزاب الكثيرة والضعيفة التي أخرجها للوجود قانون الأحزاب الحكومي ولم تكن لها أي قواعد جماهيرية أو أي تواجد في الشارع ولم تعد أن تكون لافتة علي شباك مكتب يصدر صحيفة«.

وأبادر فأقول إنها مقالة صحيحة إلي حد بعيد.. فالجماهير التي نزعت مخالبها السياسية ولانت عظام أعضاء السير والحركة فيها تحت وطأة الحكم الديكتاتوري العسكري الذي حرم علي المصريين ممارسة السياسة وجرم أي نشاط عقيدي أو مذهبي أو أيديولوجي بعد إلغاء الأحزاب وتأميم الصحافة وفرض تنظيماته التجميعية الشمولية ليحزم أي قدرة علي »الاختلاف« او الاحتجاج .. هذه الجماهير كيف يمكنها أن تتحرك؟ وأبناء هذا الوطن الفقير المبتلي بالتخلف والمرض والذين يعيشون »اليوم بيومه« ويلاقون العنت والفشل مع طلعة كل صباح في محاولاتهم الدائبة والدائمة للبقاء علي قيد الحياة.. هؤلاء كيف تشغلهم قضايا من يحكم وكيف يحكم وإلي متي يحكم؟ وما هي نوعية الجمهورية التي يريدون: برلمانية أم رئاسية أم خليط من النظامين؟ وهل يجب أن يتولي الرئيس مدتين فقط أم تفتح له المدد »المتتالية«؟ وهل يجب أن ينص في الدستور علي دين رسمي للدولة أم يكون الدستور علمانيا صرفاً لتفادي التعقيدات الطائفية وتحقيق المساواة الكاملة بين أبناء الوطن الواحد بلا تمييز؟ كلها قضايا هامشية وترفيه في نظر أصحاب النظام.. وقد صدقوا لأن الناس لا يحسون إلا »بقرصة« الجوع ولسعة البرد وهم الأولاد.

.. هذا هو الصراع علي المسرح.. محلك سر.. ويبدو فيه خطر الانفجار وشيكاً لأن ميكانيكا الصراع تبحث عن نقطة تفريغ فإذا لم تجدها كان الانفجار هو النتيجة الحتمية، فالحركة لا يمكن خنقها ولا مصادرتها بالجمود والتصلب! وسواء نجحت جهود التغيير السلمي في استباق الحريق او استمر العناد حتي تصبح المشاكل والأزمات غير قابلة للإزاحة والتأجيل.. وحدث ما يخشاه الجميع.. فهو في النهاية »تطور« أحداث فرضتها قوانين التغير.. سنمر بها ونخرج منها غير ماكنا.. وربما كانت المحصلة في النهاية لصالح التقدم.. وستقوم ديناميكية التاريخ بفرض كلمتها في النهاية.. وأياً كانت فليست هي الخطر الأكبر الذي يهدد كيان هذا البلد.. الخطر هو ما يختبئ في الكواليس!

** في الكواليس
يتسلل محتميا بالستائر مبتعداً عن كشافات الإضاءة ذلك الخطر الذي لا أجد وصفاً يطابقه غير أن أسميه »الحرب السرية لمحو الهوية المصرية«.. واعتذر عن ضخامة وجهامة الاسم لكنها الحقيقة! ولا مفر من مواجهتها رغم كل المحاذير الكامنة في الاتهامات الجاهزة والمعدة سلفاً وتيارات الابتزاز الفكري والتلويح بمقصلة التابو الديني والسياسي..

فالثابت لدي كل من تابع وراقب »المسألة المصرية« أن حالة الوهن والتراجع التي انتابت الدور المصري في أعقاب حرب أكتوبر 1973 - علي عكس المفروض تماما - بسبب حالة الهرولة التي أصابت الفرعون المصري »موديل السبعينيات« وجعلته يلهث مطارداً الأمريكان مغازلاً ميولهم »الصهيونية« لدرجة أن يقامر بمستقبله وحياته ليعقد سلاماً مبتسراً »لم يتحقق حتي الآن« مع الإسرائيليين.. هذه الحالة التي كانت بداياتها مؤشراً واضحاً لتداعياتها المغرقة في التهافت والتردي كانت في نفس الوقت الفرصة السانحة التي بدت أمام النوايا المضمرة والمتربصة بهذا الوطن .. مصر.. القائدة والرائدة ورمانة الميزان في المنظومة العربية - والإسلامية أيضاً - كواقع لا يمكن تحديه!! وبدأت »حملة« تفريغ مصر من الداخل.. لم تجيش لها الجيوش ولم تسلح بأدوات القصف والدمار.. ولكنها اعتمدت استراتيجية »ضع قدمك ثم افسح للأخري« بهدوء.. ومن خلال فجوة تحولت بالتدريج الي باب فبوابة فمداخل مفتوحة ومباحة بلا حراس.. وكانت الفجوة - البداية - هي الازمة الطاحنة التي سببتها سياسة الانفتاح الاقتصادي العشواء.. الأزمة التي دفعت آلافاً مؤلفة من المصريين للهجرة.. الي »هناك«! ودفعت المشايخ والدعاة من المؤسسة الدينية المصرية - التي حرصت حتي نهاية النصف الأول من السبعينيات في القرن الماضي - علي أن تكون حصن الإسلام الوسطي »المصري« بطابعه السمح المتحضر وتكون قلعة تحمي أهله ضد عقائد »الخوارج« المتنطعة التي تبلورت في مذاهب قاتمة متعسفة تجافي العصر والعلم والحضارة وتحصر ديناً عالميا كالإسلام داخل »زنزانة« تابوهاتية مكتظة بهوام الافكار المتحجرة وزواحف الآراء الكهفية«.

لم يكن لديهم هناك ما يلوحون به غير أموال البترول.. ومذهبهم.. ذهب المعز وسيفه.. فاستوفدوا.. واستضافوا.. واستعملوا.. واستخدموا .. آلافاً وآلافاً من المصريين.. وملأوا جيوبهم وفرغوا أدمغتهم.. وأرجعوهم الي مصر ليكونوا طليعة الطابور الخامس الذي سيمهد الطريق.. وشيئاً فشيئاً ويوماً بعد يوم.. وعلي الأرض الممهدة تدفقت الأموال مع الأدمغة المغسولة مع شرائح كاملة من المصريين المرتبطين بالولاء للبيزنس الذي لا يدفع أرباحه مجانا بل مغموسة في »شرطية« الإسلام »الوهابي« الذي أصبح بقدرة قادر هو »الإسلام الحق« وليس غيره.. وأصبحت كل متعلقاته ورموزه هي المسيطرة.. وأهمها حجاب المرأة!

.. هل يشاهد أحدكم حفلات أم كلثوم المسجلة التي تذيعها الفضائيات- والخليجية بالذات - ويا للمفارقة -؟.. أعتقد ان الملايين يشاهدونها أو يمكنهم مشاهدتها.. وأريد أن أسأل - علي طريقة الأستاذ مفيد فوزي - هل لاحظ أينا.. السيدات والآنسات اللاتي يملأن كراسي سينما قصر النيل أو مسرح الأزبكية؟ وهل غير فيهن علي واحدة - مجرد واحدة -ترتدي الحجاب؟ »كان هذا حتي منتصف السبعينات« وفي صورة مقابلة.. لننظر الي اي حفلة يحييها أي مطرب أو مطربة اليوم ونري البنات والسيدات - كلهن محجبات إلا فيما ندر - وكلهن يرقصن واقفات علي المقاعد بمنتهي الخلاعة!! وأسأل - برضة مثل الاستاذ مفيد -: هل الحاضرات في حفل أم كلثوم منذ نيف وثلاثين عاما وأكثر كن خليعات متبرجات خارجات عن صحيح الدين؟ في حين أن المحجبات الراقصات في حفلات اليوم هن الصالحات الفاتنات الملتزمات؟؟ والحجاب ليس إلا إشارة لما حدث من غزو للطبائع المصرية إذا أضفت إليه ما يحدث في مجال الغناء والسينما والفضائيات الراعية لفنون القول والفعل والتي - مهما تسترت - فأهدافها واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار: تقزيم وتهميش كل الفنون المصرية لصالح غير المصريين.

هل تبدو النبرة شوفينية وإقليمية مكروهة؟ ربما.. ولكن المحاولة الدائبة التي لا تكل والتي تصر علي مسخ وجدان المصريين.. في دينهم أولاً.. ثم في فنونهم بعد ذلك.. بماذا نصفها ونسميها؟ للأسف لا أجد إجابة سوي أنه احتلال تدريجي يسعي لمحو الهوية المصرية! وهو خطر ماثل ومستمر.. ولابد لنا من أن نخرجه من كواليس المشهد ونسلط عليه الأضواء لنراه واضحاً.. ونري فيه أمراً.. وإن كانت القضيتان متلازمتين: قضية الخطر الظرفي الذي يصارع من خلاله المصريون نظاماً يريدون تغييره.. والخطر»الثقافي« الذي يهدد هويتهم.. فهذه مرتبطة بتلك.. وحالة الخور والضعف والتراجع هي المنبع الأصيل!

** حاشية لما سبق
لكي نعرف ونتأكد من وجود الدعم والتمهيد الإعلامي المناصر للحرب السرية لمحو الهوية المصرية علينا أن نتابع التناول »المهزلة« لقضية مفتعلة ومصنوعة ومفضوحة! خرجت انباؤها علي ألسنة مقدمي البرامج الشعبية في الفضائيات والارضيات وكأنها تزف الخبر السعيد الذي يتحرق الملايين إليه شوقاً.. قال إيه: الست حنان ترك قررت وأعلنت أنها سترتدي الحجاب بدءاً من شهر رمضان القادم بإذن الله.. ياللهول!.. إذاً فقد آن أن يرقص الناس فرحاً في الشوارع وأن تقام الزينات وتضاء المآذن وتؤدي صلوات الشكر أن هدي الله عبدته الي طريق الالتزام والصلاح - معلهش - هي ستتحجب وتمثل في آن واحد ويبحثون لها عن ترزية تفصيل أدوار حجابية وخمارية ونقابية.. إذاً فلا جناح عليها إن فعلت.. وها هو الطريق تفتحه لكم الست حنان وتقدم لكم النموذج فيه يا بنات مصر ويا سيداتها .. وسمعونا الزغاريد! أما الصفحات التي أفردت في الصحف.. والبرامج التي احتفت وأعلنت الأخبار السعيدة.. فلا أريد أن أصف أصحابها بما قد يسيئهم أن يقرأوه.. وفيهم أصدقاء لي.. وأنا حاضر إذا أرادوا ان يعرفوا بالتليفون!!

** جاليري الأسبوع
* العزيز شادي بن يحيي
حين تنتظر بفارغ صبر أن تسنح فرصة لتشارك واحداً من أعز أصدقائك فرحة حقيقية وساعة من ساعات السعادة ثم تأتي الفرصة وتفاجأ بأمر يمنعك قسراً من هذه المشاركة فتحس بالخزي وتقصر قامتك في مرآتك.. فهذه تعاسة لا أتمناها لغيري وقد عرضت لي منذ أيام حين أحتفل صديقي الأعز فنان مصر المبدع يحيي الفخراني بزواج ابنه الأكبر.. الفنان شادي.. دعاني يحيي وهو يعلم أنني لا أنتظر الدعوة ولا أحتاج إليها.. طبعاً فالبديهي والطبيعي والذي لا شك فيه أنني سأكون أول الحاضرين في عرس ابنه - وهو ابني أيضاً.. وجاء اليوم الموعود.. وداهمني ما داهمني ومنعني قسراً من اللحاق بالليلة الكبيرة لشادي الفخراني.. ولا أغوي أن اصرح هنا. بحقيقة ما حدث لي لأنه سيبدو عذراً.. والعذر في مثل هذا الظرف أقبح من الذنب.. ولن أعتذر ليحيي لأن ما بيني وبينه أكبر من مسألة التقصير والعفو لكني لابد أن أعتذر لشادي.. هذا الفتي الرقيق.. والفنان الواعد الذي انتظره ليخرج الي حلمه متحققاً.. وللدكتور لميس جابر أم العريس.. تلك السيدة صاحبة القلم الرائع والعقل الأروع.. و.. ألف مبروك يا شادي..

** وائل الإبراشي.. وثمن الفروسية
يسرج الفارس حصانه ويرتدي درعه ويتأبط رمحه ويمضي للمعمعة وهو يعلم علم اليقين أن ستثخنه الجراح وتطوله نبال الأوغاد.. وأنت قد امتطيت حصانك وأشهرت قلمك لتخوض معركتك الشريفة ضد الفساد ولابد أنك توقعت أمراً كالذي حدث لانه لم يدهشك ولم يدهش من تابعوك في سطور صوت الأمة وبرنامج الحقيقة علي دريم.. ومقدر أن يدفع الفرسان ثمن غزواتهم مهراً للحرية التي يخطبونها لشعبهم.. وما أهونه من ثمن!! 
 
الوفد

( categories: )