هل تعايش المصريون مع الأوضاع الحالية؟
Submitted by kefaya on الخميس, 25/05/2006 - 11:36.
بقلم:
عمرو الشوبكي
جسم المقال:

حالة لامبالاة أصابت الشعب تبحث عن "نخبة وسط":
هل تعايش المصريون مع الأوضاع الحالية؟

 


لم يخطئ، علي غير العادة، بعض كُتاب الحكومة ورجالها، حين سخروا من نظريات الثورة الشعبية القادمة، ومظاهرات الغضب المشتعلة في كل مكان وغيرها من الشعارات التي ترددها قوي وتيارات المعارضة في قراءتها للأوضاع الحالية، وفي حديثها، ربما منذ عقد من الزمان، علي أن النظام يلعب في الوقت الضائع وأن عمره الافتراضي، الذي قدرت انتهاءه خلال أيام، امتد إلي سنوات طويلة.

والمؤكد أن مصر تعيش درجة من السخط والحنق الشعبي غير مسبوقة، كما أن نخبتها بأطيافها السياسية وغير السياسية من الكوادر الإدارية العليا والمتوسطة والصغيرة، تعلن كل يوم سخطها علي الأوضاع القادمة، ولكنهم جميعا يكتفون بالشكوي خلف جدران الغرف المغلقة وفي المقاهي دون أن يكون لديهم أدني استعداد للتضحية ولو بكوب الشاي من أجل قضية الإصلاح السياسي والاقتصادي ومن أجل غد أفضل وحياة كريمة.

وهناك تفسيرات كثيرة لانسحاب الجماهير الكامل (وليس حتي النسبي) من المشاركة الفعالة في احتجاجات الإصلاح، بعضها ذو طابع ثقافي غير مقنع تماما، يتحدث عن طبيعة هيكلية في تكوين الشعب المصري وفي ثقافة الدولة النهرية المركزية والإرث الفرعوني الذي يجعله في وضع مستسلم لقدره ولحكامه، ويميل إلي الخنوع والاستكانة والتفسيرات القدرية لأحواله المعيشية السيئة.

ولا يمكن قبول هذا التفسير علي إطلاقه لأن التاريخ الثقافي لأي شعب من الشعوب لا يتحرك في المطلق وبمعزل عن الواقع السياسي والاجتماعي المحيط به، فخروج الشعب المصري في مراحل معينة إلي الثورة والاحتجاج كما حدث في ثورة ١٩١٩، وانتعاش واقعه السياسي والفكري والثقافي طوال الفترة التي سيطر فيها الوفد علي الحياة السياسية (حتي وهو خارج الحكم) حمل قيم مخالفة لما تضمنه ما عرف بالإرث الثقافي المصري.

ويبدو التفسير الخاص بالواقع السياسي المحيط ذا أهمية كبيرة في فهم حالة اللامبالاة التي أصابت الشعب مؤخرا، فالواقع السياسي الحالي هو المسؤول عن تكريس تلك الحالة من التبلد واللامبالاة، فالحكومة من ناحيتها خلقت واقعا سياسيا لا يتغير فهناك طريقة في الحكم والإدارة لم تتغير منذ ربع قرن، وهناك وزراء وكبار مسؤولين ظلوا خالدين في مواقعهم منذ عقود، وبدت قدرات النظام متوقفة عند حدود إدارة العمل اليومي وتسكين الأمور وترحيل المشكلات، مما أصاب الجماهير بالإحباط الشديد خاصة مع غياب أي أفق للإصلاح أو التغيير.

وأدت هذه الأوضاع إلي دفع جانب كبير من المواطنين إلي البحث عن الحلول السهلة، فركزت في البقشيش، وابتكرت صيغًا في الفهلوة والشطارة صارت «كالمدارس الفكرية»، لكل شيخ أو رئيس طريقته التي نقلها إلي أنصاره ومريديه والمنتفعين منه، وانتشرت ثقافة الرشوة العابرة للطبقات، فمن شرطي المرور وعامل النظافة الذي يمد يده لكل مالك سيارة أو سائق أجرة، إلي كبار المسؤولين الذين ينهبون المال العام، دون حسيب أو رقيب.

ووضع النظام ملفًا «لكل مواطن» يفتح في وقت الحاجة، لا لمحاربة الفساد، إنما لمحاربة أي شخص يخرج عن الخطوط الحمراء، وبدت محاربة الفساد في مصر فسادا، وخلت الساحة السياسية بصورة مفزعة من أي منافس حقيقي للنظام القائم ولمشروع التوريث.

وبدا تعايش جانب كبير من المصريين مع الأوضاع القائمة أمرا واضحا فالجميع يعملون من أجل تحسين ظروفهم من خلال قيم المرحلة، فإما بـلا عمل و«الاستنطاع» أو أحيانًا أخري بالرشوة والابتزاز أو أحيان ثالثة بالنفاق والخنوع الكامل لكل رئيس، وغابت ثقافة الاحتجاج السياسي وجماعات الضغط التي تتفاوض مع الحكومة أو مع أرباب العمل لتحسين الأوضاع القائمة أو تغييرها.

وعمق من تلك العزلة عجز الأحزاب السياسية وخطاب القوي الاحتجاجية الجديدة عن التواصل مع الكتلة الحية من الجماهير، فمعضلة جانب كبير من السياسيين الجدد الذين تمردوا علي الأحزاب التقليدية الغائبة، وأسسوا حركة كفايه وغيرها من الجماعات والصحف الاحتجاجية الجديدة، وانتزعوا طوال العام الماضي واقعا سياسيا اعتمد علي حق التظاهر السلمي ونقد مؤسسة الرئاسة ومشروع التوريث، أنها ظلت أسيرة ثقافة احتجاجية تريحها الهتافات والشعارات السياسية، خاصة أن الواقع أثبت مؤخرا أن الكتل الحية من الجماهير لا علاقة لها بهذا الخطاب، وأنها شاهدت ضرب المتظاهرين وهي تعترض بالهمس، وتفرجت علي معركة استقلال القضاء، ولم تتحمس لشعارات إسقاط رئيس الجمهورية والنظام القائم.

ومع منع الحكومة للمظاهرات الأخيرة واعتقال عدد من النشطاء، دون أي رد فعل جماهيري، كان لا بد أن تقوم القوي السياسية الجديدة بمراجعة عميقة لخطابها السياسي وشكل حركتها وطريقة أدائها في ظل الوعي بطبيعة الواقع الجماهيري المتعايش مع الوضع الحالي، وهذا مربط الفرس في أزمة خطاب القوي الاحتجاجية الذي عاش علي واقع افتراضي لا علاقة له بالحقيقة. وأصبح من المهم تأسيس تحرك سياسي جديد قائم علي تعديل أو إصلاح الأوضاع القائمة وليس إسقاطها أو هدمها ـ كما يحلم البعض ـ بما يعني التأسيس لتحرك سياسي وقانوني جديد يستهدف تعديل أسس النظام القائم ببناء الملعب الذي سيتنافس عليه الجميع، قبل الاختلاف حول الفريق الذي سيلعب المباراة.

وعلي ما يبدو، فإن المؤشرات الأولية تقول إن الجانب الأكبر من المصريين لا يرغب في وضع بديل أيديولوجي للنظام القائم، رغم أنه يرغب في إصلاح أو حتي تغيير هذا النظام. هذا "اللوغاريتم " يعني في الحقيقة أن المجتمع لا يرغب في بناء نظام اشتراكي مثلا بدلا من النظام الرأسمالي المشوه حاليا، لكنه يرغب في إصلاح تلك الرأسمالية وجعلها أكثر إنسانية وشفافية وإنتاجا من الرأسمالية الحالية، وهو لا يرغب في الدخول في مواجهة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة تضع مصر مثل إيران أو مثل المقاومين الفلسطينيين كما يتصور بعض الإسلاميين وكثير من القوميين، أي أن المجتمع يبحث عن "نخبة وسط " أكثر كفاءة ونزاهة من النخبة الحالية تضع مصر في مرتبة أفضل بكثير مما هي علية الآن، وتفتح الباب أمام القوي السياسية من أجل التطور والتعلم من الممارسة الديمقراطية، لتصيغ برنامجها السياسي علي أساس أنه يمكن أن يختبر ويطبق لا أن تزين به صفحات الجرائد والبيانات.

وطالما بقيت المعارضة الجديدة، والصحف الجديدة في إطار الاحتجاج علي الأوضاع القائمة، وطالما بقي الإخوان يتظاهرون بالمصاحف ويترددون في تبني رؤية إصلاحية وسطية ـ بالمعني السياسي لا الديني ـ فسيظل البديل القريب هو التوريث، إلا إذا قرأت المعارضة الجديدة الواقع السياسي كما هو، لا كما تتمناه، وأسست خطابا سياسيا جديدا يتحاور مع كل الإصلاحيين الحقيقيين داخل الدولة أساسا (وعلي رأسهم القضاة) وخارجها، لتأسيس معادلة جديدة لا تستهدف تغيير جوهر التوجهات السياسية في الداخل والخارج، لأنها ببساطة تتطلب شروطا داخلية اقتصادية وسياسية لا علاقة لها بالأوضاع التي يعيشها المصريون حاليا، إنما تفتح الباب أمام تأسيس واقع جديد يخرج المصريين من السلبية التي يعيشون فيها منذ عقدين.

المصري اليوم

( categories: )