- No upcoming events available
حسن حنفي
إذا كان "جيفارا" يعود إلى أميركا اللاتينية، فمتى يعود صلاح الدين وعبدالناصر من جديد؟
بماذا تنشغل مصر هذه الأيام؟
من مآسي الزمن وحسرة الشعوب، ومن علامات الانهيار في الحياة السياسية، ومن العلامات الفارقة في المسار التاريخي، أن ينشغل المشهد السياسي في مصر، هذه الدولة المركزية في محيطها الإقليمي وموازين القوى الدولية، بأمور هامشية بدل الأمور المركزية، بحيث همّش نفسه فلم يعد له إلا الموضوعات الهامشية ليشغل نفسه بها، ولتصبح كأنها بؤرة حياته السياسية.
انشغلت مصر أخيراً بالأحداث الطائفية في الإسكندرية. كما انشغلت قبلها بالأقباط المتحوِّلين من المسيحية إلى الإسلام بسبب الاقتناع أو بسبب الحب، حب قبطية لمسلم، أو لطلاق الأقباط، أو حرمان الكنيسة لبعض الكهنة لاتهامهم بسوء الخلق وتصوير ذلك في الإعلام بحيث تضاعف سعر الجريدة عشرات المرات. ولا تدرك مصر ما يُخطط لها من نزاعات طائفية كما يحدث في لبنان والعراق ضمن مخطط التفتيت المستمر للوطن العربي منذ انتهاء الخلافة التي كانت توحد المسلمين ولحساب القومية العربية عام 1926، ثم انتهاء القومية العربية التي كانت توحِّد العرب لحساب الدولة القطرية بعد هزيمة يونيو- حزيران 1967، ثم انتهاء الدولة القطرية بعد غزو العراق عام 2003 بدعوى القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وتدويل قضية الوحدة الوطنية في السودان والصراع بين الشمال والجنوب، والشمال والغرب في دارفور وإدخاله في أتون النزعات العرقية والطائفية. فتقسيم مصر، يقول البعض، أيضاً في الطريق.
وتنشغل مصر الآن بالبهائية وحكم قاضي الإسكندرية بأنها دين مستقل يكتب في البطاقة الشخصية مع الإسلام والمسيحية واليهودية. وهي نحلة صوفية إشراقية تدعي أن مؤسسها بهاء الله أتاه الوحي من السماء بالإخاء بين البشر، ونهاية العداوة بين الأديان. فالدين واحد وهو دين الروح والمحبة. فلا صراع بين الأقوام والطوائف والشعوب. معبدها الرئيسي في حيفا. وهناك ضغوط دولية للاعتراف بها كدين، احتراماً لحقوق الإنسان. وبالرغم من نقد سوء تأويلها للدين عامة وللإسلام خاصة من مجموع علماء الأمة مثل القديانية إلا أنها تعود من جديد إلى الواجهة فيما يخطط للوطن العربي من فسيفساء لدويلات عرقية وطائفية وشغلها بالنِّحل والمِلل حتى تبتعد عن الأوطان وما يحيط بها من أخطار في الداخل، الفساد والتسلط، وفي الخارج، التبعية والهيمنة.
وتعود مصر للانشغال بالتحليل والتحريم، هل الفن حرام؟ فمازالت قضية التحريم هي السائدة. بل ويحرِّمه بعض أساتذة الفنون المنشغلون به لضرورات المهنة. فالنص له الأولوية على الواقع، والماضي يسبق الحاضر، وإيمان العوام يجبُّ فن الخواص. بل وينشغل مفتي الديار المصرية، وهو أرفع منصب في الاجتهاد للتحديث والتجديد فيما تعم به البلوى ويفيد الناس، بتحريم التماثيل كما فعلت "طالبان" في أفغانستان عندما أطلقت المدافع على تماثيل بوذا في باميان. وهو الموقف الرسمي للمؤسسات الدينية المحافظة. والأعمال بالنيات. كان التحريم قديماً لشبهة وثنية فقد كان الإسلام قريب العهد بها. أما اليوم فقد انتفت الشبهة. ولم يعد أحد يعبد الآن تمثال سعد زغلول أمام كوبري قصر النيل أو تمثال طلعت حرب في الميدان باسمه، أو تمثال إبراهيم باشا في ميدان الأوبرا، أو تمثال مصطفى كامل في الميدان الذي يحمل اسمه، فإذا انتفت الشبهة انتفى الحكم.
كما تنشغل بالعنف في سيناء وبجماعة "التوحيد والجهاد"، والبحث عن التنظيمات الجهادية السرية التي تضرب الدولة الفاسدة في العمق في مسلسل متواصل، طابا، شرم الشيخ، دهب في سيناء، ميدان عبدالمنعم رياض، السيدة عائشة، الأزهر بالقاهرة.
وتنشغل مصر أيضاً بالتبشير وسماح الأزهر في وثيقة للمبشرين بمزاولة نشاطهم في مصر تحت الضغوط الدولية وحرية الأديان. والديانات كلها محبة وسلام. والتبشير يبطن غير ما يظهر. فقد كان التبشير دائماً مقدمة للاستعمار والتغريب، ونزع المواطنين من ثقافاتهم الوطنية، وزرعهم في ثقافة أخرى، يدينون لها بالولاء مع إغراءات المنح الدراسية، والعمل، والسفر إلى الخارج. فهو جزء من التدخل الخارجي في الأوطان.
وتنشغل مصر بنجوم الفن، والمغنيات الشابات، المصريات والعربيات، وبأنواع الفيديو كليب، والرقص العاري مع الأغنية، وهو الهدف الرئيسي منها، وليس الكلمات، أشعار شوقي وحافظ وجبران، ولا ألحان عبدالوهاب والرحابنة. ومع نجوم الفن يأتي نجوم الكرة، وأبطال الدوري، والمنافسة بين الأندية لتفريغ الطاقة بدلا من المنافسة الحزبية والمعارضة السياسية. ومعهم يأتي مشايخ الفضاء بلباسهم الأبيض المهيب، ولحاهم السوداء الطويلة، وقسمات وجوههم الجادة، يعِدون بالجنة، وينذرون بالنار.
وتُنسى قضية الوطن العربي، المستباح دماؤه في فلسطين والعراق، والمهدد في الشام في سوريا ولبنان، وفي السودان، في الشمال والجنوب، الأمن القومي لمصر.
وتنشغل مصر بالصراعات الحزبية. وينشغل الإعلام الرسمي والحزبي بالهجوم على بعض النواب وأدائهم في مجلس الشعب بين صفقاتهم مع النظام ومشاركتهم في الحركة الوطنية مع أحزاب المعارضة. وكما تحول الوطن في العراق إلى برنامج "النفط مقابل الغذاء"، وفي فلسطين إلى "المرتب في مقابل الوطن"، فإنه تحول في مصر إلى "السلطة في مقابل المعارضة".
وتُركت الدماء تسيل في فلسطين على مدى عشر سنوات منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، وهي التي دخلت أربع حروب من أجلها. وتركت الخليج محاصراً، بالرغم من إعلان دمشق، بين الحضور الإيراني في الشرق، والخطر الإسرائيلي من الشمال الغربي، والوجود الأميركي.
كانت مصر عبر تاريخها الطويل دولة الفتح والدفاع عن محيطها الإقليمي في الشام وفي السودان. توحد وادي النيل، والمغرب العربي، والشام. وتدافع عن استقلالها ضد الهكسوس والفرس والرومان والصليبيين والتتار والمغول والاستعمار الغربي الحديث. ثم تحالف البعض في مصر مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، واعترف بإسرائيل، وصالحها، وعقد معها المعاهدات، والأراضي العربية مازالت محتلة. والخطر الإسرائيلي بالتوسع والتهديد النووي مازال قائماً.
ويتحرج البعض في العواصم العربية من مقابلة وزير الخارجية الفلسطيني للضغط على الحكومة الفلسطينية للاعتراف بإسرائيل دون أن يأخذ شيئاً في المقابل، الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو- حزيران 1967، وحق عودة اللاجئين، وفك المستوطنات، وتوزيع المياه.
نسي البعض في مصر أنها كانت مصدر النهضة العربية الحديثة في مصر وبر الشام، وأنها الممر للمغرب العربي من الشرق إلى الغرب فتحاً، ومن الغرب إلى الشرق حجاً، وأنها أول من قام بالتجارب الوحدوية الحديثة منذ محمد علي حتى عبدالناصر. ولم تعد تتذكر أن "جندها خير أجناد الأرض، وشعبها مرابط إلى يوم القيامة".
انشغل البعض في مصر بهموم الخبز في الداخل ونسي الحقوق المدنية، وهما لا يفترقان (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وكيف يتوفر الخبز في الداخل وقد هربت المطاحن إلى الخارج. وكيف تتطور الحقوق المدنية حين أصبح الهم الأول التجاذب السياسي؟
غاب الخيال السياسي ولم تعد مصر قادرة على الدخول في المعارك الكبرى في التحرر والتنمية والوحدة والنهضة والريادة والمقاومة والتأميم والتصنيع والتخطيط ومضاعفة الدخل القومي كل عشر سنوات، وأن تكون مثل الصين وماليزيا.
ما ينشغل به الحياة السياسية في مصر هذه الأيام يحاصرها في حدودها، ويؤدي إلى انغلاقها على ذاتها، وسكونها وركودها. فتتآكل من الداخل، وتنشغل بهوامشها وأطرافها وليس بقلبها ووعيها. وإذا كان "جيفارا" يعود من جديد إلى أميركا اللاتينية، فمتى يعود صلاح الدين، والظاهر بيبرس، ومحمد علي، وعبدالناصر من جديد؟
الإتحاد
- 754 reads
